بطل من هذا الزمان؛ صبحي التميمي

بقلم : مهند طلال الاخرس 

صبحي موسى التميمي( ابو جبرين) اسم ألمعي في مسيرة الثورة الفلسطينية، كان وبكل فخر احد اعلام فلسطين الخفاقة التي لا تنسى ولا تنكسر، وقد تقصر قيم الوفاء باستذكاره، لكن حتما سطور التاريخ المكتوبة بالدم والنار (والتي تعرفه وتعرف امثاله جيدا) لا يمكن محوها وان طال الزمن.

صبحي موسى التميمي ما ان تسمع باسمه تهبط عليك حكمة ازلية تقول :”من لا يقرأ التاريخ لن يدرك الحقيقه أبدا”.

تشير السيرة الذاتية لصبحي التميمي الى حياة حافلة وزاخرة من حيث الاحداث والمواقف التاريخية الفارقة والتي تشكل منها وعي وسيرة ومسيرة المناضل الفذ ابو جبرين والتي خط جزءا يسيرا منها عبر صفحات كتابه الوحيد والذي جاء تحت عنوان طويل: “للتاريخ اقول، مذكرات داخل الزمن الاسود”.

في هذا الكتاب وهذه السيرة احداث كثيرة يرويها ابو جبرين بامانة وتجرد ودون اصطفاف او انحياز في غالب الاحيان. في هذه السيرة حقائق واحداث وقعت عبر خمسين عاما من النضال نجح بطلنا ابو جبرين في استنطاقها (بعجرها وبجرها) ونجح في مهمته بتقديمها الينا كشهادة على عصره وكوثيقة نضالية تستحق ان تزين رفوف مكتباتنا بجدارة.

وهذا الكتاب الواقع عبر ١٧٠ صفحة من القطع الكبير جاء جزلا وكثيفا وغزيرا بمعلوماته، والاهم انه جاء من شاهد وصانع للحدث في نفس الوقت، وقد يكون من اهم ميزات هذا الكتاب ان صاحبه خط خطواته بالدم قبل ان يصوغ حروفه بالقلم، هذا عداك عن سيرة المناضل ابو جبرين الناصعة والمشهود لها بين جميع الفصائل على اختلافها، وهذا ما يفسر سبب قدرته على حل كثير من الاشكالات والازمات الناشئة بين الفصائل على اختلافها من جهة وفيما بينها وبين بعض اجهزة الاستخبارات والدول العربية لا سيما في الاردن وسوريا ومصر وعلى نحو اقل في العراق ولبنان.

تشير السيرة الذاتية لصبحي التميمي بانه من مواليد حي باب حطة في البلدة القديمة القدس عام 1929 ونما وترعرع في بيئة شعبية وطنية ساهم في نشاطاتها السياسية المتعددة، حيث عمل في وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الدولية‎، وفي في منتصف الخمسينات انضم الى الحزب الوطني الاشتراكي الذي اسسه سليمان النابلسي وأنور الخطيب وآخرين.

تم اعتقاله من قبل السلطات الاردنية عام 1957 إثر المظاهرات التي عمّت البلاد بعد إعلان الأحكام العرفية في الأردن عندما وقعت ما اطلق عليها أحداث فتنة الزرقاء ومحاولة انقلاب الضباط الأحرار حيث تم اعتقاله في سجن المحطة ثم في معتقل الجفر الصحراوي مع أعضاء حركة القوميين العرب والضباط الأحرار وعدد كبير من نشطاء الحركة الوطنية وبعد بعد الافراج عنه نهاية عام 1960 انضم إلى حركة القوميين العرب ومارس نشاطه الحزبي. وفي أواخر عام 1962 تمّ اختياره مع عدد آخر من أعضاء الحركة فايز جابر، عبد المطلب أبو ارميله وناجي الواوي وغيرهم للسفر إلى مصر حيث تم تدريبهم كقوات صاعقة.

في عام 1963 أصبح مسؤولاً عن الجهاز النضالي في حركة القوميين العرب، حيث تم تفريغ عدد من شباب الحركة في هذا الجهاز.

أواخر عام 1964 قام هو والمرحوم فايز جابر بدخول المنطقة المحتلة عام 1948 للاستكشاف والإعداد لأي عمل مستقبلي.

في بداية 1965 تمّ اعتقاله مع عدد آخر من أعضاء فتح وتمّ التحقيق معه حول نشاطاته ومساعدته لهم.

بعد الافراج عنه، عاد لمزاولة نشاطه ولكن تمّ اتخاذ قرار من الحركة بخروجه من الأردن حرصاً عليه وعلى الحركة وفعلاً قام فيصل صندوقة بتهريبه عبر الحدود ووصل إلى سوريا.

تمّ اختياره من قبل وديع حداد لانشاء تنظيم ” أبطال العودة ” مع فايز جابر وغيره من المناضلين وتم اختياره ليكون مسؤولا عن ابطال العودة .

في حرب 1967 تم جمع السلاح من ساحة المعركة وارسال جزء كبير منه الى الارض الفلسطينية المحتلة.

تمّ توحيد أبطال العودة و شباب الثأر و جبهة التحرير الفلسطينية (بقيادة احمد جبريل) في تنظيم واحد هو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، واصبح عضوا في المكتب السياسي للجبهة الشعبية ، وكان له دور فعّال في تأسيسها وقد لعب دوراً كبيراً في نشاط الجبهة داخل الأرض المحتلة وخارجها. وكان قائدا ومؤسسا لقوات صلاح الدين التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والتي كان لها الاثر الكبير في الدفاع عن الثورة في معارك ايلول الاسود.

تزوج ورزق ثلاثة أولاد المرحوم جبرين وثائر ونضال وثلاث بنات حرية ووحدة وعايدة. أُصيب بصدمة عاطفية إثر استشهاد ابنه البكر جبرين صبحي التميمي في تشرين الاول عام 1980 في العراق ولكنه تغلّب عليها واستمر في نشاطاته السياسي.

كان عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني في الفترة 1967-1972 ، ثم أصبح مرة اخرى بعد 1996 ودخل الضفة الغربية بعد اتفاق أوسلو وقام بدور نضالي وفعّال في مجالات خاصة ولكنه اضطر لمغادرة الضفة والعودة إلى عمان حيث بقى يتنقل بين القاهرة وعمان. وقد استقال من عضوية المجلس الوطني الفلسطيني سنة 2008 احتجاجا على سياسة المجلس .

وفي عام 2008 اصدر الكتاب موضوع بحثنا في هذا المقال بعنوان ” للتاريخ اقول: مذكرات داخل الزمن الاسود” يتحدث فيه عن تجربته النضالية الناصعة والمكللة بالغار.

جائت محتويات الكتاب موزعة على احد عشر فصلا وتبعها بعض الوثائق ومجموعة من الصور وقدم للكتاب د. صبحي غوشة ولم يفت المناضل والكاتب ابو جبرين ان يزين اول صفحات الكتاب بأهداء  مقتضب الى زوجته ورفيق دربه الشهيد فايز جابر ومعلميه بهجت ابو غربية وصبحي غوشة.

الفصل الاول ، تحدث عن مرحلة الطفولة والانخراط في العمل الوطني، حيث تحدث عن النشاة وعن طبيعة الحالة الاجتماعية للاسرة مع تطرقه الى الفترة البريطانية والتذكير بأنها سبب المأساة، ولم يفته ان يذكر اسماء الرواد الاوائل الذين أثاروا اعجابه وكانوا سبب الهامه، كما يتطرق في هذا الفصل الى اول عمل نضالي قام به، ويستذكر هنا حادثة مهمة حول دور غلوب الخسيس قائد الجيش الاردني في جمع الاسلحة من ايدي الثوار والمواطنين بواسطة الشراء تارة وبالترهيب تارة اخرى وثم رميها في البحر الميت، كما يتطرق الى اهم الاحداث في تلك الفترة كمؤتمر اريحا او طبخة اريحا كما يحلوا له ان يسميه، ويستكمل حديثه في هذا الفصل عن اول انتماء حزبي له من خلال الحزب الوطني الاشتراكي بزعامة النابلسي، كما يتطرق في هذا الفصل ايضا الى اول تظاهرة واول اعتقال ويتحدث عن تجربته في سجن المحطة.

وفي الفصل الثاني ، يتحدث عن تجربته مع حركة القوميين العرب وسبب اختياره لها، حيث يتحدث عن البدايات والتأسيس وعن قيادته للجهاز النضالي وعن دورة الصاعقة في القاهرة وعن اول مجموعة عبرت فلسطين وقصة البرتقالات الخمس، كما يتحدث ايضا عن سيارات الاونروا وتهريب السلاح وعن اعتقالات رجال العاصفة التابعة لفتح وعن الاعتقال لدى المخابرات الاردنية والتعذيب في زنازين المخابرات هذا عداك عن التحقيق معه من قبل مدير المخابرات سيء الصيت والذكر محمد رسول الكيلاني وقصة ذلك التحقيق والتعذيب.

هذا الفصل غني بالمواقف والقصص والحكايا والاهم بالتجارب الثورية الرائدة التي يستفاد منها ويبنى عليها.

الفصل الثالث ، جاء تحت عنوان الرحيل الى دمشق والعمل مع وديع حداد،فيتحدث في هذا الفصل عن قصة الجاسوس الذي يخترق الصفوف، وعن عمله مع وديع حداد، وعن تنظيم ابطال العودة وطلائع التحرير، وعن رفيق دربه الحاج فايز جابر ، ولا ينسى التطرق الى سيرة انور الخطيب وتواطئه مع النظام الاردني وبعض الاعمال الموجه ضده والتي قام التنظيم بها، مع التطرق الى بعض القصص المتراكمة هنا وهناك كقصة مشاركة الجيش الاردني في حرب اليمن الى جانب ملك اليمن احمد البدر.

الفصل الرابع ، يتحدث عن نكسة حزيران والعودة الى عمان، فيتطرق في هذا الفصل الى صدمة حزيران والى قصة سقوط الجولان بدون حرب او طلقة رصاص حتى وذلك من خلال تواجده هو واخرين في مواقع الدفاع المتقدمة، وعن جمع الاسلحة من الجولان وتخزينها في شقته بدمشق ومن ثم مصادرتها من قبل الجيش السوري ومخابراته ، وفي الفصل ايضا يأتي ابو جبرين على حكاية اعتقال حبش وعن قصة اطلاق سراحه وخفاياها وصولا الى قراره بمغادرة سوريا والعودة للاردن بجواز مزور طبعا.

الفصل الخامس ، جاء هذا الفصل زاخرا بالاحداث والمواقف، ففيه يتحدث عن تشكيل الجبهة الشعبية وعن عبدالرحيم جابر  وبعض المهمات الصعبة مع التطرق لاشهر العمليات الفدائية التي شنتها الجبهة، كما ويتحدث عن سبل الدعم المالي للعمليات ومصادرها(حسب علمه طبعا) مع التطرق سريعا الى تسميته في عام النكسة عضوا بالمجلس الوطني الفلسطيني هو ورفيق دربه الحاج فايز جابر، ويختم هذا الفصل بالحديث ان خطف الطائرات وخلافات حبش ووديع حول هذا الموضوع ومواضيع اخرى.

الفصل السادس ، وفيه يتحدث عن احداث ايلول، وهذا الفصل بالاضافة الى السابع والثامن من اغنى فصول الكتاب ويحتوي على تفاصيل كانت غائبة واحداث لم يتطرق لها احد، او بالاحرى لم يجرؤ احد على الاقتراب منها، فيتحدث عن الفلتان الامني واحداث ايلول وكيف استقال محمد رسول وعن خطف واستجواب احمد عبيدات واسباب ذلك، مع التطرق الى ظروف واحداث تلك الفترة الزمنية مثل معركة الكرامة واقتراح جبريل باالانسحاب للجبهة الشعبية والتزامها بالقرار وعن رفض حركة فتح وابو عمار له واصرارها على المواجهة هي وقوات التحرير الشعبية لوحدهما لاسباب عدة ووجيهة. في هذا الفصل مصداقية كبيرة واحداث كثيرة بعضها لم يستطع الكاتب ان يخرج من عبائته الحزبية وفي بعضها الاخر لم يستطع ان يغادر مربع افكاره القاصر والمتضارب والمتناقض وهذا ما يظهر جليا عبر الصفحات 82-86 بالذات.

في الفصل السابع ، يتحدث الكاتب عن انشقاق احمد جبريل وحواتمة، وعن مشروع روجرز ومهاجمة عبد الناصر، وقصة لقاء مدير المخابرات المصرية اللواء صادق مع التميمي واحمد جبريل بعد معركة الكرامة وكذب احمد جبريل بخصوص ادعاء البطولات من خلال ادعائه مشاركته هو والجبهة الشعبية في حرب الكرامة وعن اسقاط الطائرة في الكرامة بواسطة قواته وعن غنائم الاسلحة من تلك المروحية، وكيف التقطت المخابرات المصرية تلك المعلومة وكيف ردت عليها وكيف احرجت جبريل والتميمي دون ان تقول لهم انها تعلم علم اليقين تفاصيل المعركة وبان فتح خاضتها منفردة مع قوات التحرير. وهذا الامر ايضا تكرر امام المخابرات العراقية لكن كان رفيق التميمي في هذه الزيارة احمد مطر.

في هذا الفصل ايضا مواقف يوردها التميمي تظهر محدودية الرؤية والافق والصبيانية لدى جورج حبش ، لا بل عند الاطلاع على تلك المواقف وتمحيصها تخجل منها كثيرا فهي تظهر لك كم كان ظالما من لقب الحكيم بهذا اللقب.

الفصل الثامن ، ويتحدث فيه عن تشكيل قوات صلاح الدين القوة الضاربة والملتزمة وعن دورها في معارك ايلول الاسود وعن دورها بالذات في تأمين ركاب الطائرات المخطوفين في الاردن ابان معارك ايلول، والاهم في هذا الفصل قصة احتلال فندق الاردن المقابل للسفارة الامريكية واعتقال داني شمعون والتحقيق معه وحكاية ابو احمد يونس وحكاية الفدية ألالمانية وتجارة السيارات في لبنان والمشروع السياحي في القاهرة والتابع للمجال الخارجي في الجبهة بزعامة وديع حداد!

وفي هذا الفصل ايضا وعبر الصفحات 106-112 يتحدث الكاتب والمناضل ابو جبرين عن الخلافات داخل صفوف الجبهة وخاصة بعد قرار الانسحاب من عمان الى الاحراش بعد احداث ايلول وخلاف ابو جبرين مع حبش حول هذا الموقف بالاضافة الى موقف حبش من حرب العصابات ورغبته في اطلاق العنان لها من الاحراش ورد ابو جبرين عليه بان هذا “كلام كتب ولن نكون مسؤولين عن طريقتك” وانسحاب التميمي وفايز جابر واخرين على اثر مواقف حبش وسذاجتها.

الفصل التاسع ، يتحدث فيه عن افشال مخطط كان قد اعده ابو نضال لاغتيال القدومي بالتعاون مع قسم المجال الخارجي بزعامة وديع حداد، كما يتحدث في هذا الفصل عن بعض الحوادث كحادثة اختطاف ابو الفدا عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية من قبل الجبهة الديمقراطية في بيروت، وعن رفضه العمل مع فتح، وعن اختفاء ابنه جبريل بين الكويت والعراق ومن ثم العثور عليه ميتا دون معرفة الاسباب وعن مراسم الدفن والعزاء وبقاء ابو عمار فيها لاربعين يوما، ويختم هذا الفصل بالحديث عن قصة المبعدين الثلاثة فهد القواسمة ورجب بيوض التميمي ومحمد ملحم.

الفصل العاشر ، ويتحدث فيه عن عودته الى الاردن وكيفية ذلك؟ كما يتحدث في هذا الفصل عن العرس المنوي اقامته للجبهة العربية من قبل فتح! وهذا الاسم(العرس) مصطلح كانت تطلقه فتح على تلك الليلة التي كانت تريد فيها تأديب احد التنظيمات، ويستنفذ ابو جبرين جل هذا الفصل لرواية احداث تلك القصة ولدوره المحترم في حقن الدم واصلاح ذات البين والغاء حملة التأديب بحق الجبهة العربية.

الفصل الحادي عشر ، وفيه يتحدث عن مغادرته للقاهرة وقصته مع ابو الزعيم وحتى عودته الى ارض الوطن مع العائدين اثر اتفاق اوسلو وعن محاولاته الدؤوبة للاصلاح بعد العودة بالاضافة لحديثه عن بعض المشادات مع ياسر عرفات بسبب الاصلاح وفشله في ذلك مما حتم عليه ترك الضفة والرجوع لعمان.

بقي ان نقول ان الايام قد تتقاعس عن ذكر اجمل ما فيها، لكن شيئا من الوفاء، وبعض من الحنين، وكثيرا من الايمان واليقين بحتمية النصر، كفيل باسترجاع اجمل ايامنا والاحتفاء باجمل ما فيها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى