بين الكلي والجزئي في مسار التغيير الحاصل!
بشير عمري

لا تزال حادثة النقاش الحاد الذي حدث بين المعلمة ووالي وهران حول منضدة التدريس المهترئة تثير المزيد من التداعيات في الوسطين الاعلامي والسياسي وما فاجأ هو البعض أن تمضي الجهات الرسمية على أعلى المستويات مع تيار هذه الموجة الدعائية الكبيرة، موقف استدعى الوقوف حياله لمحتاولة استفحاصه وفهم مكنونه العميق، ذلك لأن العادة جرت أنه كلما اتسعت رقعة الفضيحة وعلا صوت انفجارها في الفضاء الافتراضي كلما تعامت عنها وسائل الاعلام الرسمية متبعة في ذلك الموقف الرسمي، فما المغزى من هذا الانخراط الرسمي في ثورة الافتراض؟.

بمعزل كلي عن نظرية المؤامرة ومحاولة قراءة وفق أساسها وعناصرها التحول في الموقف رسمي ازاء فضيحة مست مؤسسة تربوية عمومية،  يظل مع ذلك واجبا النظر إلى ما هو كامن خلف الحادثة في ظل تساوقها مع الأحداث السياسية وبالخصوص السياق الثوري الذي تعرفه البلاد بكل ثقله وتقلباته ومنحنيات تصاعده وتنازله.

أفليس جديرا بإثارة العجب والاستغراب أن يُحدث ذلك النقاش بين معلمة ووالي كل هذه الضجة ويستدعي الاستجابة الطارئة في طبيعتها وحجمها من الوسائل العمومية في وقت تجري فيها محكمات حول قضايا كبرى لم يشهد لها أي نموذج للفساد والسرقة في العالم مذ تحول إلى الدولة الحديثة لا تكاد نجد لها حضورا في بلاتوهات التحليل العمومية؟

كلنا يدرك بأن تلك المحاكمات ليست تتعلق فقط بمسألة سرقة المال العام فذاك تحصيل حاصل، إنما هي، أو يفترض أن تكون كذلك، تتعلق أساسا بمحاكمة منظومة ونظامين سياسيين فاسدين مفلسين قادا البلاد إلى الخراب ولولا انتفاضة الشعب وثورته الحراكية ما تأسست هاته المحاكم والمحاكمات وما حدث هذا المسار السياسي “الجديد القديم” من محاولة تقيزم ودسترة الأزمة بتأزيم الدستور واعتباره كان مشكلا وعليه يتوجب أن يغدو حلا لمبرط  عُقدته كامنة في الطرف المخفي من قدم الفرس !

فالواضح إذن هو أن ثمة إرادة لتحويل الاهتمام الشعبي من الكلي إلى جزئي، من مطلب التغيير السياسي إلى التغيير الاجتماعي، من مطلب الحق العام إلى الحق الجزئي من دمقرطة تسيير لجهاز الحكم إلى (دمقرطة) القطاع.

 

كل ذلك يذهب بعكس أهداف اللحظة الثورية الحراكية التي جاءت أصلا لتمتد به من الحاجة الجزئية الصغيرة التي حضر الشعب والفاعل الاجتماعي والسياسي فيها إلى الحاجة الكبرى التي غييب عنها وحيث يتوجب أن يُفعل التغيير فيما تضمنته المقولة أو الشعار الثوري الخالد “يتنحاو قاع” معنى “قاع” هي من الرأس التي نصبت الوالي الرديئ باعتبار أن الرداء لا تنتج إلا الرداء إلى أبسط مسئول محلي يتم تعيينه فوقيا.

هو إذن سلوك من التحايل على الوعي الحراكي يُراد به استدراجه قسرا وسريعا إلى مرحلة قتل ثورته، بتضخيم الجزئي (منضدة) مدرسة قديمة وتغييرها بقرار سياسي من أعلى هرم السلطة وفق مسار (متلفز) بارسال شاحانات حاملة لمناضد التمدرس الجديدة، فتُبارك وتُثمن الشجاعة (الاجتماعية) للمعلمة ويعاقب أو يؤنب المسئول المحدود  (الملحي) ويموت مطلب التغيير الكلي (يتنحاو قاع) وتموت الحاجة إليه طالما أن شجاعة (الاجتماعي) صارت أقوى من شجاعة وناجعة السياسي في التغيير ولو (الجزئي) .

وليست هذه الاستراتيجية بالجديدة قط، فعودة بسيطة بالذاكرة لشريط المواقف الرسمية السريعة حيال الانتفاضات الكبرى التي أدان فيه الشعب النظام السياسي، وطالبه بالرحيل ونادى بأعلى صوته برغبته في تحقيق التغيير الجذري، تكفي لايضاح وكشف قدم هذا الاسلوب، ما يؤكد بأن جهاز انتاج الثورة المضادة لا يزال هو هو وبالتالي العلبة الصلبة والسوداء للنظام تظلها هي هي، سنة 1988 بعد أكتوبر، خرج أو أُخرج الشباب إلى الشارع على أمل رؤية المنظومة الحاكمة تتغيير، وإذا بها تبقى لتتولى هي تغيير المجتمع وفق ما يخدم مصالحها، حتى لو اقتضى الأمر ذلك اقتياده إلى حرب أهلية ذابحة، بعد نتاج تشريعيات 1992 التي تهددتها بالاقتلاع، ها هي ذي تعيد الكرة مع الحراك تنجح في اختزال العام في الخاص، الكلي في الجزئي، السياسي بالقطاعي لتوهم كل من لا يزال يقف على حافة الوعي تتجاذبه قوى وتيارات الشك والريبة والتردد كل من الناحية، أن التغيير حصل ويحصل وسيقى كذلك مثلما سيبقى النظام!

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى