بومبيو في إسرائيل: أجندة عدوانية تتصدّرها مباركة ضم الضفة

السياسي – يحط وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو يوم الأربعاء المقبل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ليستأنف بذلك رحلاته الخارجية التي كانت قد علقت بسبب وباء كورونا. وتحمل الزيارة أكثر من عنوان، بدءاً من دعم الحكومة الإسرائيلية الجديدة، مروراً ببحث جهود مكافحة فيروس كورونا وخطر إيران، ووصولاً إلى مسألة ضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة، وقد عبرت إدارة الرئيس دونالد ترامب بالفعل عن تأييدها لخطط رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في هذا الشأن، وليس مستبعداً أن يبارك بومبيو الداعم بقوة لإسرائيل هذا التوجه. وعلى الرغم من التحذيرات الداخلية والخارجية وعلى المستوى الفلسطيني والإسرائيلي وحتى الأميركي من إقدام سلطات الاحتلال على هذه الخطوة التي لا إجماع عليها حتى في واشنطن وتل أبيب، يبدو أنّ حكومة الاحتلال ستمضي في ما تخطط له، في الوقت الذي تتوقّع مصادر مختلفة، بما في ذلك داعمة لإسرائيل، أضراراً جمة ستنجم عن الخطوة، حال اتخاذها.
وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية، أول من أمس الجمعة، أنّ بومبيو سيزور إسرائيل للتعبير عن دعمه للحكومة الإسرائيلية الجديدة. وسيلتقي بومبيو رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وشريكه في الائتلاف الحكومي بيني غانتس في القدس المحتلة في 13 مايو/ أيار، أي يوم أداء الحكومة الجديدة اليمين. وتأتي زيارة بومبيو بينما عبرت إدارة الرئيس دونالد ترامب عن تأييدها لخطط نتنياهو ضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة، على الرغم من تحذيرات الفلسطينيين من أن ذلك سيقتل آفاق اتفاق للسلام على الأمد الطويل. وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية مورغان أورتيغاس، في بيان، إنّ بومبيو “سيبحث في الجهود الأميركية والإسرائيلية لمكافحة وباء كورونا ومسائل الأمن الإقليمي المرتبطة بتأثير إيران الخبيث”. وأضافت أنّ “التزام الولايات المتحدة بإسرائيل لم يكن أقوى مما هو عليه في عهد قيادة الرئيس ترامب”.
وصرّح ديفيد شينكير، كبير الدبلوماسيين الأميركيين للشرق الأوسط، بأنّ بومبيو سيتوجه إلى الدولة العبرية بدعوة من الحكومة الإسرائيلية. وأضاف أنّ “إسرائيل محظوظة بوجود قيادة قوية ومحنكة كهذه في زمن تحديات”.
ونأى شينكر عن الخوض في دواعي الزيارة، إلا أنه حرص على التشديد على أن مباحثات الوزير مع الجانب الإسرائيلي سوف تشمل “النشاطات الإيرانية في عموم المنطقة وليس في الساحة السورية فقط”، كما قال في رده على سؤال لـ”العربي الجديد”. كذلك رفض الغوص في ما تردد حول نية بومبيو مفاتحة الإسرائيليين شخصياً بضرورة تأجيل الإعلان عن أي خطوة لضم المستوطنات والأغوار إلى وقت لاحق في الصيف المقبل، قبيل انتخابات الرئاسة. ويشار إلى أن بومبيو كان قد أعلن في 22 إبريل/ نيسان الماضي أنّ “قرار الضم هو بالنهاية قرار إسرائيلي”.
في المقابل، من المتوقع أن تباشر اللجنة التي شكلتها اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية للرد على قرارات الضم عملها خلال أيام، من دون أن تعطي القيادة أي تفاصيل عن رؤية وماهية هذا الرد، إذ يأتي تشكيل هذه اللجنة قبل أيام من تقديم حكومة الاحتلال برنامجها للكنيست للمصادقة عليه والذي من ضمنه الإعلان عن ضم أراضٍ من الضفة الغربية المحتلة في الأول من يوليو/ تموز المقبل. ويأتي تشكيل لجنة فلسطينية للرد على الضم في سياق عشرات اللجان التي شكلتها القيادة الفلسطينية في الأعوام القليلة الماضية للانفكاك عن الاحتلال، من دون أن تسفر عن أي نتائج ملموسة.
وكان ترامب قد كشف في يناير/ كانون الثاني الماضي عن خطته للسلام في الشرق الأوسط أو ما بات يعرف بصفقة القرن والتي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية. وقد منح بموجبها إسرائيل الضوء الأخضر لضمّ غور الأردن، المنطقة الاستراتيجية التي تشكّل 30 في المائة من مساحة الضفة الغربية، والمستوطنات المبنية في الضفة الغربية والقدس الشرقية التي باتت في نظر الإدارة الأميركية جزءاً لا يتجزأ من العاصمة الموحدة لدولة الاحتلال.
وقد تقرّر الحكومة الإسرائيلية الجديدة المضي قدماً في ضمّ المناطق اعتباراً من يوليو/ تموز المقبل، لكن ينبغي أن تشاور الولايات المتحدة التي لا تعترض على ذلك، لا بل يذهب مسؤولو إدارة ترامب بعيداً بتصريحاتهم العنصرية اتجاه الفلسطينيين، كما يواظب عليه السفير الأميركي لدى إسرائيل دايفيد فريدمان. وقال الأخير، أول من أمس الجمعة، في حديث لصحيفة “إسرائيل هيوم”، إنّ الحديث عن انسحاب إسرائيل من مناطق بالضفة المحتلة “اقتراح سخيف يشبه مطالبة الولايات المتحدة بالتخلي عن تمثال الحرية”.

وأضاف فريدمان أنه يتفهّم موقف اليمين الإسرائيلي الذي “ليس بإمكانه الموافقة على دولة فلسطينية”، تقام في الضفة الغربية وقطاع غزة. وعلى الرغم من أنّ خطة “صفقة القرن”، التي كان فريدمان أحد المبادرين إلى وضعها في إدارة دونالد ترامب، لا تطرح دولة فلسطينية قابلة للحياة، إلا أنه ادعى أنّ قيام دولة فلسطينية كهذه سيتم عندما “يتحول الفلسطينيون إلى كنديين”.
وحول مخطط ضم مناطق في الضفة الغربية المحتلة إلى إسرائيل، الذي تنص عليه “صفقة القرن”، قال فريدمان إنه “توجد ثلاثة أنواع من المناطق في المنطقة C (التي تعادل مساحتها 60 في المائة من مساحة الضفة). الأول منطقة مأهولة بمستوطنات يهودية كثيرة، وستُعلن السيادة فيها بحيث سيتمكنون من توسيعها بشكل كبير. النوع الثاني هو نصف المنطقة C والتي لن يكون فيها بناء من أي نوع كان، لا إسرائيلي ولا فلسطيني. وهذه المنطقة مخصصة للدولة الفلسطينية. وهناك نوع ثالث وهو ما يسمّى بالجيوب أو المستوطنات البعيدة. وهذه تعادل 3 في المائة من مجمل المستوطنات اليهودية، وستعلن إسرائيل سيادتها عليها، لكنها ستتوسع إلى أعلى فقط”. وتابع “المبدأ هو أن المنطقة الإسرائيلية لن تكون أكبر من 50 في المائة من المنطقة C، أي 30 في المائة من مجمل الضفة الغربية. وواضح للجميع، وللجانب الإسرائيلي على الأقل، أنه نريد أن نكون جاهزين بحلول 1 يوليو/ تموز”.
ولكن بنظر كثير من المحللين، فإنّ الضوء الأخضر الأميركي الممنوح لسلطات الاحتلال لن يكون كافياً لتجنّب أضرار كثيرة ستنجم عن المضي بخطط الضم.
وفي هذا السياق، قدّم المعلق الأميركي دانيال بايبس، المختص بشؤون الشرق الأوسط والمؤيد تقليدياً لسياسات الجناح اليميني في إسرائيل، في مقال نشر في صحيفة “نيويورك تايمز” الخميس الماضي، ستة أسباب للاعتقاد بأن الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية سيضر بالعلاقات الأميركية الإسرائيلية ووضع إسرائيل كدولة يهودية.
أولاً: يمكن أن تجلب الخطوة غضب الرئيس دونالد ترامب، إذ تسمح خطة الرئيس الأميركي للإسرائيليين بضم حوالي 30 في المائة من الضفة الغربية، “في سياق موافقة حكومة إسرائيل على التفاوض مع الفلسطينيين”. فإذا دفع الإسرائيليون بالجزء الذي يعجبهم وتجاهلوا الباقي، فإنهم يجلبون استياء ترامب، وفق بايبس.
ثانياً: سيؤدي الضم إلى إضعاف وتناقص عدد أصدقاء إسرائيل في الحزب الديمقراطي وأوروبا، خصوصاً أنّ العديد من الديمقراطيين عبروا عن رفضهم للخطوة، فيما دانت الدول الأوروبية الكبرى مخططات الضم المحتملة وألمحت إلى إمكانية الرد عليها. وقد نقلت صحيفة “هآرتس” عن السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة نيكولا دو ريفيير قوله إن الضمّ “لن يمر من دون اعتراض، ولن يتم التغاضي عنه في علاقتنا مع إسرائيل”، وهذا قد يعني الاعتراف بدولة فلسطين، بحسب بايبس.
السبب الثالث، وفق المعلّق الأميركي، أنه قد تخسر إسرائيل ما كانت قد بنته مع عدد من الدول العربية، إذ قد تؤدي خطوة الضم من جانب واحد إلى عودة القضية الفلسطينية إلى الواجهة.
رابعاً، سيؤدي الضم على الأرجح إلى غضب فلسطيني يمكن أن يزعزع استقرار الأردن والضفة الغربية وقطاع غزة.
خامساً: من المؤكد أن الضم سيؤدي إلى تطرف اليسار الإسرائيلي، الأمر الذي سيؤدي على الأقل إلى معركة سياسية شرسة.
أما السبب السادس الذي يطرحه بايبس فهو أنه “من المرجح أن يؤدي الضم إلى جعل المزيد من الفلسطينيين مؤهلين ليصبحوا مواطنين في إسرائيل، وسيكون ذلك خطأ فادحاً، لأن المواطنين العرب هم العدو الأخير لدولة يهودية”.
ووفق صحيفة “هآرتس الإسرائيلية، يثير الحديث المتزايد حول الضم جدلاً داخل الحزب الديمقراطي حول أفضل طريقة للرد على سياسات نتنياهو وترامب. إذ إنّ بعض السياسيين الديمقراطيين باتوا أكثر صرامة وأكثر انتقاداً في ضوء التغييرات السياسية التي دفع بها كل من نتنياهو وترامب، كالجناح الذي يمثله السناتور بيرني ساندرز الذي يدعو إلى رد صارم، بما في ذلك تعليق بعض المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، بينما يفضل آخرون الالتزام بنهج الحزب الديمقراطي التقليدي المتمثل في دعم حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني رسمياً. أما المرشّح الرئاسي جو بايدن، فيقف في المنتصف بين الجناحين، رغم أنه معروف بمواقفه المؤيدة لإسرائيل، وهو صاحب نظرية أنه ليس على المرء أن يكون يهودياً لكي يكون صهيونياً، في وصفٍ لنفسه.
ويأتي ذلك فيما تقوم مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين حالياً بجمع التوقيعات على رسالة تعارض الضم وتحذر إسرائيل من الأضرار التي يمكن أن تسببها هذه الخطوة لمكانتها الدولية. لكن الباحث بشؤون الشرق الأوسط، ستيفن كوك، يقول في مقال بمجلة “فورين بوليسي”، إن فكرة أنّ السلام ممكن لا تزال قائمة في واشنطن، وبالتالي يجب تجنّب الضم. ويضيف “يستند هذا الأمل إلى اعتقاد بأنه مع ما يكفي من التشجيع والضمانات، وحتى التهديدات الضمنية، يمكن إحضار الإسرائيليين لإبرام صفقة، لكن الفكرة القائلة بأنّ أميركا يمكنها إنهاء الاحتلال/ الضم تتعارض مع التجارب”، مذكراً بأنه سبق أن طور مسؤولون أميركيون مقترحات واتفاقيات، لكن بلا جدوى.
ولا تجد الخطوة الإسرائيلية كذلك إجماعاً في إسرائيل، ففضلاً عن الخلافات الحزبية بشأن توقيت الخطوة، وجد استطلاع للرأي شمل 1000 شخص نشر الأربعاء الماضي وأجرته منظمة “قادة من أجل أمن إسرائيل”، أنّ ربع المستطلعين (26 في المائة) يؤيدون ضم الضفة الغربية، بينما يؤيد أكثر من 40 في المائة حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى