بعد 20 عاما أمريكا رسميا تنعي حل الدولتين
حسن عصفور

في الرابع من ديسمبر 2022، أعلن وزير الخارجية الأمريكي (اليهودي) بلينكن، امام أحد الجمعيات اليهودية في الولايات المتحدة المساندة لدولة الكيان العنصري (جي ستريت)، ان ” احتمالات حل الدولتين تبدو بعيدة”.

وبذلك، يكون هذا أول إعلان رسمي صادر من إدارة أمريكية بانتهاء العمل نحو ما أسمته بـ “حل الدولتين”، والذي أطلقه الرئيس الأسبق جورج بوش الابن في 24 يونيو 2002، خلال الحرب التي قادها الثنائي براك – شارون لتدمير الكيانية الفلسطينية الأولى، عندما تقدم بما اسماه مبادرة ترتكز على إجراء تعديلات جوهرية على النظام السياسي الفلسطيني، ومنها تعيين رئيس وزراء يتمتع بصلاحيات تنفيذية واسعة، على حساب صلاحيات الرئيس وفق القانون الأساسي.

جوهر المبادرة الأمريكية، كان اكمال حرب التدمير الشارونية للكيان الأول والخلاص من الخالد المؤسس ياسر عرفات، وتلك قالها بوش الابن صراحة، ان تلك المبادرة تتطلب وجود “قيادة فلسطينية” غير الرئيس عرفات، فكان الإصرار على تعيين رئيس وزراء وتم تحديد المهام والشخصية، في حينه كان خيارهم محمود عباس، وأمام تطورات المشهد، وافق الخالد أبو عمار، وتمت تعديلات القانون الأساسي، وتعيين أبو مازن رئيسا للحكومة.

والحقيقة السياسية، التي تجاهلها الكثيرون، رغما أو عجزا أو مناورة، ان تعبير “حل الدولتين” بذاته كان خادعا جدا، ويبدو وكأن الأمر مرتبط بمساواة بين طرفين، فيما الواقع يقول إن هناك دولة اسمها إسرائيل تحتل أرض دولة أخرى هي فلسطين، والمطلوب تحريرها.

كما ان الهدف المركزي، الذي تحكم في تلك المبادرة الأمريكية، المضافة لعشرات سابقة، لم تجد لها نصيبا للتنفيذ، كان الخلاص من الرئيس ياسر عرفات، والذي رفض كليا المشروع الأمريكي لتهويد البراق ساحة وجدارا، وقطع الطريق على النيل من مكانة المسجد الأقصى، خلال مفاوضات “قمة كمب ديفيد” 2000.

أمريكا بعد “حل الدولتين” في يونيو 2002، والتجاوب الفلسطيني الكامل مع ما تقدمت به ولاحقا مع ما يعرف بـ “خريطة الطريق”، لم تتقدم بخطوة عملية واحدة لتنفيذ بعضا مما عرضته، بل واصلت الضغط السياسي تحت الضربات العسكرية لدولة الاحتلال وجيشها بقيادة الفاشي شارون، لإنهاء “العهد العرفاتي” كليا، وفتح الباب لمشهد فلسطيني جديد.

في 11 نوفمبر 2004 حققت الهدف المركزي باغتيال المؤسس ياسر عرفات، ويناير 2005 تم انتخاب محمود عباس رئيسا للسلطة الفلسطينية، وكان اعتقاد البعض أن واشنطن ستذهب سريعا لتطبيق بعضا مما عرضت في مبادرة بوش وخريطة الطريق، ولكنها اتجهت نحو مسار آخر كليا، بفرض انتخابات تشريعية جديدة وفتح الباب لحركة حماس المشاركة بها، دون قيد او شرط، بما فيه القانون الأساسي، أو قرارات الشرعية الدولية، أو شرط مسبق، لأن الهدف لم يكن تطويرا للنظام السياسي الفلسطيني بل كان آخر تبين لاحقا.

ويناير 2006 حدثت الانتخابات وفازت حماس فوزا كبيرا لا يعبر ابدا عن ميزان قوى الواقع الوطني، الذي مثله “كتلة النسبية” المتساوية بين فتح وحماس تقريبا…ولم تسعف الانتخابات التي فرضتها واشنطن للذهاب نحو تنفيذ أي من وعود أمريكا، بل واصلت مخططها السياسي التكميلي لمخطط دولة الكيان الاحتلالي، بتدمير أول كيان وطني فلسطيني فوق أرض فلسطين. فقادت أخطر عملية انقسام – انفصال عبر انقلاب يونيو 2007 بقيادة حركة حماس.

ومنذ تاريخه لم تفعل أمريكا ما يمكن ان يساهم في أي حل سياسي بل العكس تماما، عملت على تدمير أي فرصة سياسية، تجسدت بوضوح كامل عندما منعت الرئيس عباس التفاوض مع رئيس وزراء الكيان أولمرت حول مبادرته التي عرضها أواخر 2006 وبدا العمل للتفاوض 2007، ولكن أمريكا عرقلت ذلك، وفقا لتصريحات أولمرت مع شبكة سي أن ان الأمريكية عام 2012، بعد ان كان قريبا من الاتفاق مع الرئيس عباس عام 2008، حسب أقواله في تلك المقابلة.

والان، يأتي الإعلان الرسمي الأمريكي بإنهاء العمل بـ “حل الدولتين” ليلغي طريق وهم سياسي طال زمنه، والكف عن الجري وراء سراب أي حل، وما سبق من نماذج مضافا لما كان قبل مبادرة بوش، منذ كارتر مرورا بريغان وكلينتون وصولا الى بوش ومحاولات أوباما المرتعشة، يمكن اعتباره اغلاق ملف “الحل الأمريكي” للقضية الفلسطينية.

بعد نعي بلينكن لـ “حل الدولتين” الشماعة الخادعة لإطالة أمد الاحتلال، لم يعد هناك خيار امام الرسمية الفلسطينية، ومعها الرسمية العربية، سوى التركيز فقط على تنفيذ قرار الأمم المتحدة رقم 19/ 67 لعام 2012، وإعلان دولة فلسطين تحت الاحتلال، وإكمال مسار انضمامها كدولة كاملة العضوية، مع المنظمات الدولية الأخرى.

النعي الأمريكي لـ “حل الدولتين” ربما هو أصدق موقف لإدارة بايدن حول القضية الفلسطينية، لأنها لا تريد أن تعمل في مسار سياسي لحل حقيقي، بإنهاء احتلال دولة غازية لأرض دولة محتلة، وكل ما يمكنها العمل له البحث في كيفية تحسين شروط الاحتلال لـ “السكان الفلسطينيين” عبر تحسين مستوى الحياة العامة.

موقف بلينكن، جاء حسما لحركة دوران فارغة طوال زمن بعيد، وربما وضع “الرسمية الفلسطينية” في زاوية ضيقة، وأغلق سبل “الخيارات الانتظارية” لحل سياسي من واشنطن..وترك لها وحدها تقرير مصيرها، هل تقبل “تعايشا محسنا تحت شروط الاحتلال” كخيار أمريكي راهنا…أم تذهب لتنفيذ “الخيار الوطني” وإعلان فك الارتباط مع سلطات الاحتلال باستبدال الحالة الكيانية من “سلطة” الى “دولة”.

النعي الأمريكي لـ “حل الدولتين” نهاية مرحلة طالت.. فهل ستكون بداية لمرحلة فلسطينية جديدة منطلقة من انهاء كلي للمرحلة الانتقالية، وبقايا اتفاق بات التمسك به “وهما سياسيا” ضارا..أم خيار “التعايش مع احتلال محسن”…تلك هي المسألة ولا خيار ثالث لهما!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى