تآكل القدرة الشرائية يطرق أبواب الدخول الاجتماعي في الجزائر

السياسي – وكالات

ضاعف الموسم الدراسي المرتقب في الجزائر نهاية سبتمبر (أيلول) الحالي، من حدّة الضغوط على عائلات باتت تشتكي من ثقل الأعباء التي أرهقت كاهلها، بشكل أدى إلى تدهور وضعها المعيشي بالتزامن مع انهيار متواصل في قيمة الدينار المحلي الذي فقد نحو خمسة في المئة من قيمته خلال عام، وفق متخصصين في الشأن المالي.

إشكالية كتلة الأجور

ويوضح المتخصص في الشأن الاقتصادي، سليمان ناصر، أن “المواطن يشتكي كثيراً من غلاء الأسعار هذه الأيام، لا سيما المواد الغذائية، وبخاصة مع الدخول الاجتماعي، حيث تكثر المصاريف في وقت وصلت فيه القدرة الشرائية للجزائري إلى الحضيض”.

ويرى ناصر، أن “الحكومة لا تستطيع رفع الأجور، بل يكاد يكون ذلك مستحيلاً في ظل العجز الكبير الذي تعرفه الميزانية والخزينة، وبخاصة أن كتلة الأجور تشكل أكثر من 60 في المئة من ميزانية التسيير، وهذه الأخيرة تشكل نحو 65 في المئة من موازنة الدولة”، إذ يبلغ الأجر القاعدي حالياً 20 ألف دينار جزائري (نحو 150 دولاراً أميركياً).

ووفق المتخصص في الشأن الاقتصادي، ليس بمقدور الحكومة الجزائرية توسيع قائمة السلع المدعومة لحماية للقدرة الشرائية للمواطن، لأنها وعدت في برنامجها الحكومي بإصلاح نظام الدعم، أي إلغائه بشكله الحالي وتوجيهه إلى مستحقيه، بالتالي لا يمكن للحكومة أن تقوم بإجراءين متناقضين، كما “لا تستطيع فرض مزيد من الضرائب لتوفير الأموال (في حال الرغبة في زيادة الأجور)، لأن ذلك يعد بمثابة انتحار ودفع بالوضع العام إلى ما لا تحمد عقباه”.

لذلك، يرى ناصر أنه “من حق المواطن أن يطالب بحماية قدرته الشرائية، ومن حقنا كمتابعين للشأن الاقتصادي أن نعرف كيف ستحقق الحكومة ذلك بعد أن وعدت به في برنامجها”.

تلويح بالاحتجاج

وعلى وقع غلاء الأسعار، هددت كونفيدرالية النقابات الجزائرية التي تضم تحت لوائها 13 نقابة، بالعودة إلى الاحتجاجات والإضرابات للتصدي لما وصفته بـ”الوضع الاجتماعي المزري الذي يواجهه العمال والموظفون”.

واعتبرت أنها “ملزمة أمام خطورة الوضعية الاجتماعية الراهنة، والتي تعيشها الطبقة الشغيلة في الجزائر، بتحمل مسؤولياتها النقابية والأخلاقية والتصدي لهذه الوضعية غير المقبولة عبر كل أشكال الاحتجاجات القانونية والسلمية لحمل الحكومة على اتخاذ القرارات المناسبة والسريعة للتحسين من القدرة الشرائية للعمال والموظفين”.

وبرأي النقابات، فإن “الحكومات المتعاقبة والحالية تفتقد مقاربات فعالة وبدائل وإجراءات تضمن إعادة التوازن للقدرة الشرائية للموظفين”، الذين يرفعون جملة من المطالب الاجتماعية والمهنية، من أبرزها زيادة الأجور، ومراجعة القانون الأساسي مع إلغاء قانون التقاعد الحالي والمعمول به في سلك الوظيفة العامة.

وعلى هامش مناقشة مخطط عمل الحكومة في البرلمان، استعجل نواب وضع مخطط من أجل مواجهة ظاهرة الفقر التي هي في ارتفاع مطرد، في ظل تراجع القدرة الشرائية إلى نحو 50 في المئة، وفق مداخلاتهم أمام رئيس الحكومة أيمن عبدالرحمن.

مبررات الحكومة

ورداً على الانتقادات التي طاولتها أخيراً، أرجعت الحكومة الجزائرية ارتفاع الأسعار إلى تداعيات جائحة كورونا، مطمئنةً بأنه ارتفاع ظرفي لارتباط الاقتصاد بالأسواق العالمية التي شهدت زيادة في تكاليف الإنتاج والنقل الدولي وارتفاع أسعار بعض المدخلات.

وفي تصريحات صحافية، توقع رئيس الحكومة بروز بوادر انفراج اقتصادي من خلال عودة الحركة بعد الركود المسجل جراء تداعيات الجائحة، لافتاً إلى عودة النمو الاقتصادي إلى مساره الإيجابي بتسجيله نسبة تفوق 2.8 في المئة خلال الثلاثي الأول من العام الحالي، مشيراً إلى أن هذه النسبة ستفوق 4 في المئة مع نهاية 2021، ما سيؤثر إيجاباً على التشغيل واستقرار الأسعار.

وفي هذا السياق، قال المتخصص في الاقتصاد الزراعي، علي داودي، إن ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية، لا سيما منذ شهري يوليو (تموز) وأغسطس (آب)، قد تعزز بفعل الانتعاش الاقتصادي الذي تأثر كثيراً لمدة سنة ونصف السنة بسبب “كوفيد-19”.

وأشار في تصريحات للإذاعة الحكومية، إلى أن سعر القمح ارتفع إلى 250 دولاراً للطن خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2021، وخلال الأسبوعين الأولين من شهر سبتمبر، في حين لم يتجاوز القمح عام 2020 سعر 185 دولاراً، ما يعني ارتفاعاً بنسبة 34 في المئة.

والأمر نفسه يتكرر مع أسعار الذرة التي ارتفعت، بحسب داودي، نحو 60 في المئة لتبلغ 265 دولاراً للطن خلال سنة 2021، مقابل 165 دولاراً عام 2020. كما أشار إلى أسباب أخرى أدت إلى ارتفاع الأسعار، على غرار العوامل المناخية من حرائق الغابات والجفاف، والتي أثارت ملاحظي السوق الدولية، واستفزت المضاربين في شأن احتمال حدوث اضطراب في العرض.

وعلى الرغم من أن مستويات المردودية كانت جيدة خلال هذه السنة، وبخاصة في الولايات المتحدة، فإن الأسعار تظل مرتفعة، بحسب داودي، باعتبار أن بلداناً عدة أعادت تكوين مخزوناتها، ناهيك بالتضخم الذي مسّ البلدان المصنعة (الولايات المتحدة وأوروبا والصين)، ما أثر في دول أخرى، ومنها الجزائر، بما أنها ما زالت تستورد جزءاً كبيراً من المواد الأولية والمدخلات المستعملة في قطاعي الفلاحة والصناعات الغذائية.

وبناءً على مؤشرات السوق، دعت المنظمة الجزائرية لحماية المستهلك إلى تخفيض الضريبة على القيمة المضافة المفروضة على مواد واسعة الاستهلاك من أجل التحكم في السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطن، بالإضافة إلى تحديد هامش الربح لقائمة معينة من المنتجات الأساسية مع تحديد السعر المرجعي لها. وتقول المنظمة غير الحكومية، إن ارتفاع الأسعار راجع إلى “غياب شفافية ميكانيزمات التسويق” التي تكون غير معروفة في أغلب الأحيان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى