أدب المعتقلات مابين الواقع والفانتازيا
بقلم : قدورة فارس

أدب السجون أدب إنساني وُلِد من رحم المعاناة والقهر داخل الزنازين وسجون الاحتلال، وهو إمّا أن يكون نتاج تجربة شخصية، أي بقلم من عاش تجربة الأسر وعانى من قسوة الجلاد، فعبّر عن معاناته وعن بشاعة المحتلّ، من خلال نصوص تتسم بالمصداقية والعفوية والصور الإيحائية، أو هو الذي كتبه غير الأسرى عن الأسرى، ورصدوا تجارب أسرى عرفوهم أو سمعوا عنهم.

وبما أن الأدب في أغلبه  انعكاس للواقع وإن مزج معه الخيال، فكان من الطبيعي أن يعبر الأسير عن تجربته، وأن يحاول إيصال رسالة إنسانية، وأن يعطي صورة حقيقية للمعتقل، وما يتعرض له، وهذا لا يعني عدم لجوء الأسير في بعض الأحيان إلى الخيال في أعماله، فهو يعيش على الأمل ويحلم بالحرية.

ثمّة أعمال روائية عديدة لجأ فيها الأسير إلى الخيال حتى يخفّف من حدّة الحياة القاتمة السوداوية التي يعيشها، فكان المتخيل هو الملجأ الذي من الممكن أن يخلصه من كل هذا السّواد.

وأدب السجون ليس جديدا على الساحة العربية والفلسطينية، فقد صدرت عام 1975 رواية شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف، وهي من الروايات السياسية التي تطرقت بكل جرأة لحال المعارضة السياسية في بلدان الشرق الأوسط، ومن الفلسطينيين الذين كتبوا في هذا المجال خليل بيدس صاحب كتاب”أدب السجون” الذي صدر بدايات القرن العشرين زمن الانتداب البريطاني، وكتب الدكتور أسعد عبد الرحمن في بداية سبعينات القرن الماضي”أوراق سجين” كما كتب محمد خليل عليان” ساعات ما قبل الفجر” في بداية ثمانينيات القرن الماضي، وكتب محمد أبو لبن”أيام مشينة خلف القضبان” وكتب عبدالفتاح حمايل” ترانيم من خلف القضبان”وكتب عزت الغزاوي”رسائل لم تصل بعد” وكتب جبريل الرجوب”الزنزانة رقم 706″  وكتب أسامة العيسة رواية”المسكوبية” وكتب مروان البرغوثي”ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي” والمتوكل طه”الأبواب المنسية” وكتب جميل السلحوت رواية” العسف”

هناك الكثير من النماذج الشعرية أو النثريّة التي عبّرت عن مرارة السجن، وعن السياسة التعسّفية التي يتبعها السجّان، وفي الوقت ذاته هناك نماذج تتكئ على الخيال وتخرج من ضيق الزنزانة إلى فضاء الحرية، على سبيل المثال هناك رواية”مسك الكفاية” للأسير باسم الخندقجي والتي وظف فيها مصطلح التخيل التاريخي، فكتب عن مرحلة لم يعشها عن العصر العباسي وبالتحديدعن والدة هارون الرشيد وزوجة المهدي، فقد كتب التاريخ على شكل رواية.

هناك عوامل كثيرة أسهمت في تنمية الإبداع لدى الحركة الأسيرة ، أوّلها: أن الاحتلال يضطهد كلّ أبناء الشعب الفلسطينيّ، ومنهم الكّتاب، ولا أعرف كاتبا أو شاعرا فلسطينيّا لم يعتقل قبل اتفاقيّة أوسلو، فمحمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد اعتقلوا قبل احتلال عام 1967، وبعد الحرب اعتقل مئات الأدباء والشعراء، ومن أوائل من اعتقلوا وأبعدوا  محمود شقير، خليل السواحري، أسعد عبد الرحمن، وغيرهم، وهؤلاء من فتحوا باب الكتابة الأدبية عن حياة الأسر.

ولا يحسبنّ أحد أن أدب الأسرى يقتصر على ما عانوه من تحقيق وتعذيب وزنازين وغيرها، فالأسرى بشر قبل هذا وذاك، فهناك منهم من كانوا أزواجا أو خاطبين أو عاشقين قبل الأسر، وقد عبّروا في كتاباتهم عن معاناتهم الإنسانيّة وعمّا يدور في قلوبهم وعقولهم، وهناك من طلقوا زوجاتهم أو فسخوا خطبتهم وهم وراء الأبواب المغلقة. وهناك من تركوا خلفهم أبناءهم الأطفال وزوجاتهم، ووالديهم، وهناك من غيّب الموت أحدا من أقرب الناس إليه وهو في الأسر. وقد عبّروا عن ذلك في كتاباتهم.

ومن الجدير بالذّكر أن هناك أعمالا أدبيّة لدى الأسرى ما زالت على شكل مخطوطات ولم تغادر جدران المعتقل؛ وذلك لسببين، الأوّل: عدم إيجاد من يتبنّى هذه الأعمال وينشرُها، والثاني: من هذه الأعمال سير ذاتيّة صَرّحَ بها أصحابها عن مكنونات حياتهم الخاصّة، ولم يريدوا الإفصاح عنها للنّاس، ومعرفة ما يدور في فلك حياتهم من باب الحفاظ على الخصوصيّة، وكانت الغاية منها التفريغ عن النّفس، وتدوينها كمذكرات تعني الأسير نفسه.

من هنا أنا أوجه دعوة لتبنّي المخطوطات التي لم ترَ النور لغاية الآن رغم أهميّتها، من خلال مؤسسة تعنى بشؤون الأسرى وتتخصّص في هذا المجال.

 

وإذا كان أدب الأسرى أدبا واقعيّا في مجمله، فإنه يجب أن لا يغيب عن بال البعض، أن السّرد القصصي والرّوائي الواقعي لا يخلو من الخيال الواقعي الذي تستدعيه فنّية السّرد.

وفي الحالات كلّها يجب أن لا يغيب عن بال الباحثين والدّارسين أن الأسرى بشر وليسوا ملائكة. فهم يحبّون ويشتاقون ولديهم متطلبات جسدية وغرائزية، ولكنّهم يحرمون منها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى