بندر يغتسل ويفرك رأسة بصابونة إسرائيلية
عدلي صادق

أجدر ببندر بن سلطان، وبقناة “العربية” تخصيص حلقات من الحديث، للرد على مجموعة لا حصر لها من الرزايا والإتهامات، التي لاحقت ضيف الشرف و”فص” الغفلة، الذي يحاول تنصيب نفسه شاهداً على العصر، بهدف تأثيم الشعب الفلسطيني وزعامته التاريخية والنيل من قضيته. وللأمانة والإنصاف، إن الرجل، تاريخياً جريء حتى الوقاحة، في الخروج على المألوف، بينما هو في حقيقة أمره، من شهود الإثبات على رداءة سيرته ووضاعة دوره هو نفسه الذي اضطلع به وأدى الى سجنة مرة في إحدى الروايات الأمريكية، وكانت واشنطن هي شفيعته.
إن كان بندر قد نسي ما ألصق به من إتهامات؛ يتوجب تذكيره في عُجالة، ببعض الذي ألصق.
وقبل تذكيره، أنوّه الى جذر المشكلة التي تسببت في جعله الرجل الذي كانه، والذي وصل به الأمر، لأن يساعد الأمريكيين على ابتزاز السعودية، وفبركة اتهام لها بالتواطؤ مع منقذي أحداث 11 سبتمبر. والى أن يكون صاحب فكرة التطبيع مع إسرائيل، بذريعة أن التهديد على السعودية والخليج لا يأتي منها وإنما من إيران.
* * *
كانت المرحومة “خيزران” أمه التى انتقلت الى رحمة الله في العام الماضي، فتاة إثيوبية مسلمة، تعمل خادمة في قصر حصة السديري، جدته لأبيه سلطان. راقت البنت أم السادسة عشر، للفتى الذي كانه سلطان، فاتخذها خليلة, ولما حملت وولدت، رمى سلطان “خيزران” مع رضيعها بندر، الى خارج القصر وأجرى لها راتباً، لكي تعيش هي وأمها وإبنها.
على مر ثمانية عشر عاماً لم يستطع الفتى الإتصال بوالده، فتولدت لديه عقدة نفسية وقدرٌ من البغضاء لجزء معتبر من العائلة الحاكمة، مع ميل الى امتلاك فنون الدهاء واللعب بالثلاث ورقات. فلم يكن المناخ الإجتماعي يساعده على فهم المعنى الإنساني الصحيح لكون أمه بنتاً كادحة، تعيش من عرق جبينها.
بدأ شوط الكذب والتزوير الطويل، بتغيير تاريخ ميلاده لزيادة عمره سنتين، لكي يلتحق سريعاً بكلية الطيران التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني. لقد اختار هذه الطريق، كنوع من التعويض النفسي، لمداواة إحساس بالدونية، فأراد أن يمتلك قوة افتراضية، يعلو بها، فيستشعر القدرة على الإنقضاض، في تمثيل رمزي لحركة الطائرة القاذفة والمقاتلة. وبعد تخرجه من كلية “كرانويل” يمم وجهه شطر قاعدة “ماكسويل” الجوية الجوية الأمريكية، وباختصار ظل يطير بطائرة قاذفة حتى العام 1977 عندما أخطأ في الهبوط الآمن وأعطب الطائرة وجرج في ظهره. بعدها لم يتأخر، إذ التحق بجامعة “جون هوبكنز” في واشنطن لي يحصل على الماستر في دراسات السياسة والعلاقات الدولية”!
في العادة يمكن لرجل الأمن أن يُبتعث سفيراً بعد سنوات من الخدمة، فيتحول رجل الأمن الى الديبلوماسية، ولكن من النادر أن يتحول الديبلوماسي الى رجل أمن، مثلما حدث مع بندر.
في أكتوبر 1983 أرسله الملك فهد (أقرب ملوك السعودية قاطبة الى الأمريكيين) سفيراً لدى الولايات المتحدة. ومن هناك بدأ يلعب في جميع الملفات المتقاطعة مع فهد أو التي أراد أن يكون له دور فيها. ولم يكن فهد يدري أن بندر سيصبح محسوباً على الأمريكيين ومخابراتهم، وسيتعرض الى انتقادات في السعودية وشكوك في ولائه للأسرة وللملك. وهنا، انعكست في خياراته العقدة النفسية ذاتها. فقد رأى أن علاقته مع الأمريكيين تحميه وتجعله يتعالى على الذين استعلوا على “خيزران” ويضمن ألا يكون في متناول السيّاف مهما فعل. فقد نسج علاقات مع الرئيس جورج دبليو بوش وأبيه واسرته، وكتب أهم رموز الصحافة الإستقصائية الأمريكية ( بوب وودوارد) أن بوش أبلغ بندر بخطته لغزو العراق، قبل أن يبلغ وزير خارجيته كولن باول الذي كان جنرالاً. ولما سثئل عن ذلك، قال إن بندر كان من أفرب مساعديه في إنجاز ملف الغزو. وقالت “كاثي أوبراين” في كتابها بعنوان “نشوة أمريكا” أن الدولة كانت تؤمن لبندر المخدارات (وتحديداً الكوكائين) للاستخدام الشخصي. وقد تلقى حماية أمريكية عندما قرر اللورد غولد سميت، النائب العام البريطاني لشؤون قضايا التحايل الخطيرة، أن بندر حصل على رشوة بقيمة مليار جنيه استرليني من صفقة “اليمامة” لتوريد السلاح البريطاني الى السعودية بقيمة 40 مليار جنيه استرليني، وقد سدد المبلغ الى بندر على أقساط بقيمة 130 مليون سنوياً على امتداد أكثر من 10 سنوات، مثلما ذكر لويس فريح مدير مكتب FBI . وفي العديد من الملفات، ومنها رزمة من ملفات الإغتيالات والمؤامرات، بدءاً بفضيحة إيران ـ كونترا، الى يوم ظهوره لكي يؤدي مهمة تشويه التاريخ السياسي للقضية الفلسطينية، على شاشة قناة متخصصة في هذا الأمر؛ كان بندر في منأى عن المساءلة السعودية، بل يعمل وسيطاً في النزاعات ترسله حكومته ظاهرياً بينما هو في الحقيقة مبتعث من الأمريكيين وينفذ خططهم. فالرجل عندما يتحدث عن نفسه، لا ينكر أنه أمريكي يميني غارق في العامية الأمريكية وفي نمط الحياة وفي ومواويل السياسة.
في الحقيقة موضوع الرجل طويل، وقصصه المقرفة لا تنتهي، ولا أرغب في كتابة المزيد منها. فهو لا يصلح شاهداً إلا على نفسه، ولا يؤخذ منه حرف على محمل الجِد. أما أن تقدمه القناة وكأنه يمتلك الحقيقة، فهذا شأنها ومستوها وما يليق بنسيجها. لكنها كانت غبية في خيارها، والأغبى منها هي “الجزيرة” التي أهملت المؤرخين الإسرائيليين المحترمين الجدد، الذين يمكن أن يظهروا على شاشتها، لكي يحسموا كل أمر، من مواقعهم الأكاديمية الرصينة، ليشهد شاهد من أهلها.
فعندما يكون بندر، شاهداً، وأن يغتسل أمام المشاهدين ويفرك رأسه بصابون إسرائيلي، فإن الأمور تكون فعلاً قد هُزلت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى