بصدد اقتحام الكابيتول!
توما حميد وفارس محمود

ما الذي جرى؟!
كان مجلس الشيوخ ومجلس النواب يجتمعان بشكل مشترك في عملية شبه شعائرية في الساعة الواحدة بعد الظهر من يوم 6 كانون الثاني الذي يأتي بعد الانتخابات الفيدرالية لعد شهادات الأصوات الانتخابية من 50 ولاية ومقاطعة كولومبيا والاقرار على نتائج الانتخابات حيث يفوز المرشح الذي يحصل على 270 صوتا. لقد وجد ترامب والموالون له في هذا الحدث فرصة للقيام بمحاولة أخيرة لإلغاء نتائج الانتخابات. لقد دعا ترامب أنصاره للتجمع في هذا اليوم. وقرابة ظهر ذلك اليوم، اعتلى ترامب المنصة في المسيرة المؤيدة له امام البيت الأبيض وقال لهم “علينا القتال بقوة أكبر”. وقد حرضهم في نهاية خطابه الذي استمر لمدة ساعة وركز على رفض نتائج الانتخابات ووجود تزوير واسع في نتائج الانتخابات وعلى السير الى بناية الكابيتول التي فيها الكونجرس ومجلس النواب للتعبير عن غضبهم على “الانتخابات المزورة”. وعند وصول المسيرة الى البناية في الواحدة بعد الظهر، قام انصار الحركة التي يقودها ترامب، وتحت شعارات “استرداد امريكا” و”استرداد البرلمان”، بمهاجمة الشرطة واقتحام مبنى الكابيتول وقام العشرات بمحاصرة مجلس النواب. أدت اعمال العنف الى وفاة اربعة اشخاص واعتقال 52 شخص. في الساعة 5.40 دقيقة عصرا، اعلن بان مجمع الكابيتول آمن. وفي الساعة 8 ليلا، استأنفت النقاشات في مجلس الشيوخ. وقام الكونجرس الأمريكي في الساعات الأولى من صباح 7 كانون الثاني بتصديق فوز جو بايدن في الانتخابات.
لقد كان التجمع والخطاب والهجوم مسالة مدروسة، اذ نوّه ترامب حتى قبل الانتخابات باحتمال؛ انه لا يسلم السلطة. وما اثار الانتباه هو لا مبالاة الشرطة في المكان، رغم علمهم المبكر بالتجمع المنوي اقامته. وقد اكد الكثير من المشاركين بان الشرطة كانت قليلة العدد بشكل ملفت للنظر، ولم تطلب أي شيء من المتظاهرين، ولم تحاول بشكل جدي مجابهة اعمال العنف. لقد كان هناك فرق كبير بين سلوك الشرطة في التصدي لهذا الاحتجاج بالمقارنة مع تصديها الشرس والعنيف للمتظاهرين من حركة “حياة السود مهمة”، حيث كانت تستخدم خراطيم المياه والهراوات والغاز المسيل للدموع بكثافة وتلتجأ الى العنف المفرط وأحيانا بشكل غير مبرر. على هذا النظام ان يرد على ما هو تبريره لهذا التعامل المزدوج ان لم يكن تمييز عنصري يدق جذوره في المجتمع الامريكي اليوم، تمييز يميني فاشي وعنصري يعتبر من المكونات الاساسية لمجمل التيارات اليمينية المتعاقبة في امريكا.
سابقة تاريخية!
بالنسبة لأمريكا وتاريخها، والتي تتفاخر بديمقراطيتها الغربية التي تحدث فوكوياما يوما عن ابديتها وبكونها النموذج النهائي والافضل للحكم في تاريخ البشر، يعد هذا الحدث خارج التقليد، “غير متوقع” وامر “اقرب للجنون” على وصف الكثيرين. اذ لم يحدث هجوم من هذا القبيل منذ قيام القوات البريطانية بحرق الكثير من المباني الحكومية والعسكرية في العاصمة واشنطن في عام 1814 التي كانت جزء من الحرب التي بدأت 1812. وهذه هي اول مرة في تاريخ أمريكا يقوم رئيس في التشجيع على التمرد واحتلال مجلس الشيوخ.
صحيح انه عمل “غريب” في تاريخ امريكا و”سابقة”، بيد انه ليس بأمر جديد في عالم البرجوازية والديمقراطية. ان “الانقلاب” على نتائج الانتخابات في عالم البرجوازية، وضع اليد على نتائج العملية الديمقراطية ورفضها والاطاحة بها هو ليس بأمر غريب في عالم سلطة الرأسمال ونظامه الديمقراطي. ان هذه هي ممارسة اغلب الانظمة والحكومات المدعومة من امريكا. الم تفعل في تشيلي الليندي في 1973 هذا، الم تقم به في امريكا اللاتينية وجنوب شرق اسيا و….مع فرق واحد: قامت وتقوم به امريكا دوماً في خارج حدودها، فيما يجري اليوم هذا في واشنطن. ان هذا ما تغير، والا ليس بتقليد عجيب او غريب في حياة الديمقراطية الغربية!
ولكن ان ما يقض مضجع البرجوازية ومؤسساتها وهيئاتها الحاكمة لا على صعيد امريكا فحسب، بل العالم وحلفاء امريكا قبل غيرهم، هو ليس ما قام به ترامب وانصاره، اذ ان هذا امر يمكن تحمله والتعامل معه في المطاف الاخير. ولكن ما اقلقها فعلاً هو، بالإضافة الى توجيه ضربة لسمعة الديمقراطية الامريكية والديمقراطية عامة امام انظار العالم، هو الرعب من ان يصبح هذا اسلوباً، الرعب من “تطاول” الطبقة العاملة والجماهير المحرومة والكادحة غدا على هذه “المقدسات” والدوس عليها وعبورها! والا في كل الاحوال، فان ترامب، ومهما كان “ابن عائق” فهو يبقى من افراد هذه العائلة، عائلة البرجوازية.
ظاهرة ترامب
ان يمين متشدد ومتطرف وفاشي معادي للملونين ولكل ما هو غير “ابيض”، للاجئين، للمهاجرين، للنساء، ذكوري، ديني هو ظاهرة وتيار ليس بجديد في المجتمع. انه تيار له تاريخ. فرضت عليه البشرية التقدمية الانزواء والهامشية في المجتمع لعقود. بيد انه موجود وتجسد بحركات ومنظمات وسياسات وشعارات ورايات واعراف وتقاليد. ان الكوكلوكس كلان والواسب (ًWASP) (اي مختصر كلمات ابيض، انكلوسكسوني، بروتستانت) واليوم منظمة اليمين البديل (alt-right) وهي جزء من ظواهر وتبديات يمين المجتمع. ان هذا اليمين ليس بظاهرة محلية، وانما عالمية. جسّد نفسه بحركات وتيارات اتت في اماكن كثيرة للحكم في المانيا الهتلرية، ايطاليا الموسولونية و…غيرها. واتت من رحم الديمقراطية البرلمانية.
فرضت البشرية التقدمية ويسار المجتمع الانزواء والتهميش على هذا التيار لعقود. بيد انه رفع راسه ومنذ ما يقارب العقدين على صعيد عالمي، وليس في امريكا وحسب، وتحديداً اثر الازمة الاقتصادية التي عمت العالم، ازمة 2008. ان لصعود اليمين، الذي مثل هذا الحدث الاخير، احد محطاته المهمة أسباب عميقة كانت تختمر على مدى سنوات وخاصة منذ ازمة 2008. وعلى هذا الأساس، لم يكن هذا الحدث غير متوقع، ويجب ان لا تنتابنا الصدمة مما حدث.
لقد بدأت بوادر ركود اقتصادي في أمريكا رافقته هجمة على المستوى المعيشي للطبقة العاملة منذ سبعينيات القرن المنصرم، وتصاعدت مع سياسات الليبرالية الجديدة والريغانية. لقد وصل هذا الركود ذروته مع ازمة 2008. لم يتعاف المجتمع الأمريكي من ازمة 2008 رغم تعافي سوق الأسهم وارباح قطاعات محدودة من الاقتصاد. اذ ان 78% من العمال الأمريكيين كانوا يعيشون من الراتب الى الراتب. فحسب تقارير نشرت في 2017 وفي 2019 ، أي قبل الازمة الحالية التي تسمى بأزمة كورونا، كان هناك حوالي 600 الف مشرد في أمريكا، وكان هناك 27.5 مليون امريكي بدون تامين صحي خلال 2018. وعانى 40 مليون شخص من الجوع في الولايات المتحدة في 2017. وعاش طفل من كل ستة في فقر، أي ان 11.9 مليون طفل امريكي كان يعيش في فقر، وان “معدل الدين” على الفرد في ازدياد مستمر.
كل هذه الأوضاع أدت الى تعاظم امراض اجتماعية مثل الكآبة، الانتحار، الادمان على المخدرات والعنف وتفكك الاواصر الإنسانية في المجتمع. حيث مات على سبيل المثال 70237 شخص عن طريق اخذ جرعات زائدة من المخدرات في عام 2018، وقد قام (48,344)بالانتحار وفقد 18830 شخص حياتهم نتيجة القتل في العام ذاته.
لقد تضاعفت مآسي الطبقة العاملة الامريكية بأضعاف المرات منذ ازمة كورونا، في وقت شهد المجتمع زيادة عدم المساواة بمديات فلكية واشتداد التمايز الطبقي بشكل رهيب، بالإضافة الى الجنسي والعرقي و… الخ. اذ تؤدي ازمات اقتصادية بهذا العمق الى ازمات اجتماعية وسياسية وثقافية عميقة جدا. هناك الكثير من اليأس في المجتمع، وهناك استقطاب هائل، هناك انشقاق وتجابه طبقي عميق.
في مواجهة هكذا أوضاع، تقوم الحركات الاجتماعية المختلفة، بيمينها ويسارها، بطرح رؤاها وبدائلها امام المجتمع ارتباطا بكل المسائل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تواجه المجتمع بما فيها تدهور مكانة أمريكا العالمية، علاقة امريكا مع الدول الاخرى، مع اوربا، صعود الصين، الرد على البطالة، البيئة و… الخ. ترى الجماهير نفسها وهي امام هذه البدائل والطروحات للرد على وضعيتها.
ظهر اليمين دوماً في ظل اوضاع التأزم، ومن رحم الديمقراطية والبرلمانية. هتلر، موسوليني، بولسنارو (رئيس البرازيل) و… عشرات من امثالهم. ليس هذا وحسب، اننا نشهد صعود يميني على صعيد عالمي، ويحقق اليمينيون والفاشيون مكاسب برلمانية وسياسية في امريكا واوربا وغيرها. جرى الامر ذاته في امريكا.
لا يمكن فصل صعود ترامب عن الازمة الاقتصادية العميقة والخانقة في امريكا. انه اتى تعكزاً على عجز اوباما وبايدن على الرد على الاوضاع المذكورة والرد على معضلات البرجوازية الامريكية اجمالاً. وفي ظل غياب يسار قوي ومؤثر، وعبر شعبوية قومية ووطنية برجوازية ترفع راية “امريكا اولاً” و”لنسترد امريكا” و”توفير فرص عمل” وغيرها، تمكن ترامب في انتخابات 2016 من جر قسم واسع وعريض من العاطلين والمحرومين والعمال. ان توتر هائل وتناقضات عميقة كانت تغلي تحت السطح، وكان لابد ان تجد تعبير لها، وهذا ماحدث من خلال ترامب والحركة التي يقودها. انها ليست المرة الاولى التي يقع جمع كبير من البشر اليائسين في فخ أيديولوجي برجوازي مغرق في الرجعية، ويساهم في بروز حركة يمينية في منتهى الرجعية.
تسعى البرجوازية واعلامها ومفكريها لتشويش اذهان الجماهير وحرفها عن الحقيقة، ليس ترامب بإمرئ “معتوه”، “تخطى الخطوط الحمر” وغيرها. انه ممثل حركة اجتماعية رجعية واقعية: اليمين البرجوازي الرجعي الفاشي. انه، وقبل ان تأتي به الديمقراطية الغربية، اتى به تصاعد اليمين على صعيد اجتماعي استناداً الى الاوضاع التي ذكرتها. وتمثلت مهمته، بعد انتصاره الانتخابي السابق بتنظيم قوى حركته، تياره، اليمين المتشدد في مجتمع مستقطب الى ابعد الحدود من الناحية الاجتماعية والطبقية. وهو في السلطة لأربعة سنوات، وبيده الة الدولة وثروات المجتمع، دفع حركته الموجودة في الميدان خطوات كبيرة إلى الامام، حركة اتى هو على اساس تناميها وتصاعدها، وجعلها خلال 4 اعوام من حكمه اقوى واقوى بحيث تقدم على خطوات “غير مسبوقة” كهذه. ومثلما هو الحال مع هتلر وغيره من اليمينين الفاشيين، “بث النار” في افئدة حركته وفي نفوس “البيض” المعادين لكل ما هو انساني، تحت راية “استرداد عظمة امريكا” الفاشية!
في ظل فشل المؤسسة البرجوازية الرسمية في مواجهة أزمات المجتمع، وفي ظل غياب بديل يساري واشتراكي قوي، برز اقصى اليمين كبديل. لم يكن لأقصى اليمين عبر تاريخ البشرية بديل للخروج من الازمة الاقتصادية غير تشديد الاستغلال والقمع على الطبقة العاملة، ولذلك يلجا الى توجيه انظار الطبقة العاملة الى أمور أخرى، يقوم بلوم الاخرين الذي قد يكون “الصين”، “الإرهاب الإسلامي” او “الشيوعيين” و”الفوضويين” الخ وخلق كبش فداء “جاهز” مثل المهاجرين والسود والاعراق الأخرى واليساريين والفوضويين والمثليين الخ.
لقد أصبح اقصى اليمين ممثل هذه المرحلة في أمريكا. ان حركة اليمين الاجتماعي هي التي أتت بترامب، هي التي رات فيه في لحظة ما ناطقاً باسمها، ممثلاً عنها، معبراً عن امالها وطموحاتها الرجعية. من مميزات هذا البديل هو التشكيك بالمؤسسات الرسمية البرجوازية، نشر نظريات المؤامرة، ابراز قائد شرس، صارم، واضح، يتصرف بشكل غريب و”بطلجي”. لهذه الحركة التي يمثلها اليوم ترامب الكثير من القادة الاخرين مثل جوش هاولي، تيد كروز وتوم كوتن. هذه الحركة، أي حركة اقصى اليمين في أمريكا هي حركة بملامح فاشية ليس لها أي مشكلة مع استخدام العنف السافر وعدم تسليم السلطة. وان ترامب وسلوكه هو انعكاس لهذه الحركة. ترامب وامثاله هم نتاج الديمقراطية في وضع الازمة. ولكن القضية الأساسية هي ليست ترامب، بل اليمين المتشدد المناهض للمساواة والشيوعية والحرية. ان هذا اليمين يكتسب اقتدار ليس على صعيد أمريكا فحسب، بل على مستوى العالم.
مخاطر جدية:
يتحدث البعض عن “الترامبية”. نحن نرى ان ترامب ظاهرة عابرة في المجتمع. استطاعت الطبقة الحاكمة وتياراتها الاساسية من ازاحته، وراحت تتحدث اطراف واسعة عن “امكانية عزله” وفق التعديل 25، وحتى محاكمته. بيد ان الحركة الاجتماعية التي تقف ورائه هي الأصل. ان خسارة ترامب في الانتخابات هي هزيمة تكتيكية لليمين كتيار اوسع من ترامب. ان عين هذه الحركة هو على المستقبل، والهدف هو إبقاء هذه الحركة بأقوى شكل ممكن في الميدان. وبهذا المعنى، فان حركة اليمين التي هي اوسع من تيار ترامب، ليست “في الحضيض” كما يقال، بل هي حركة موجودة في الميدان وتكتسب اقتدار. وحتى البيان الذي أصدره ترامب في 7 كانون الثاني الذي اقر فيه بفوز جو بايدن يدل على ان هدفه إبقاء هذه الحركة في الساحة، حيث قال في هذا البيان “… رغم أني لا أتفق إطلاقاً مع نتيجة الانتخابات، سيكون هناك انتقال منظم للسلطة في 20 كانون الثاني/يناير”، وأضاف: ” بينما تمثل هذه نهاية أفضل أولى الولايات في تاريخ الرئاسة، لكنها مجرد بداية معركتنا من أجل أن نعيد لأمريكا عظمتها”. وقد لخص الهدف واحد من المشاركين في التجمع الذي هاجم الكابيتول بشكل بارع حيث قال،” السياسيون الذين استسلموا وصوتوا للتصديق على الانتخابات المزورة قد ختموا مصيرهم، ولكن لن يختموا مصير هذا البلد. اعدك بذلك. هذا ليس جري قصير. لم نصل في هذا السباق الى خط النهاية”.
تتنامى هذه الحركة وعينها على الغد. انها في ظل الثنائية الحزبية الجارية ( ديمقراطي-جمهوري) طيلة عقود للسلطة والبرلمان الحاكم في امريكا، فإنها، وارتباطا بمصالحها واهدافها، ان تؤسس في لحظة ما حزباً خاصة بها خارج المعادلة القائمة (جمهوري-ديمقراطي)، وتطرح نفسها بديلاً مستقلاً على صعيد اجتماعي، وتأتي للحكم باسم اخر وبأشخاص اخرين في انتخابات قادمة. ولكن السؤال المطروح هل البرجوازية على استعداد للقبول بهذا؟ مثلما اثبتت تجارب التاريخ. ان البرجوازية امينة لمصالحها ولأهدافها وليس للأطر التي رسمتها. اذ طالما هذه الاطر لا تفيدها، فهي على استعداد للدوس عليها. ففي ازمة سياسية واقتصادية خانقة وانعدام افق البرجوازية للرد على هذه الازمة، هي على استعداد لجلب الفاشيين للسلطة، رغم عدم سهولة هذا. فالبرجوازية لم تقسم بأغلظ الايمان ولم ترفع راية الولاء لاطار معين، بل هي تنظر الى امر وهو: اي تيار، وفي اي مرحلة، ومدى قدرته على تامين مصالح البرجوازية وصيانتها من تطاول الاخرين. ان هذا هو المهم وليس برلمانها او اطرها السابقة “غير المقدسة”. وبالمناسبة، البرجوازية براغماتية. ان هذه الاطر والترتيبات “مقدسة” عندها، حين يكون الامر متعلق بانصياع الاخرين وارضاخهم، الجماهير، وتكون “غير مقدسة” اساساً حين لا تتناغم مع مصالحها الطبقية! هكذا هو الامر ببساطة!
ليس هذا وحسب، بل انها لا تتشبث بالبرلمان نفسه بوصفه افضل اطار سياسي وشكل معين للحكم، وانما حتى البرلمان نفسه هو اطار مناسب و”متعارف عليه” و”عادي” ويطلق اياديها في جلب ابناء طبقتها وعائلتها من مثل ترامب وبولسورانو وغدا امثال هتلر للحكم طالما يناسب ويتطابق مع مصالحها.
خاتمة: وما العمل؟
سيترك هذا الحدث اثاراً جدية على المجتمع في امريكا وعلى مساراته المقبلة. كما ان العالم ومساراته السياسية والفكرية والاجتماعية والمعنوية لن يكن بمعزل عن تلك الاثار. ان ازاحة ترامب لم تأتِ نتاج “اصوات بايدن” بقدر ما جراء عدم قبول المجتمع، يسار المجتمع، بعالم يسوده اليمين بتخلفه الديني، بمعاداته للعالم والتحرر والمساواة، مجتمع يرنوا لعالم افضل ولائق. ان ازاحة ترامب وعزله وتنحيته حتى ولو قبل ساعات من 20 كانون الثاني، يوم انتهاء ولايته، يتمتع بأهمية جدية في تاريخ المجتمع وقواه الاجتماعية الاساسية. هذا العزل الذي، رغم الدعوات الواسعة نوعاً ما له، تحذر البرجوازية منه، وذلك “لأنه سيعمق الانشقاق في المجتمع”. لان ازاحته يعني تسجيل رسميا وتاريخيا هذه الواقعة كجزء من الحاق هزيمة بيمين فاشي متشدد وهزيمة لهذا التيار الرجعي. ستحسب عليه تاريخيا. يجب ازالته من الحكم ليس لأنه دنس “المؤسسات المقدسة”، فنفس تلك المؤسسات أتت بترامب، بل من مصلحة البشرية والتمدن، والشيوعية والنزعة الإنسانية الحاق هزيمة بهذا التيار.
لقد بين هذا الحدث بان السلطة ” الديمقراطية” الامريكية، وفي ظل انعدام افقها للرد على معضلات المجتمع، ستمر باضطراب بحيث يصبح الحديث عن “حرب اهلية” و “سيادة المليشيات المسلحة” امر “عادي”. ألم تتحدث الصحافة العالمية والمحللون الغربيون انفسهم عن هذه الامكانية، وألم يحذرّوا منها؟! قد يكون ما يمنع الانزلاق نحو حرب أهلية وانفلات الاوضاع، حتى في ظل النظام الرأسمالي، هو بروز بديل يقوم بتقديم حلول للمشاكل المستعصية التي تواجه المجتمع الأمريكي كما فعل روزفيلت في الثلاثينيات من القرن العشرين من مثل تقديم ضمان بطالة، ضمان صحي، برامج للتوظيف والتعليم الجامعي المجاني وغيرها. لن تقوم البرجوازية من تلقاء نفسها بهذه الإصلاحات. انها تحتاج الى بروز حركة قوية من الأسفل تجبر الطبقة الحاكمة على اتخاذ هذه الإجراءات. لقد اكد بايدن من خلال الجماعة التي اختارها لتعمل في ادارته او من خلال البرامج التي اعلنها بانه ليس له بديل وحل لهذه المشاكل اساساً. ان أي حلول وخطوات جزئية لن تكون كافية لإخراج المجتمع من هذا المأزق. المجتمع الأمريكي بحاجة الى إجراءات كبيرة.
ولكن لا البرجوازية، بأجنحتها المختلفة، تتحلى بهذا الافق وليس لديها هذا البرنامج. ثمة حل وحيد امام المجتمع وخلاصه براينا: ان اوضاع الازمة هي ليست اوضاع “انتعاش” اليمين حصراً. بل بوسعها ان تكون اوضاع ارتقاء يسار المجتمع ايضاً، يسار الطبقة العاملة واشتراكييها. طرح اليمين ترامب، طرح اليسار ساندرز! ان يسار المجتمع في امريكا بتقدم بيّن وواضح. ليس اطار ساندرز ويسار “الديمقراطي” برد وجواب. ينبغي عبور هذا الاطار. ينبغي ان يشمر يسار المجتمع عن سواعده، ويرفع قامته عالياً في المجتمع، ويطرح برنامجه وسبيل حله ورده على معضلات الجماهير، وتوحيد قوى الجماهير العمالية والساخطة والمحتجة على هذا النظام خلف راية تحررية وعمالية وراديكالية ويجر المجتمع من مستنقع ترامب وبايدن والبرلمانية والديمقراطية… صوب عالم اكثر انسانية وتحررية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى