بعد أسابيع من الانفجار.. إلى أين تتجه الاحتجاجات في إيران؟

من غير المرجح أن تغير الاحتجاجات الجماهيرية في إيران النظام السياسي في البلاد، لكن استمرارها سيؤدي إلى عدم الاستقرار الداخلي، وقد يلحق الضرر بعلاقات إيران الخارجية.

وعلى مدى الشهرين الماضيين، شهدت إيران احتجاجات واسعة ضد الحكومة في أعقاب وفاة الشابة “مهسا أميني” بعد توقيفها من قبل شرطة الآداب بدعوى عدم ارتدائها الحجاب بشكل غير مناسب.

وردت الحكومة بقمع عنيف أدى إلى مقتل أكثر من 400 متظاهر حتى الآن، بحسب مصادر محلية.

ورغم ذلك، استمر آلاف الإيرانيين في النزول إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد حتى مع تصاعد موجة العنف والقمع.

وجذبت هذه المظاهرات – بالنظر إلى حجمها ونطاقها الجغرافي – قدرًا كبيرًا من الاهتمام والتضامن الدوليين، كما أثارت تساؤلات حول العواقب السياسية للحركة الاحتجاجية.

وفي حين أن نهاية الجمهورية الإسلامية لا تزال غير مرجحة، فمن المحتمل أن تستمر الاحتجاجات حتى لو بمستوى منخفض مما يراكم ببطء تأثيرها السلبي على النظام السياسي للبلاد.

ومع عدم وجود انقسامات بين السلطات السياسية والمؤسسات القانونية والأجهزة الأمنية، من المرجح أن تتصاعد سياسة القمع للحركة الاحتجاجية خاصة مع تزايد دعوات المحتجين لتغيير سياسي جذري.

ويبدو أن السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية متحدة في تصميمها على قمع المظاهرات المناهضة للحكومة وعدم تقديم تنازلات.

وبالنسبة لطهران، قد يؤدي تنفيذ بعض الإصلاحات التي يطالب بها المحتجون إلى المخاطرة بالإشارة إلى أن مطالب الاحتجاج الأخرى – بما في ذلك سقوط النظام السياسي – هي أيضًا في متناول اليد.

كما أن ذلك سيشكل سابقة خطيرة للاستسلام للمطالب مما يغذي الاحتجاجات في المستقبل.

ومن منطلق الحفاظ على الذات، من غير المرجح أن تسعى الحكومة الإيرانية إلى إصلاحات ذات مغزى تتجاوز بعض التعديلات الشكلية لطريقة عمل شرطة الأخلاق في البلاد.

لقد ظلت قوات الأمن – بما في ذلك الشرطة المحلية وقوات الباسيج والحرس الثوري – متماسكة ومتوافقة مع سياسة الحكومة وأوامرها لقمع الاضطرابات.

ويشار إلى أن حكومة الرئيس “إبراهيم رئيسي” والنخبة الحاكمة محافظة بشدة وتدعم موقفًا أكثر تشددًا بشأن قضايا حقوق المرأة وحرية الصحافة.

كما يعارض معظم المشرعين المنتخبين والقادة غير المنتخبين في البلاد تقديم الحد الأدنى من التنازلات التي يمكن أن ترضي بعض المتظاهرين.

وسيتطلب الأمر تصدعات داخل النخبة الحاكمة في إيران، وإشارات على التضامن بين قوات الأمن والمتظاهرين، وخلافات سياسية واضحة بين المشرعين المنتخبين والسياسيين غير المنتخبين، حتى تتمكن المظاهرات من إجبار السلطات على تنفيذ إصلاحات.

ومن المرجح أن تستمر الاحتجاجات المتفرقة في إيران في الظهور خلال العام المقبل، لكنها ستواجه حملة قمع شديدة من قبل قوات الأمن الإيرانية، وسيتوقف تطور الحركة الاحتجاجية على تصميم الإيرانيين على مواصلة الاحتجاج في وجه القمع والاعتقالات خلال الأشهر المقبلة.

ومع المظالم الاجتماعية والاقتصادية طويلة الأمد، سيكون من الصعب على الحكومة إخماد الاحتجاجات تمامًا. لكن في حين أنها قد تستمر لعدة أشهر أخرى، فمن المرجح أن تهدأ المظاهرات في نهاية المطاف وسط حملة الحكومة الصارمة.

وستستمر السلطات في تقييد الوصول إلى الإنترنت وحظر مواقع التواصل الاجتماعي الشهيرة من أجل تعطيل محاولات المتظاهرين للتنظيم وتوليد المزيد من الدعم لقضيتهم.

وستواصل قوات الأمن الإيرانية أيضًا كبح جماح المتظاهرين والصحفيين واعتقالهم على أمل ردع التجمعات المستقبلية وقمع المعارضة.

وسيؤدي ذلك – إلى جانب افتقار حركة الاحتجاج إلى قيادة واضحة – إلى إبقاء المظاهرات مبعثرة والحد من حجمها، وبالتالي تقليل قدرتها على إجبار الحكومة على الشروع في الإصلاحات.

لكن حتى لو تلاشت الموجة الحالية من الاحتجاجات في النهاية، ستظل الأرض خصبة للحركات الاجتماعية والسياسية للمطالبة بإصلاحات في المستقبل.

لقد تقلص تأثير الإصلاحيين الإيرانيين، الذين يدفعون عمومًا نحو سياسات أكثر ليبرالية اجتماعيًا، في السنوات الأخيرة وسط الخسائر الانتخابية وجهود المسؤولين المحافظين غير المنتخبين لحرمانهم من الترشح للمناصب.

ومن المؤكد أن تسعى الشخصيات السياسية الإصلاحية لاستغلال المشاعر التي تظهر في الشوارع لتعزيز دعمهم في الانتخابات المستقبلية، فضلاً عن إلهام الإصلاحيين الجدد للترشح للمناصب.

لكن في الوقت نفسه، سيشير قادة إيران المحافظون والمتشددون إلى الاضطرابات الحالية كدليل على أن القادة الإصلاحيين يشكلون تهديدًا للأمن القومي.

ومع الجهود المبذولة لإسكات الإصلاحيين، سيتمسك المحافظون والمتشددون بسيطرتهم على السلطة على المدى القصير.

ومع ذلك، بدون إصلاحات اجتماعية وسياسية جوهرية، قد تظهر موجات جديدة من الاحتجاجات في المستقبل – مما يلهم جيلًا جديدًا من القادة الإصلاحيين الذين يسعون إلى تغيير النظام السياسي الإيراني.

وستؤدي الاحتجاجات إلى تفاقم علاقات إيران مع الغرب، مما يجعل إحراز تقدم في قضايا مثل برنامج طهران النووي أمرًا مستبعدًا.

وتلقي الحكومة الإيرانية باللوم على قوى خارجية ووسائل إعلام أجنبية في إلهام الاحتجاجات.

كما فرضت الحكومات الغربية عقوبات جديدة على الكيانات الإيرانية المتورطة في قمع التظاهرات. ويؤدي ذلك إلى توتر علاقات إيران الخارجية خاصة مع الولايات المتحدة وأوروبا.

وستؤدي التوترات المتزايدة بين طهران والغرب إلى زيادة ضبابية آفاق أي انفراجة. وستجعل الموجة الحالية من الاحتجاجات طهران أكثر حذرًا من الظهور بمظهر ضعيف في الخارج مما يجعلها أكثر تشددا بشأن قضايا مثل البرنامج النووي.

 

المصدر | ستراتفور

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى