بوتفليقة… رئيس أصر على الخروج من الباب الضيق

يعيش الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة في شبه عزلة، منذ تقديم استقالته في شهر أبريل/نيسان الماضي، بعيداً عن الإعلام وأحداث الشارع الجزائري الثائر، الذي فرض عليه الاستقالة، بدعم من قيادة الجيش.
“الجزائر كلها أنا، أنا تجسيد للشعب الجزائري” بهذه العبارات بدأ الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة حكمه للجزائر في 1999، قبل أن يغادر من الباب الضيق “شبه مخلوع” معتذرا، بعد 20 عاما، أتيحت له خلالها أكثر من فرصة لكي يخرج من الباب الواسع، لكنه رفض، وأشعل برغبته في عهدة خامسة، حراكًا شعبيًا سلميًا، أطاح به وأحدث أكبر هزّة داخل النظام الجزائري منذ الاستقلال.

عبد القادر المالي

هكذا كان الاسم الثوري لعبد العزيز بوتفليقة (1937-) الذي تقلّد مناصب وزارية هامة مباشرة بعد الاستقلال، على رأسها وزارة الخارجية، بداية من سن الخامسة والعشرين، كان مقربا من الرئيس الراحل هواري بومدين ووزير خارجتيه، وكان يمني النفس بأن يخلفه بعد موته المفاجئ عام 1979، بيد أن التوازنات داخل المؤسسة العسكرية أفضت إلى دفع الرئيس السابق الشاذلي بن جديد للواجهة، وإبعاد بوتفليقة الذي اضطر إلى مغادرة البلاد بعد أن تحرك مجلس المحاسبة ضده، وتم اتهامه رسميا بالفساد. غادر بوتفليقة والتزم الصمت لسنوات طويلة، قبل أن يعود عام 1999 كمرشح للسلطة في منصب رئيس البلاد بعد أن عانت عشرية دامية.

والعشرية الدامية أو ما تعرف على نطاق واسع بـ “عشرية الإرهاب”، هي صراع مسلح بين النظام الجزائري وفصائل متعددة تتبنى أفكار موالية لـ الجبهة الإسلامية للإنقاذ”، ولفصائل الإسلام السياسي.

بدأ الصراع في كانون الأول/ديسمبر 1991 إثر إلغاء نتائج الانتخابات النيابية التي أجريت في العام ذاته والتي حققت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ فوزا كبيرا، فألغيت نتائج الانتخابات وتم حظر الجبهة الإسلامية للإنقاذ واعتقل الآلاف من أعضائها، وقامت الجماعات الإسلامية بعمليات ضد الحكومة ومؤيديها.

وبلغ العنف في الجزائر ذروته عام 1997 حينما كانت ترتكب مذابح بحق أحياء أو قرى بكاملها، إلى أن أجبرت دماء عشرات الآلاف من الضحايا الإسلاميين والحكومة على وقف العمليات، قبل أن ينتخب بوتفليقة رئيسا للبلاد عام 1999 في انتخابات وصفها معارضوه بـ “الشكلية”.

ومنذ ذلك الحين انطلق بوتفليقة في أولى مشاريعه الكبرى، الوئام المدني، ثم المصالحة الوطنية، بهدف حقن الدماء وإقناع الإرهابيين بوضع السلاح. حسب الرواية الرسمية.

واستمر بوتفليقة في الحكم، عبر فترات رئاسة متشابهة، حتى قرّر هو تعديل الدستور وفتح المجال لنفسه للترشح بعد نهاية فترة رئاسته الثانية، وكالعادة فاز بالانتخابات الذي بدأ المرض يغيّبه بدايةً من نهاية الفترة الرئاسية الثالثة، ليبرز في نفس الوقت اسم أخيه السعيد بوتفليقة، ورغم إصابته بجلطة دماغية ترشح بوتفليقة لولاية رابعة، أمضاها مقعدًا غائبًا عن المشهد السياسي.

وحين توقع الجميع أنه سيخلد للراحة، أعلن بوتفليقة، في العاشر من فبراير/شباط 2019، في خطاب شكل صدمة للشارع الجزائري، أنه “استجابة لكل المناشدات والدعوات، ولأجل الاستمرار في أداء الواجب الأسمى، أعلن ترشحي للانتخابات الرئاسية لشهر نيسان/أبريل المقبل”، لتبدأ بعدها إرهاصات الحراك الشعبي في ولايات برج بوعريريج، بجاية وخنشلة، قبل أن تنتفض الجزائر بالكامل في 22 شباط/فبراير، في مشهدٍ أجبر المحيطين بالرئيس المريض على محاولة تمديد ولايته الرابعة، ثم تأجيل الانتخابات، وحمل بوتفليقة نفسه على إعلان عدم رغبته بالترشح لولاية خامسة.

وقال بوتفليقة في 11 أذار/مارس الماضي، “لا محلَّ لعهدة خامسة، بل إنني لم أنْوِ قط الإقدام على طلبها حيث أن حالتي الصحية وسِنّي لا يتيحان لي سوى أن أؤدي الواجب الأخير تجاه الشعب الجزائري، ألا و هو العمل على إرساء أسُس جمهورية جديدة تكون بمثابة إطار للنظام الجزائري الجديد”.

عبارات ووعود لم تقنع ملايين الجزائريين، الذين واصلوا الخروج في مسيرات حاشدة، لتدخل بعدها المؤسسة العسكرية وعلى رأسها رئيس أركان الجيش الوطني الراحل الفريق أحمد قايد صالح، الذي أعلن أن تطبيق المادة 102 من الدستور، واستقالة الرئيس بات أمرا ضروريا، لينهي بوتفليقة عقدين من الزمان عاشهما رئيسا للجزائر.

، والخطابات الرنانة، والحضر الإعلامي الطاغي، بتقديم استقالته في الثاني من أبريل الماضي، في رسالة طويلة ختمها بالاعتذار” أطلب منكم و أنا بشر غير منزه عن الخطأ المسامحة والمعذرة والصفح عن كل تقصير ارتكبته في حقكم بكلمة أو بفعل”.

وبرحيل بوتفليقة انطلقت أكبر عملية “أيادي نظيفة” عرفتها البلاد، أضيفت إلى أولى الإدانات الثقيلة ضد كبار المسؤولين المقربين من بوتفليقة وعلى رأسهم الوزيرين الأولين أحمد أويحيى وعبد المالك سلال، فيما ينتظر شبه طاقم حكومي كامل دوره في سجن الحراش بالجزائر العاصمة.

وحول أثر الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة يقول الأستاذ الجامعي زين الدين حرشي أن “البوتفليقية” هي التعبير الأبلغ عن جوهر النظام ومنطق اشتغاله. لذا كان بوتفليقة هو من ذهب بتناقضات النظام إلى حدها الأقصى، معه بلغ الفساد واحتقار الرأي العام وخنوع النخب وشخصنة الحكم، إلى أقصى الدرجات”.

واعتبر حرشي أن بوتفليقة، “بات يمثل جيل وثقافة، وطريقة متفردة في إدارة الشأن العام”، ورأى أن “رحيل بوتفليقة لا يعني انتهاء البوتفليقية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى