بخصوص النزعة التسلطية كعنصر مشكل لشخصية الجزائري السياسية
بشير عمري

في حوار له مع موقع الجيري واتش، أجاب المؤرخ الجزائري محمد حربي عن سؤال حول ما إذال كانت أزمة صائفة 1962 وحسم العسكر لها لصالحه هي من شكلت وجه وبنية السلطة الحالية” قال بأن “الأزمة أعمق من ذلك وهي تعود إلى طبيعة المجتمع الذي ينزع إلى التسلط وقد تفتاقت النزعة هاته حين تعسكرت”!

قد تكون الأحالة العميقة تلك إلى الأصول النفسية والثقافية للمجتمع، مبالغ فيها أو على الأقل جسرها بالثقافة السياسية التي انتهجها العقل السياسي الوطني الناشئ من وداخل الاضطهاد الاستعماري لعقود عدة، لكن الحاصل هو أن هذا العمر الطويل من الاضطهاد الذي قضاه المجتمع الجزائري ترك فيه جرحا نفسيا ليس يسهل اندماله وقد يظل خدشه كامنا الكوشم على الجلد يحرك في ذاكرته التاريخ وكراهية السيطرة والاذلال والظلم وهي كلها عناصر التسلط والنزعة التسلطية التي تسترهب والشعوب وتستلب بل وتُسلب خيراتها ومقدراتها.

لكن السؤال الذي تفرضه قراءة حربي لطبيعة تشكل السلطة الحالية وما زعم أنه امتداد للعمق النفسي الشعبي تماشيا والمقولة الشهرية (كما تكونوا يولَّى عليكم) التي يدعي الكثيرون أنها حديث شريف، بينما هي النقيض لتواصي ووصايا الرسول في مناوءة ومواجهة الظلم وتحقيق التغيير المفضي إلى بسط الشرعية والعدل بين الناس، – السؤال – هو هل لا يزال المجتمع الجزائري بذات النزعة التسلطية التي نحتها منه النظام وبها حكمه طيلة هاته المدة ولا يزال؟ أم أن المجتمع تغير على الصُعد جميعها، النفسية منها والثقافية وفصل وعيه بين أثر الجرح التاريخي والواقع حاله اليوم ما يجعل السلطة بطبيعة الحال مجردة من شرعية أخرى وهي شرعية الارث النفسي؟

ليس هو بمحض الأنس المعرفي وتمضية الفراغ من الوقت، تناول هكذا مواضيع تتعلق بعناصر ظلت في الهامش ولكنها أسهمت في تشكيل الواقع تماما مثلما يسهم الحجر الصغير في سد ثغرات الصخر الكبير ما يفضي إلى تحجر الماء، بل إنها قد تكتشف بكونها ليست من طبيعة الهامش وإنما وضعت فيه أي بمعنى هُمشت في الدراسة والتحليل والتعليل لأسباب تتعلق الانكسارات التي عرفتها بعض مراحل الثورة وعموم فترة الاستقلال .

فإذا كان الكثيرون قد تناولوا النفسية الخاصة للشعب الجزائرية من خلال الوصف الكلاسيكي الذي خُصت دوما به، بأنها تلك الساخنة، المندفعة والمنتحرة حتى، في مواجهة إرادة الاخضاع والترويض وهو ما توج الانسان الجزائري بالريادة الثورية في العالم الثالث، فثمة من أعاب على هذا الأخير نقل هذا العنصر أو بالاحرى الولوج به عالم السياسة وشؤون الحكم، الذي يقتضي الكثير من التأني والهدوء والتحكم في الأعصاب، لأن السياسة شطرنج على رقعة أخرى تستنزف من الانسان كل قوى تركيزه والصبر وخاصة الهدوء !

وإذا ما استندنا على هذا المعطى في التشخيص سنجد أنفسنا حيال حالة أخرى الثنائية الضدية المتلازمة من جملة الثنائية الضدية التصارعية التي وسمت مسار النضال الوطني للانسان الجزائري، وهي الآن تستجدي بدورها الفصل التوظيفي، ونعني بها هنا طبيعة النفسية الجمعية الساخنة بالثورة والثائرة بسخونة ومقتضيات العمل السياسي الهادئة، فهل يمكن بلوغ ذلك وما الوسائل المفضية إليه؟.

أصلا التسليم بهكذا تميز وميزة نفسية وتشكل سياسي (تسلطي) للانسان الجزائري ينفي عنه تلقائيا صفة وثقافة “السياسة” ويؤكد بأنه محتمع غير سياسي، قبل الحديث عما إذا كان ديمقراطي أو ديكتاتوري وأ غيرها من علامات وصفات الممارسة السياسية، وهذا ما لا يسنده منطق ولا عقل، ولا أي قاعدة من قواعد العلم والمعرفة الانسانيتين.

ما حدث هو أن الوعي السياسي الذي نشأ كما أشرنا في ظروف قاهرة وعليه نشأت ثقافة ونفسية الفاعلين في الحركة الوطنية، كان لا يزال يلامس إذ ذاك النفسية الاجتماعية المقهورة المجروحة وعلى سماتها يمارس فعله التاريخي على أرض الواقع، فلم يكن السياسي يفصل وعيا وعملا بين منطق مجتمع الدولة والدولة – المجتمع حتى يعرف مبدأ  ملصلحة الدولة la raison d’Etat الذي تحت ذريعته تمت تصفية بعضهم البعض في الصراع على القيادة الثورية ثم السلطوية بعد الاستقلال. .

وإذا كان القهر الاستعماري قد أثر بشكل أو بآخر في تشكيل النفسية السياسية للانسان الجزائري؟ أفلا يفعل مثله القهر السلطوي مع أجيال الاستقلال؟ واضح أن التأثير كان واقعا ومهولا وإلا كيف يمكن تفسير بشاعة الحرب الأهلية التي تم فرضها على الشعب وهو يسعى سلميا وسياسيا (الانتخابات الملغاة سنة 1992) إلى التغيير، لكن النزعة التسلطية هنا انتقلت من كونها نتاج نفسي لدى النظام الحاكم إلى كونها نهج سياسي في الحكم، وما كشف عن ذلك تحديدا هو مستوى الوعي السلمي في التغيير الذي أظهره الجيل الحالي المتعلم قليلا من تاريخه والكثير من تاريخ الشعوب ومن المعرفة السياسية، ما يفضي إلى القول بأن العقل (الوعي) بوسعه التحكم في تأثيرات الجرح النرجسي القديم (الاضطهاد الاستعماري والسلطوي) إذا ما بلغ مقدار ما بلغه واظهره الشباب الجزائري من نضج في فرض السلمية كسيف شفاف في مبارزته للنظام مستقر سريريا في لحظة انبلاجه وانولاده الأولى لا يتغير، فأنَّى له أن يغير أو يدعي نية العبور إلى مراحل جديدة من حياة الأمة.

فالواقع إذا، أنه لا يجب مهما كانت مصداقية أطروحة الربط بين عموم النفسية المجتمعية والثقافة السياسية بتأثير الأولى على الثانية، القول بأن أزمة الحكم في الجزائر هي تحصيل هذا الحاصل، وإنما هي صراعات بين ساسة افتقدوا وقتها لثقافة رجال الدولة، ولم يكن هذا عيبهم الخاص وقتها، بقدر ما صار كذلك بعد الاستقلال حيث استمروا إلى اليوم على هذا النحو غير مدركين بأنهم بسلكوهم هذا ليسوا ينفصلون عن مجتمع يتطور في نفسيته ووعيه ومستوياته المعرفية والثقافية فقط، بل عن التاريخ ومستجداته، وما نراه ونسمعه اليوم من عنتريات صدامية ووطنيات قديمة وتصريحات غير مسئولة من رجالات يفترض فيهم ثقافة الدولة، سواء اكانوا وزراء أو ولاة يؤكد أن الراصد لعيوب الدولة (الوعي الجديد) هو المتحرك في التاريخ  والمرصود (السلطة) هو القابع في مكانه القديم الأول.

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى