بريطانيا والصين
بهاء العوام

علاقة بريطانيا بالصين “مُعلّقة” حتى اختيار رئيس حكومة جديد.

 

تصريحات المرشحين لرئاسة الحكومة البريطانية توحي بأن لندن قد تمضي نحو القطيعة مع بكين، ولكنَّ كلا من وزيرة الخارجية، ليز تراس، ووزير الخزانة السابق، ريشي سوناك، كان جزءا من حكومة المحافظين، التي عاشت سجالا مع البرلمان منذ عام 2021 بسبب عدم وضوح رؤيتها تجاه القطب الآسيوي.

“تراس” تقول إنها ستلجأ إلى دول الكومنولث لتضع “بريطانيا العالمية” في مواجهة الصين.

أما “سوناك” فسيوقف برامح الثقافة واللغة الصينية في بلاده، بوصفها “حوامل الممارسات التي تهدد الأمن والاقتصاد”.

ولكن هل يعبر تصعيد المرشحَين عن رغبة حقيقية لدى المحافظين بالقطيعة مع سياسة التفريق بين الأمن والسياسة في العلاقة مع بكين؟

بين 2015 و2016 شهدت العلاقات البريطانية الصينية “مرحلة ذهبية” في ظل حكومة ديفيد كاميرون.. ورغم تدهور هذه العلاقات خلال العامين الماضيين لأسباب عديدة، كانت حكومة بوريس جونسون تخطط مطلع العام لبدء محادثات مع بكين.

ووزير الخزانة حينها، ريشي سوناك، كان يطالب بإحياء القمم التجارية التي توقفت بين البلدين منذ 2019.

حكومة “جونسون” اعتبرت بكين “تهديدا صريحا للنظام الدولي”، وتبنّت موقف أمريكا إزاءه أمنيا وسياسيا.. ولكن في الوقت ذاته أبقت على العلاقة الاقتصادية مع الصين، التي تعد، وفقا للأرقام، ثالث أكبر شريك تجاري للمملكة المتحدة بأكثر من 93 مليار جنيه إسترليني من الاستيراد والتصدير المتبادل بين البلدين نهاية الربع الأول من عام 2022.

علاقات البلدين تدهورت بسبب ما قيل عن “عمليات تجسس صينية” على مصالح بريطانية.. كما سيطرت بكين على شركات تكنولوجية تتخذ من المملكة المتحدة مقرا لها، مثل “نيوبورت وافر”، أكبر شركة لتصنيع أشباه الموصلات في البلاد.

في السادس من يوليو 2022، اجتمع قادة أجهزة الاستخبارات في بريطانيا وأمريكا لبحث ما أسموه “التهديد الصيني”.

وقد أقروا بأن هذا “التهديد” يحيط الشركات الغربية “ولا يلحظه حتى رجال الأعمال المحنكون”.

رئيس المخابرات الداخلية البريطانية، كين مالكوم، لفت إلى أن الجهاز يُجري اليوم سبعة أضعاف التحقيقات في “التهديدات” الصينية مقارنة بـ2018.

اللقاء الأمني البريطاني الأمريكي استند لمراجعة أمنية أجرتها حكومة “جونسون” قبل أكثر من عام، واعتبرت فيها الصين “منافسا ممنهجا”.

ورغم ذلك أقرت المراجعة أن لندن تحتاج إلى التعامل مع بكين في قضايا دولية مثل المُناخ، كما يفضل أن تتواصل العلاقات التجارية بين البلدين، ويفضل أيضا بذل مزيد من الجهود لفهم الصينيين، شعبا وحكومة.

لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان عاشت سجالا مع حكومة “جونسون” بشأن الصين بين سبتمبر 2021 وفبراير 2022.

ثمة برلمانيون يطالبون بقطيعة في العلاقات مع بكين.. ولكن الحكومة لن تستجيب لهذه الدعوات إلا في سياق موقف دولي أو غربي تتزعمه الولايات المتحدة لمواجهة النفوذ الصيني، كما حدث مع روسيا بعد حرب أوكرانيا.

الصين اليوم هي أكثر التحديات الخارجية أهمية للحكومة المقبلة في بريطانيا.. وهي الأكثر تعقيدا أيضا بسبب نفوذ بكين الكبير في بريطانيا وحول العالم.. هي شريك تجاري هام وفي الوقت ذاته يراها الغرب -بزعامة أمريكا- “تهديدا حقيقيا للنظام الدولي”.. وهنا تكمن صعوبة اتخاذ الخطوات، التي تحقق معادلة الاستفادة من بكين اقتصاديا، وردعها على المستوى السياسي والأمني عالميا.

أسباب الخصومة مع الصين لم تتغير، وبالتالي لا ضرورة لأي تغير في السياسة البريطانية تجاه الصين، مع وصول حكومة جديدة إلى 10 “داونينج ستريت”، وخاصة إنْ ظفرت “تراس” بزعامة حزب المحافظين في الخامس من شهر سبتمبر/أيلول المقبل.. فهي وزيرة للخارجية وستواصل ما بدأته في عهد حكومة “جونسون” ما دامت الظروف هي ذاتها.

المتغير الوحيد، الذي يمكن أن يقود إلى خطوات تصعيدية بريطانية ضد الصين، هو توتر الأوضاع بين بكين وتايبيه، عاصمة تايوان.

فإنْ شنّت الصين هجوما عسكريا على تايوان، ستُضطر المملكة المتحدة لمواكبة مواقف الغرب إزاء الهجوم.

 

لن تتخذ لندن بالطبع إجراءات عسكرية ضد بكين، ولكن حتى الخطوات الدبلوماسية والسياسية قد تكون مضرة لمصالح بريطانيا.

إنْ وقعت الحرب في قارة آسيا ستتأثر العلاقات الاقتصادية بين بريطانيا والصين، وهذا يتعارض مع رؤية المحافظين، التي تريد الإبقاء على معادلة مواجهة التهديدات الأمنية الصينية، وفي ذات الوقت تعزيز العلاقات الاقتصادية مع بكين.. ليس في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والاتصالات فقط، وإنما في مجالات أخرى مثل مشاريع البنية التحتية.

بعد الحرب الأوكرانية ربط حلف الناتو بين الصين وروسيا في محاولة هدم قواعد النظام الدولي.

وبالتالي العامل الحاسم في رسم ملامح العلاقة بين لندن وبكين خلال الفترة المقبلة سيكون التوجه الأمريكي في التعامل مع نفوذ الصين عالميا.. فإذا أرادت الولايات المتحدة التصعيد فستمضي بريطانيا خلفها، حتى ولو حمل ذلك ضررًا لمصالحها.

أمريكا هي من تقود حلف الناتو، وهذا الحلف الذي تمتلك بريطانيا سادس أكبر جيوشه عدديا، يرى أن بكين “تلجأ إلى عمليات سيبرانية لنشر معلومات مضللة تضر بأمن دوله”.. كما تسعى الصين عبر أدوات مختلفة إلى “التحكم في القطاعات التكنولوجية والصناعية الرئيسية حول العالم”، إضافة إلى البنية التحتية الحيوية والمواد الاستراتيجية وسلاسل التوريد.

السياسة البريطانية الخارجية باتت اليوم تتماهى مع أمريكا، فيما المملكة المتحدة لم تعد تمتلك التأثير الدولي، الذي كانت تتمتع به ضمن الاتحاد الأوروبي.. لكن المشكلة هي أن واشنطن تتبع نهجا صداميا في محاولة استعادة قيادتها للعالم، يضر بحلفائها وخصومها على السواء، والسؤال الآن هو: ما حجم الضرر الذي يمكن تجنبه في التبعية للولايات المتحدة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى