بلومبيرغ ضد ترامب: موت السياسة
أرنست خوري

مَن يتابع الإعلام الأميركي، هذه الأيام، يدرك أن احتمال نيل مايكل بلومبيرغ (78 عاماً) بطاقة ترشيح الحزب الديمقراطي لمواجهة دونالد ترامب في انتخابات 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، يكبر تدريجياً. يحصل ذلك على الرغم من أن الملياردير اليميني المتهم بالعنصرية والشعبوية، وبتبني مواقف جندرية مسيئة للنساء، لم يكسب أي مندوب من أصل المندوبين الـ 64 الذين توزعوا حتى الآن على كل من بيت بوتيجيج وبيرني ساندرز وإليزابيث وارن وآمي كلوبوشار وجو بايدن في البيت الديمقراطي، بينما سلّم الجمهوريون أوراق اعتمادهم لترامب الذي لم يمل من التنقل بين الحزبين، حتى تمكّن من الهيمنة على هيكل الحزب الجمهوري.
صحيحٌ أن بلومبيرغ لا يزال عند عتبة الصفر مندوب من أصل 1991 مندوباً مَن يفز بهم يصل إلى اليوم الكبير في 3 نوفمبر، لكن هذا العزوف عن الاهتمام بالولايات “الصغيرة” (مثل آيوا ونيوهامشير) قد يكون سياسة متعمدة من بلومبيرغ الذي تحلو لكثيرين تسميته “ترامب الديمقراطي”، وأوجه الشبه كثيرة بينه وبين ترامب الأصلي: التعاطي مع السياسة بلا سياسة، أي كمجرد صفقة تجارية. التنقل بين الحزبين، فكان عمدة نيويورك السابق جمهورياً ست سنوات (2001 – 2007)، تماماً مثلما تنقل ترامب مراراً بين “الديمقراطي” و”الجمهوري”. ثم تأتيك شعبوية المواقف في القضايا الاجتماعية، وفي مسائل الهويات والأديان والجندرة، وأخيراً تمثيل كبار لوبيات الاقتصاد وطبقة الواحد في المائة التي تمتلك معظم الثروات، في رأس هرم مؤسسات أقوى دولة. باختصار، نحن أمام احتمال جدّي بأن يتواجه في 3 نوفمبر، ترامبان: ترامب ديمقراطي، يُدعى مايكل بلومبيرغ، عن حزب “يلتقط كل شيء” (Catch all party)، وترامب أصلي هو جمهوري، عن حزب آخر “يلتقط كل شيء” أيضاً.
وقد حاول صحافيون ومحللون فهم سبب تمهل بلومبيرغ في إشهار أسلحته الثقيلة خلال الانتخابات التمهيدية للولايات “الصغيرة” بعدد سكانها، بالتالي المحدودة بعدد المندوبين الرئاسيين المخصصين لها. وعن ذلك، كتب الصحافيان، جيم فانداهي ومارغريت تاليف، في موقع أكسيوس الأميركي يوم الاثنين الماضي، أن بلومبيرغ لا يزال يستخدم ملايين الدولارات التي يصرفها على الانتخابات، للتصويب على ترامب، لا لكسب تزكية حزبه. كلام يعني أمراً واحداً، أن الملياردير ذاك يتعاطى مع نفسه وكأنه مقتنع بأنه سيصل حتماً إلى مرحلة مواجهة ترامب في نهاية العام. الطريف أن المقال يختصر الحكاية على الشكل التالي: كلما وجّه المرشحون الديمقراطيون حملاتهم ضد بلومبيرغ صار الأخير مضطرّا أن يوجّه حساباته المالية في حملاته ضدهم، تحديداً ضد اليمينيين منهم، أي بوتيجيج وبايدن، بما أن ساندرز يمثل التيار اليساري النقيض لبلومبيرغ داخل الحزب الديمقراطي. أكثر من ذلك، فإن المرشحين بوتيجيج وبايدن ووارن وكلوبوشار ربما لن يجدوا من يوقف المرشح الديمقراطي الاشتراكي، ساندرز، إلا بلومبيرغ.
تُجمع وسائل الإعلام الأميركية أن بلومبيرغ لم يدخل بعد بوزنه المالي والسياسي والإعلامي الثقيل في الانتخابات المبكرة للولايات الصغيرة، لكي يتفادى “حرق نفسه” مبكراً في سجالات انتخابية تنفّر ناخبي الحزب الديمقراطي منه، بشكلٍ يعيد إحياء ذكريات سوداء من ماضيه ومن حاضره كـ”مرشح المصارف الكبرى ومجتمع وول ستريت”، وأنه ينتظر استحقاق الثلاثاء الكبير في 3 مارس/ آذار، حين تنتخب 14 ولاية مندوبي مرشحها الحزبي في يوم واحد، ليحقق فيها المفاجأة بعدما سجل اسمه أكثر مرشح رصد أموالاً لحملته الرئاسية، وقد افتتحها بتخصيص 37 مليون دولار للإعلانات التلفزيونية وحدها.
ترامب ضد بلومبيرغ احتمال وارد جداً. في هذه الغضون، يظل بيرني ساندرز يجاهد لإقناع البشرية بأن ثمّة أميركا أخرى ممكنة، أميركا أكثر عدلاً وأكثر مساواة وأكثر إنسانية في الداخل ومع الخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى