بندر إذ ينطقُ كفراً عن فلسطين
علاء أبو عامر

السياسي – يعني الكفرُ لغةً إخفاء الحقيقة أو تغطيتها، وهذا ما فعله الأمير السعودي، بندر بن سلطان، إذ فوجئ الشعب الفلسطيني، وقيادته السياسية ممثلةً بالرئيس محمود عباس، الصديق الصدوق للسعودية، بالهجوم الذي شنّه بندر على القيادة الفلسطينية الحالية، وقيادات ما قبل النكبة، والتي أعقبت النكبة، من دون أن يستثني منها أحدًا، بوصفها قياداتٍ فاشلة أضاعت فلسطين، القضية العادلة التي لم تملك محامين على قدرِ عدالتها!

ذهب بن سلطان إلى لوم الفلسطينيين، من دون ذكر أنهم لم يُلاحقوا أو يسجنوا أو يقتلوا من العدو، وذكر دور أنظمةٍ عربية تحالفت مع العدو أو أرادت جعل القضية الفلسطينية واحدةً من أدوات صراعها مع شقيقاتها العربيات، أو رفض بعض الأشقاء قيام دولة فلسطينية مستقلة لعدم ضرورة ذلك من منظورهم العقائدي، أو آخر اعتبر قيامها تهديدًا لوجوده ووحدة شعبه، لأنّ اللاجئين الفلسطينيين يشكّلون قرابة نصف شعبه، أو ذاك الذي قتلَ الفلسطيني لأن وجوده على أرضه يُهدد الوضع الديمغرافي لطائفته..

في سرده الهجومي الذي تواصل على ثلاث حلقات، لم يقل بندر إنّ الشعب الفلسطيني وقيادته ناضلوا بكل أشكال النضال، ولم ينكسروا ولم يرفعوا رايةً بيضاء، وأدخلوا في قاموس العالم كلمات جديدة مثل “الانتفاضة”، وأصبحت كوفيتهم رمزًا عالميًا لدعاة الحرية والتحرّر باسم “عرافاتكا”، وباتت حجارتهم من أدوات مواجهة قمع الأنظمة الاستبدادية عبر العالم. ولم يقل إنه على الرغم من تكالب الأعداء طوال السنوات السبعين الماضية، ظلّ الفلسطيني وفيًا لوطنه وفلسطينيته ويفتخر بانتمائه لها. لم يقل الأمير إنّ الفلسطيني بقياداته المتعاقبة، وبصرفِ النظر عن مسمياتها وأسماء أعلامها، ابتدعت أشكال نضالٍ وفق الظروف الموضوعية لفلسطين، من المقاومة المسلحة والحجارة، إلى الحزام الناسف والسكين، وحتّى المسيرات الحاشدة على الحدود للعودة إلى القرى والمدن التي هُجِّر منها بفعل المذابح.

لم يقل بندر إن مسلسل التنازلات الفلسطينية عن الأرض والحقوق كان بطلبٍ وضغطٍ ومبادرات سعودية من الأمير فهد، إلى قمة فاس، وحتّى قمة بيروت
لم يقل إنّ الفلسطيني صنعَ صواريخ بدائية ضرب بها أغلب مدن فلسطين المحتلة عام 1948، وأرعب أعداءه وأغلق مطاراته، وأبقاه خمسين يوما في الملاجئ. لم يقل إن فشل الثورات المُتعاقبة للفلسطيني المُشرد الذي اِقتُلع من أرضه نتيجة المجازر الصهيونية مردُها الضغط العربي، إرضاءً وخنوعًا لحكومة صاحبة الجلالة في بريطانيا، ومن ثم حليفتهم وحاميتهم الجديدة الولايات المتحدة التي أمرتهم، ملوكًا ورؤساء، بالضغط على الفلسطيني قيادةً وشعبًا، كي يقبل بحلولٍ أدنى من الوسط بكثير، بذهاب ثلاثةِ أرباع أرضه للصهاينة ووقف ثورته المسلحة، مقابل وعود ومبادرات لم يُنفّذ منها شيء.

لم يقل بندر إن مسلسل التنازلات الفلسطينية عن الأرض والحقوق كان بطلبٍ وضغطٍ ومبادرات سعودية من الأمير فهد، إلى قمة فاس، وحتّى قمة بيروت (المبادرة العربية للسلام) التي جاءت بناءً على ضغوط أميركية كشراءٍ لصمت الصحافة الأميركية التي اتهمت المملكة بدعم الإرهاب، وعلى رأسها الصحافي توماس فريدمان. لم يقل الأمير إن التطبيع الإماراتي والبحريني اليوم يأتي بطلب وفرض أميركي – صهيوني لإبقاء ملفات عديدة طيّ الأدراج، مثل قانون جاستا (ضحايا “11 سبتمبر”)، وملف قضية الصحافي جمال خاشقجي، ومجازر حرب اليمن الفاشلة، وملفات حقوق الإنسان في هذه الدول، والسكوت على الانقلاب داخل العائلة السعودية المالكة، مُقابل التنازل عن فلسطين وقدسيتها، الذي بدأ التمهيد له قبل التطبيع الأخير، من خلال شراء بعض أقلام جعلت القدس والمسجد الأقصى يهودييّن، بينما أقصى المسلمين في الجعرانة جنوب الطائف، وصلاح الدين قاتلًا ومجرمًا، ولم يخض حرب تحرير فلسطين من أجل فلسطين ومقدساتها، بل انتقامًا لشرف أخته.

ما لم يقله الأمير أن التطبيع الإماراتي البحريني جاء بناءً على رغبة وإرادة سعودية، يقف خلفها ولي العهد السعودي، لذلك فإن من يهاجم الإمارات والبحرين وتطبيعهما يهاجم السعودية بطبيعة الحال، لذلك ستقف له بالمرصاد. ما لم يقله أن قطع التمويل والمساعدات العربية، بما فيها السعودية، عن فلسطين، ليس إرادة ملكية سعودية كما قال، بل هو قرار اتخذه ترامب، والسعودية التزمت به، ويؤكد ذلك تصريح ترامب يوم 16 سبتمبر/ أيلول 2020، الذي سبق مقابلة بن سلطان، بأنّ “كل من يدعم الفلسطينيين ويمدهم بالمال سينضم ]إلى التطبيع مع إسرائيل[“، معتبرًا أن ذلك سيدفعُ الفلسطينيين إلى الانضمام أو يعزلهم عن الجميع، كون “الأموال التي كانت تذهب للفلسطينيين سُحبت منهم وذهبت لتحقيق السلام”، مشيرًا إلى أن “الفلسطينيين سيجلسون إلى الطاولة ويوقعون على الاتفاق مع إسرائيل بمجرد توقيع الدول الأخرى”، لأن “الفلسطينيين يريدون التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل لكنهم لا يعلنون ذلك، وإيران أيضا تريد اتفاقًا”.

ما لم يقله الأمير أن جزءًا كبيرًا من حصار إيران سببه رفضها تطبيع العلاقات مع الصهاينة والاعتراف بهم، وتزويدها فصائل المقاومة الفلسطينية بالدعم المالي والعسكري. ما لم يقله أن وزير خارجية تركيا السابق أحمد داود أوغلو هو الوحيد الذي رافق الرئيس محمود عباس إلى هيئة الأمم المتحدة، وعملت بلاده جاهدةً من خلال علاقاتها الدولية لجعل دولة فلسطين تحظى بعضوية المنظمة الدولية عام 2012، وتركيا هي التي أطلقت حملةً لأجل عضوية فلسطين الدائمة في الأمم المتحدة، بينما رفض وزراء عرب مرافقة أبو مازن خوفًا من الولايات المتحدة. فات الأمير القول إن تركيا هي التي أرسلت مواطنين منها على سفن كسر الحصار إلى غزة.

ما لم يقله الأمير أن الفلسطينيين يجب أن ينقلبوا على قيادتهم الحالية، ليس لأنها تُجري تنسيقًا أمنيًا مقدسًا مع إسرائيل، وأنها اعترفت بثلاثة أرباع أرض فلسطين للصهاينة، بل لأنها لا تريد بيع الربع الباقي للصهاينة، ولا تريد التنازل عن حق العودة للاجئين، ولا تريد التنازل عن القدس والمقدسات، وترفض العرض الأميركي التصفوي “صفقة القرن”.

ما لم يُصرّح به أن قوله يُعتبر تحذيرًا للفلسطينيين بأن السعودية ستطبع وتقبل بصفقة القرن، وإن اتهمتموها بطعنكم والخيانة، فستتحولون إلى أعداء لها، وأول الغيث قطع المساعدات وتبنّي الرواية الصهيونية وتهيئة الشعب السعودي للعداء مع شقيقه الفلسطيني.

ما لم يقله الأمير أن القيادات الفلسطينية الحالية خسرت ثقة شعبها بسبب لهاثها وانصياعها للسياسة السعودية الفاشلة، ومبادراتها ذات المصلحة الشخصية والأنانية، وابتعادها عن الشعوب والسير خلف المحور السعودي وتأييد سياسته، بل وكسب عداء دول إقليمية لأجل إرضاء حُكّام الرياض.

ما لم يقله الأمير أنّ مبادرة السلام السعودية فشلت لأن الصهاينة اعتبروها بلا قيمة، لأن مطلقيها لم يُفعّلوا قوتهم الاقتصادية وضغوطهم المالية لتنفيذها، بل كان هدفهم جعلها ورقة توت وعربون صداقة للصهيونية، حتّى تخفف الضغط الإعلامي عنهم، وتُغطي على فضائحهم. ما لم يقله الأمير أنّ الزعماء العرب، وفي مقدمتهم السعوديون، لم يناقشوا ولا مرة، كما يقول الرئيس الأسبق الأميركي، جيمي كارتر، قضية فلسطين في محادثاتهم الثنائية، بل لم يتطرّقوا إلى إقامة دولة فلسطينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى