بومالة ونموذج التحول من نخبية الحزب إلى شعبية النخب
بشير عمري

سيكون خطأ قاتلا من جانب قوى التغيير إذا ما سارت اليوم فعلا خلف الجدل السياسي والاعلامي الحاصل بين مجموعات السلطة من يسبح في فلكها المعتم، بشأن الوضع الصحي للرئيس منذ ما يربو عن الشهرين، في وقت ليس يعلو أو يجلو من شيء أكثر من حقيقة مرض النظام برمته وحاجة الأمة لتشخيصه ومن ثم إيجاد علاج للدولة من أثاره، ومن أهم ما يمكن ملاحظته في سياق التشخيص الذي ندعو له دوما هو هذا الانبلاج الباهر لقدرات سياسية واكبت في تطورها كل مراحل النشاط الوطني التعددي مذ أعلن عن الانفتاح السياسي بالجزائر قبل أزيد من عقود ثلاث مضت.

هي أسماء تلخص في تجربتها حقيقة الأزمة السياسية، وتلامس ذلك السر القديم الذي يراد له أن يظل سرا مستعصيا حله على العقل الوطني، ويثبط تاليا في كل مرة من الجهد الجيلي وذكائه في تحقيق التغيير المنشود.

من تلكم الأسماء فضيل بومالة، الشاب الذي كان واضحا أن مأتاه للسياسة، مع الانفتاح الشكلي والاستشكالي بالجزائر، إنما كان تعبيرا عن قناعة راسخة ومبكرة لديه باستحالة التغيير عبر اكتفاء المثقف بطرح بدائله على رُكَحْ المسارح، ومدرجات المحاضرات، طالما أن السلط المسلطة على المجتمع تتجاوز العقل والمعقولية، فعن أية عقلانية بعدها يمكن التأمل أو التكلم.

بومالة تلافى الهوس الشعبوي العاطفي المفرط في النضال من أجل التغيير، الذي كرسته من بعد الوطنية الفلكولورية “الأفلانية” الانقاذية الاسلامية، وبه قضت هاته الأخيرة على نفسها وعلى إمكانية تجاوز صلف منظومة حكم مصطنعة ومسطحة، فانخرط في جزب وليد وقتها، ظل رئيسه آنذاك نور الدين بوكروح يتفاخر ويفاخر بنخبيته وأهليته لقيادة قاطرة التغيير وليس لمشائخ دغدغت عواطف الشارع واقتادته فيما بعد إلى مسلخة القرن (الحرب الأهلية (1992-1999)، واشتهر بوصفه للشارع السياسي الاسلاموي المتدفق وقتها بـ”الغاشي” أي الغوغاء، وفي كل مداخلاته بالصحف والاعلام المرئي والمسموع كان بومالة الحمال لخطاب فكري عميق يتجاوز قدرة الاستماع والتلقي السياسي السطحى يومها، يحاول القول بأن مؤشرات سوق السياسة بالجزائر تنبئ بأن التغيير لا يزاله بعيدا.

أمام استحالة النضال السياسي عبر الحزبية النخبية التي كرسها التجديديون “البنابيون” انسحب بومالة من الحزب واتجه إلى الاعلام عله يرتقي من خلال النقاشات التي كان يديريها في برامج نشطها بالتلفزيون الجزائري منها على وجه التخصيص والتخصص الجليس، حيث أفاد من خلالها كثيرا في تسليط الضوء على مساحات كبرى من ظلمة المجتمع وقتها، عبر ضيوف من العيارات الثقيلة في الفكر والتاريخ والسياسة ممن كان يدعوها لحفلة العقل على الطاولة المستديرة المسنتيرة.

لكن اتضح أن مقدم بوتفليقة إلى سدة الحكم والطريقة التي تم بها، وشاكلة نظام حكمه التي أنذر الناس من خلال بواكر أيام جلوسه على عرش المرادية، كان له أثره في مسار تحول بومالة من الرغبة في التغيير داخل نسق المشهد السياسي الذي فرضته المنظومة الحاكمة إلى ضرورة عمل ذلك وإعماله خارجها، وهنا سيعلَن عن ميلاد شكل جديد وتيار نوعي في العمل السياسي الوطني من خلال تجربة لمناذج نادرة كانت نتاج لطاحاونة التعددية الأولى (89/29) والتعددية الثانية (1992/2019) تيار سياسي عميق وخير متحزب.

كان لمثل هذا التياره أثره الايجابي في إنجاح الحراك، ليس بوصفه غوغائية شعبوية أو (غاشي) كما سماه نور الدين بوكروح، بل بصفته طاقة شعبية غير مؤدلجة بالصغة التصارعية التي كان يتغذى من نزعاتها وتنازعاتها النظام، طاقة لفظت مرة واحدة طغوى وطنية الوجدان المجردة وصارت تتبنى وطنية العرفان التي عبرها صار الجزائري يفهم حاضره من ماضيه ويستشرف مستقبله من حاضره بمسند وسند العقل وليس العاطفة وحدها.

هكذا نجاح الذي لا ينكره سوى غافل لا يحوز المقدرة على رصد دقيق تطورات المسألة الوطنية اليوم، هو من يعمل من خلال مهندسيه على نسف ما تبقى من إمكانيات وعناصر البقاء في هاته المنظومة الحاكمة الظالمة منذ الاستقلال، التي ظنت أنها باستيعابها للشعب في حزيبات ومن ثم السيطرة على هاته الحزيبات وتوجيه قيادتها أو توجيعها أو حتى تجويعها إذا ما أبت الطاعة، سيمكنها مواصلة تكريس ديمقراطية الواجهة، فإذا بمعارضة الفرد الجامع للشعب خارج سياجات الحزبية المصادرة، تضرب هاته المنظومة في أدبياتها الاستحواذية للمجتمع السياسي حين لم تجد بخارطتها التخريبية على آلية لمواجهة هذا الطارئ، عدا الاعتقالات واحكام القبضة مجددا على القضاء وهو ما وضعها في موضع حرج خارجيا أكثر منها داخليا.

فإذن يمكن القول أن نموذج بومالة والبعض ممن مضى على شاكلته في رسم معالم الوطنية الجديدة ومسالكها السياسية غير الكلاسيكية أو اللا سلكية أي تلك التي تمضي بتوجيه لا سلكي من خلف الأستار والجُدر الزجاجية المطلية، بات (النموذج) حقيق بالدراسة والتنقيب والتدقيق كونه مفرز من مفرازات صريع مرير عاشه العقل السياسي في كومدياه السوداء مذ تحرر من الاستعمار ولم يتحرر من الاستحمار من سلطة غاشمة داست كل ما هو جميل على الجغرافيا والتاريخ الوطنيين من أجل مصالح رجالاتها الضيقة ليس غير.

وكما يرى الجميع لفرط قوة هذا النموذج (البومالي) المتفرد في مقارعة منظومة أبانت عن مقدرة في تشفير وتصحير بل وتسخير العقل السياسي الوطني، باتت هاته الأخيرة عاجزة عن إعاددة إنتاج تعددية ثالثة تتمكن على جثتها، كما في كل تجاربها السابقة، من عبور وعي الشعب والافلات من قبضته ورغبته في التغيير الجذري الذي كرسته ثورة الحراك المبارك، ورغم عديد المحاولات من خلال استقطاب شباب للحديث باسم الحراك، والتشكل حزبيا وفق روحه بالحديث عن قطائع وهمية لا تمتد إلى عمق المشكلة الوطنية أو المعضلة إن جاز الوصف، إلا أنها باءت كلها بالفشل لأن الوعي هاته المرة تجاوز أو تلافى أخطاء المراحل السابقة حيث كانت الهرمية التنظيمية الحزبية سرعان ما تُباع وتشترى فتموت القضية (التغيير) في جيوب الساسة المظلمة.

بشير عمري

كاتب صحفي  جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى