باجس ابو عطوان مات البطل، عاش البطل
بقلم مهند طلال الاخرس

كتاب لمعين بسيسو يقع على متن 86 صفحة من القطع المتوسط وهو من اصدارات دار الفارابي بطبعته الثانية في نيسان 2014.

والكتاب نص ادبي فائق الجمال يروي حكاية المناضل والفدائي الفذ باجس ابو عطوان (ابو شنار) والذي استشهد -حسب ما جاء في ص 13من الكتاب- في معركة خاضها ضد العدو في الارض المحتلة في 20/6/1974 فأعلنت القيادة العامة لقوات العاصفه استشهاده، وقالت انه كان مناضلا صلبا وقائدا لإحدى المناطق في الارض المحتلة.

 

وكان المناضل باجس ابو عطوان قد التحق بصفوف الثورة في 15/12/1967 ، وعمل منذ اليوم الاول بإحساس ثوري وبسرية تامة الى أن إلتحق بالمجموعات العاملة في الجبل يوم 25/3/1968 .

 

وفي إثر استشهاد قائد المجموعات المناضل علي بو مليحة صدر قرار بتعيينه قائدا لتلك المجموعات ومنح رتبة نقيب،وقد خاض المناضل الشهيد 52 عملية ناجحة في جبال الخليل. وبجرأة نادرة واستشهد في 20/6/1974 .

 

جاء الكتاب بلغة شعرية راقية بحيث تشعر وانت تقرا هذه الحكاية بان الحروف تدرك طبيعة المهمة الموكولة لها في هذا النص، وهي مهمة تطريز سيرة البطل باجس ابو عطوان وحفظها من النسيان، ولكي تحفظها الاجيال وتتناقلها جيلا بعد جيل، ولان مفاخر الامم وسيرة المناضلين من اروع ما تنجب الاوطان وتلد البلاد.

 

وهذه السيرة لباجس هي سيرة وطنية من الطراز الرفيع، وتماشيا مع هذا الهدف اوكلت هذه المهمة للشاعر الكبير معين بسيسو من قبل الشهيد ماجد ابو شرار، والذي وضع بتصرف معين بسيسو جميع المعلومات والوثائق المتعلقة بتجربة العمل الفدائي في جبال الخليل، والمهم ان الجزء الاكبر من هذه المعلومات كان بخط يد باجس ابو عطوان وعلي ابو مليحة، وعليه كان هذا الكتاب بهذه الحلة، مع مراعاة لظروف العمل السري والتي تقتضي تغييب كثير من الحقائق والمعلومات والتي افتقدها الكتاب، لكنه افتقاد الى حين، فعندما تلوح رايات النصر سينتفض الجبل ليروي كثيرا من اسرار اصحابه ويغني مات البطل عاش البطل.

 

تدور اسرار الحكاية مع كل خطوة من خطوات باجس الفدائي الجسور، فنجده يعمل في المقهى مع والده، ويدرس الاعدادية ثم يلتحق بالجيش الاردني وبعد النكسة يبرق رسالة للملك تتسبب بطرده من الجيش…ويعمل في مقهى على طريق العقبة الصحراوي وتبدأ الاسئلة بالثوران لديه، لماذا ايدي الفلاح كبيرة؟ وهل اكثر من الفلاح التصاقا بالارض؟ وهل الغريب اكثر غيرة على الارض من اصحابها؟ ولماذا غاب اسم فلسطين، وكيف اصبحت عمان العاصمة بدل القدس؟ وتتابع الاسئلة وتقوده الى بيع حصته في المقهى، وتحسم خطواته الموقف ويقرر العودة لارض الوطن، فابو شنار كما جاء في الصفحة 23 كان يدرك بان “معجزة الفلسطيني في قدمه، وأنا لا أكشف سرا للعدو، فالفلسطيني يذبح من قدمه، ومن أجل هذا فَهُم يعطون الفم الفلسطيني ألف كيلو متر في الهواء، لكي ينطلق فوق صوته، ومن أجل هذا فَهُم يعطون اليد الفلسطينية ألف كيلومتر من الورق لكي يكتب فوقها، أما أمام القدم الفلسطينية.. فهناك الأسلاك المكهربة والأسلاك الشائكة، وهناك حقول الألغام، وهناك مليون جرس إنذار يدق كلما لمست قدم فلسطينية شبرا من الأرض” (عاش البطل، مات البطل).

 

كان “باجس”، قد سمع منذ سنتين عن مجموعات فلسطينية مسلحة تقض مضاجع العدو الاسرائيلي وتُذل جبروته بسلسلة من الغارات الفدائية على مواقعه ودورياته ، وبحيث نجحت هذه العمليات بتكبيد العدو خسائر فادحة اضافة الى قدرة هذه المجموعات على التخفي والتمويه واغتنامها لكثير من اسلحته ومعداته .

بدأت رحلة باجس ابو عطوان فوق ثرى فلسطين، بدا رحلة البحث عن هؤلاء الفدائيين بهدف الانتماء لصفوفهم. كانت هذه المجموعات تتبع لحركة فتح وتطلق على نفسها اسم قوات العاصفة.

 

لم ينتظر “باجس” طويلاً فقد حدث مايريد ويتمنى؛ جاءت خلية فدائية من قوات العاصفة وضربت هدفا في “خربة الطبقة”. اخذته خطواته نحوهم، وسرعان ما عرف طريقه إليهم، وعلى الفور جعل من المقهى الذي يعمل فيه مع والده حلقة اتصال، ومركزا للدعم اللوجيستي. وما هي إلا أشهر معدودات، حتى قامت سلطات الاحتلال باعتقال أبو باجس، ثم هدمت لهم المقهى والبيت وتكرر هدم البيت حتى نصبت العائلة مكانه خيمة وبقيت على ارضها صامدة تبث العزم وتحيي الهمم.

 

اصبح صيت باجس واثر رصاصه وعملياته مصدر رعب للاحتلال، طورد ولوحق وبقي كالشنار بلون الارض يضرب ويختفي، يحتمي بجناح الليل، ولا يحسب حسابا للنهار؛ فيغير على العدو تحت وضح النهار ويكسر شوكته ويُذل جبروته.

 

اصبح باجس المطلوب الاول للاحتلال، وقادته المعارك والمطاردات الى  الجبال رافضا تسليم نفسه.

 

لجأ  الحاكم العسكري الى ابشع صورة الملاحقة والضغط، كان يعرف معنى اعتقال فتاة فلسطينية لأناس يعتبرون المرأة عنوانا للعفة ولشرف ؛ فاعتقل أختيه “هيفاء وعبلة ” في محاولة دنيئة للضغط عليه.

 

لم ييأس ولم يخضع، ومنذ هذه اللحظة صار “باجس” “أبو شنار” وسيعيش في الجبال والوديان فدائيا تخنع له الاساطير وتزف حوله الحكايا، وخلال هذا التنقل عرف ابو شنار كيف يكون صديقا للارض ورفيقا للبندقية مخاويا لليل متحديا للنهار دون ان يبوح احد بسره.

 

شكّلَ باجس مجموعة ضاربة من أربعة عشر فدائيا، وعلى مدى سبعة أعوام، نفَّذ ما يزيد عن اثنان وخمسون عملية .. كان باجس قد تحايل على الموت مرات ومرات، وفي كثير منها حَسِب الموت نفسه قد ربط موعدا مع باجس، لكن باجس كان وفيا لايامه الباقية، كان باجس خير من رد الموت من امام عينيه، لكن بنبل وباتفاق، فذلك ديدن الابطال، لا يرحلون إلا بعد ان تكتمل اسطورتهم.

 

في احدى المرات اقترب منه الموت بشكل اكبر واخذ يحوم من حوله، كان اكثرها حين اوغل باجس بتحديه للحاكم العسكري وقوات جيشه علانية وفي وضح النهار “وعلى عينك يا تاجر”، لكن مرة اخرى كان باجس وفيا لايامه ونجح بمغالبة الموت ولو الى حين..

 

اصبحت خطواته على الطرقات او صوت كلماته في سماعة الهاتف نذير موت قد اقترب لجيش الاحتلال ، كان هذا النذير يطال كل من يسمع كلماته او يرقب خطواته، كان صوت باجس رياح عاصفة هبت في زمن البؤس والانكسار، كان صوت باجس وخطوات

 

اصبحت خطواته على الطرقات او صوت كلماته في سماعة الهاتف نذير موت قد اقترب لجيش الاحتلال ، كان هذا النذير يطال كل من يسمع كلماته او يرقب خطواته، كان صوت باجس رياح عاصفة هبت في زمن البؤس والانكسار، كان صوت باجس وخطواته علامة فارقة على ان صاحب هذه الارض لا يمكن ان يقبل بالهزيمة وبانه حتما سينتصر طال الزمان ام قصر.

 

كانت كل هجماته مركزة على دوريات الجيش ومخافره وافراده، لم يقتل مدنيا واحدا، فقد كان يخشى أن ينتقم الاحتلال من القرى والخِرَب الفقيرة. سبع سنوات وهو يقارع الاحتلال، لم تحد بندقيته بوصة واحدة عن قبلتها .. حتى انه كان يشتري طعامه من الفلاحين ويدفع لهم ويجزل عليهم العطايا والهدايا، كان باجس ابن هذه الارض ويعرف قيمتها ويعرف كيف اصبحت يد الفلاح اكبر من سواها..

 

صار باجس أهزوجة شعبية .. وزغرودة على شفاه الصبايا .. ونسجت حوله الاساطير ونظمت الاشعار وتليت القصائد وغنت الفرقة المركزية له ولبلدته اشهر اغانيها” طوق ياعدو طوق وحاصرنا”، اصبح باجس حكاية ترقى لمستوى الأسطورة .. كان باجس قد اوجع المحتلين واذلهم، حتى انه اصبح المطلوب الأول للاحتلال وبأي ثمن.

 

ظلت تحركاته وخط سيره ومكامنه سرا غامضا على الجميع .. كلما نصبوا له كميناً أفلت منه، كان باجس ابن هذه الارض ولونه من لونها وطينته من طينتها، كان يحفظ جبال الخليل بتلالها ووديانها ويعرف كل مداخلها ومخارجها، كان يعرف كل طرقاتها وكهوفها.

 

حصل ان طوقته فرقة من جيش الاحتلال، وكاد ان يمسكوا به، لكنه ابن هذه الارض، فقد تحالف معها منذ نعومة اظافره، اسعفته الارض ومنحته شقا صخريا مجوفا، فانسل بخفة فيه، وبالكاد أدخل جسمه فيه ثم نجح باغلاقه بصورة طبيعية، بحثوا عنه حتى اعتقدوا “ان الارض انشقت وبلعته”، منذ ذلك الحين اصبح الجميع يطلق عليه لقب ابو شنار فهو صاحب الارض وابنها الذي يشبهها في كل شيء..

 

انتقل “باجس” مع فدائييه إلى منطقة الجوف؛ هناك احتفظ بسر مقره الجديد حتى يوم شهادته؛ حين تمكن (صديق خائن مقرب منه) من تفخيخ صندوق الرصاص الذي كان قد اعطاه اياه، وكان هذا (الصديق الخائن) يعلم علم اليقين عشق باجس للرصاص وحاجته الماسة له.

 

وقع المحظور، فما أن فتح باجس الصندوق حتى انفجر بوجهه، ارتمى “باجس” على كتف رفيقه “علي ربعي” وظل ينزف إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة في احدى الكهوف في جبال الخليل.

 

ان كنت من ابناء المنطقة او قدرت لك الظروف وزرت خربة الطبقة ستجد روح باجس تحلق في المكان الى الان. ان حصل وتجولت في تلك الانحاء قد تصادف خطواتك خطوات باجس، حذار كل الحذر ان تدوس عليها.

 

في نهاية الحكاية يصل الكاتب معين بسيسو الى كمال الصورة وسطوة الاسطورة؛ حيث يختم القصة بحلم ورؤية شعبية تبين الى اي حد حكاية هذه الاسطورة مترسخة ومتجذرة في حياة الشعب الفلسطيني فيقول… “في تلك الليلة التي دفن فيها باجس ابو عطوان رأى الفلاحون في دورا ، رؤى عجيبة..رأوا طيورا في حجم الصخور ..تحمل في مناقيرها عناقيد العنب ، وتلقي بها فوق سقوف بيوتهم..أما والدة باجس ابو عطوان فلقد رأت نحلة في حجم طائر الشنار يحط فوق تراب القبر ..ثم يطير…

فلاح عجوز ..حينما سمع الرؤيا ..تطلع الى السماء وتمتم:

هذا دم باجس ابو عطوان ، تحول الى قرص عسل..

مات البطل..

عاش البطل..”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى