تاريخ الصراع بين واشنطن وطهران

السياسي – نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، مقالا بعنوان “اليوم التالي لاندلاع الحرب في إيران”، وقالت فيه إن “خروج الألوف المؤلفة، للتعبير عن حزنها على قاسم سليماني، هو أول الإجراءات الانتقامية”.

وأضافت الصحيفة في مقال للكاتبة أزاده موافيني أن “الإيرانيين خرجوا من كل حدب وصوب ليرثوه، وذلك في مشاهد غير مسبوقة منذ جنازة آية الله الخميني”، معتبرة أن “رثاء سليماني كان أول إجراء انتقامي تقوم به إيران”.

وأشارت موافيني إلى أن “الجنازة الرسمية لسليماني خارقة للعادة، واستمرت على مدى أربعة أيام، وفي بلدين، لا بلد واحد فقط”، معتقدة أن “الجنازة المهولة أبرمت توأمة بين بلدين، عبرت الجماهير فيهما عن الحزن وعن السخط المشترك في آن واحد”.

وتاليا نص المقال كاملا:

اليوم التالي لاندلاع الحرب في إيران

كانت آخر مرة كتبت فيها بشكل جدي عن الحرب مع إيران في عام 2012. كان ذلك بشكل خاص عاماً عصيباً، أجرى خلاله الحرس الثوري الإيراني مناورات بحرية في الخليج الفارسي بينما كانت إسرائيل والولايات المتحدة تقومان بتدريبات مشتركة. حينها بدت سلامة خطوط شحن النفط في مهب الريح.

كانت أسعار النفط شديدة التقلب، وصار الجميع فجأة منهمكا في رصد السفن، وخرجت وسائل الإعلام بعناوين تتوقع قيام إسرائيل بمهاجمة المرافق النووية الإيرانية.

كانت المهمة الموكلة لي تتمثل في النظر فيما ستكون عليه الأوضاع في اليوم التالي – أي أن أتصور كيف كان الإيرانيون سيردون فيما لو تعرضت بلادهم للقصف من قبل إسرائيل. تضمنت مقالتي مشاهد للشباب الذي خيم عليهم الذهول يتجمعون عند التقاطعات المحتشدة يرددون النشيد الوطني – فجأت بات كل واحد منهم مواطناً إيرانياً مرعوباً بدلاً من عازف غيتار طموح أو عامل يومي أو وظيفة كان الواحد منهم يشغلها في اليوم السابق – كما تضمن المقال مشهداً لأم تصرخ داخل متجر مركزي وهي تشتري ما يمكن أن تصل إليه يدها من غذاء لطفلها. لا أتذكر حتى أنني كتبت هذه الأشياء. فكم مرة بإمكان المرء أن يكتب وأن يخمن وأن يحلل عرض بلاده للدمار قبل أن يبدأ عقله في استيعاب ما يجري؟
ينتابني شعور بأن كل ذلك التدريب إنما كان إعداداً لما يجري اليوم. ففي الأسبوع الماضي قصفت طائرة أمريكية مسيرة بالصواريخ موكب أكبر جنرال لدى إيران والذي يعتبر لديها بطل حرب قومي. إنه الفريق قاسم سليماني الذي قضى نحبه في الهجوم هو وأحد كبار قادة المليشيات في العراق، فيما يمكن أن يفهم على أنه عمل من أعمال الحرب.

أن أكون هنا تارة أخرى يجعلني أشعر – وأنا المواطنة الأمريكية من أصول إيرانية – كما لو أنني تواجدت هنا مرات عديدة من قبل. فدورات الحرب الوشيكة وما يمكن أن ينتج عنها من اضطراب بدت كما لو أن من نصيب الإيرانيين أن يعيشوها كل بضعة سنين، إنها الدورات التي تغذيها نزوات الولايات المتحدة وجرأة إيران المتزايدة. يشعر المرء الآن كما لو كانت هذه الدورات أشبه بإرث حضاري، أو بتركة لما شهدته أمي من قبلي وأمها من قبلها، ولما قد أورثه لأطفالي من بعدي. فما من عائلة إيرانية إلا وتأثرت بطريقة أو بأخرى بذلك الماضي.

كان انقلاب عام 1953 المدعوم أمريكيا قد دمر وظائف جدي وشقيقه، وهما اللذان كانا حتى ذلك الوقت يخدمان في الحكومة، وتسبب في لجوء الثاني منهما إلى المنفى. وكان دعم أمريكا للشاه، ثم تخليها عنه، هو الذي ساعد على تشكيل ثورة عام 1979 التي عطلت حياتنا بمجيء سلطة جديدة صادرت أملاكنا، وسجنت أحد أعمامي لمجرد انتمائه لتلك الطبقة المتعلمة الموالية للغرب والتي يعزى إليها فضل بناء إيران الحديثة، وكانت الثورة من وجهة نظرها السبب في فنائها.

ما كان من السنوات التي تلت إلا أن عمقت الهوة بين إيران والولايات المتحدة. فقد شهدت الفترة من 1979 إلى 1981 أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران، والتي رغم أنها لم تتسبب في نهاية المطاف في قتل أحد إلا أنها سممت العلاقات بين البلدين حتى هذا اليوم. بالكاد، لم تخف الولايات المتحدة دعمها للعراق على مدى السنوات المدمرة للحرب الإيرانية العراقية. وفي عام 1988، وبينما كانت الحرب توشك على أن تضع أوزارها، نجم عن المناوشات المستمرة بين الطرفين إسقاط البحرية الأمريكية لطائرة ركاب إيرانية بينما كانت تحلق فوق المياه الإقليمية لإيران مما أودى بحياة 290 شخصا. بينما أعرب الرئيس دونالد ترامب عن أسفه العميق لذلك إلا أنه كرم ضباط البحرية ومنحهم الأوسمة.

لعقود مضت حتى الآن، كثيراً ما بدت الولايات المتحدة مدفوعة نحو إلحاق الأذى بإيران، في بعض الأوقات من خلال سياسات تدخل عبثية، ثم بعد عام 1979، بتصميم لا هوادة فيه على مواجهة كل ما كان يعتبر تهديداً تشكله المنظومة الجديدة.

عند نقطة معينة بدأت إيران بالانتقام: ففي ثمانينيات القرن الماضي عمدت إلى تشكيل ورعاية مجموعات وميليشيات معادية لواشنطن في المنطقة، وراحت تشجعها على احتجاز الرهائن الغربيين بل وتشن من خلال شبكاتها بعض الهجمات. وفي السنوات الأخيرة بدأت إيران تتحدى الأدوار التي تمارسها الولايات المتحدة في الحروب التي تدور رحاها في المنطقة وتتحدى ما تمارسه من تدخلات في البلدان المجاورة – ومن ذلك غزو أفغانستان في عام 2001 ثم غزو العراق في عام 2003 – وذلك من خلال دعم حلفاء لها خارج إطار الدولة ما لبثوا أن أصبحوا قوى عصية لا يمكن الاستهانة بها. أدى ذلك إلى إحداث نقلة نوعية في مستوى النفوذ الذي تحظى به إيران في المنطقة والذي ربما لم يكن يخطر لها ببال. كان الجنرال سليماني هو مهندس جل هذه الاستراتيجية.

كثيرون يحملونه المسؤولية عن موت الآلاف بسبب تدخله لإنقاذ حكم بشار الأسد في سوريا. ولكن بالنسبة لكثير من الإيرانيين والعراقيين والكرد وغيرهم، كان شخصية محورية في قهر الدولة الإسلامية، حيث ساعد في وقف تمددها السريع في أنحاء العراق عام 2014. أما في سوريا، فيرى كثير من السوريين الذين عانوا من تنكيل نظام الأسد بهم على نطاق واسع أن الجنرال هو الذي قاد ما لا يمكن فهمه إلا على أنه قوة معادية. إلا أن زعماء إيران كانوا دوماً يذكرون شعبهم بأن سوريا، الدولة العربية الوحيدة التي انحازت إلى جانب إيران خلال الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت ثمان سنين، لا يمكن التخلي عنها، وأنه بدونها سينكشف ظهر إيران بشكل خطير في المنطقة.

بسبب هذه المناورات، والتي كان الهدف منها جزئياً توفير بعض الردع الإيراني في وجه العداوة الأمريكية السافرة، سيذكر الناس الجنرال سليماني. لقد تحول إلى ما يشبه الأب لبلد حائر ضال، فخرج مئات الآلاف إلى جنازته ليقولوا له غفرنا لك التجاوزات الشديدة للقوة التي كانت تأتمر بك، وما ذلك إلا لأنه أمن تراب البلاد حينما ظهرت الدولة الإسلامية تفتك بالناس يميناً وشمالاً لا ترقب فيهم إلا ولا ذمة. حينها نظر إليه الناس على أنه رجل يتحلى بصفات الشرف والنزاهة التي عز مثيلها بين السياسيين من معاصريه. (بالطبع لم ينل إعجاب جميع الإيرانيين بهذا الشكل، بل كان له منتقدون لم يؤيدوه في استراتيجياته الإقليمية).

لقد اصطف زعماء إيران خلف تركته، وتعهد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي بالانتقام الشديد، وأكد على أن قتله سيضاعف من المقاومة ضد الولايات المتحدة وضد إسرائيل. وحتى رجل الدين المعتدل مهدي خروبي الثمانيني الموضوع بشكل دائم تحت الإقامة الجبرية هو الآخر أصدر بيان تعزية.

بعيدا عن هذه التظاهرة الرسمية المعبرة عن الوحدة والتضامن، صدرت الصحف بمختلف توجهاتها السياسية وقد سودت صفحاتها الأولى تعبيراً عن الحداد، ونشرت فيها صوراً للجنرال سليماني في جميع أحواله التي كان يظهر بها، من الزي العسكري الكامل بكل ما يزينه من أوسمة إلى السترة السوداء اللامعة. وحتى الصحف الأكثر ليبرالية خرجت بعناوين رثائية وبكائية مثل “الحزن لا يكاد يصدق”.

كتب محمود دولت آبادي، أحد أبرز الروائيين المعاصرين والذي كثيراً ما تتعرض كتاباته للحجب والمصادرة قائلا: “ماذا عسى المرء أن يفعل وقد غُرزت الشوكة في القلب؟ هل هذا هو مصير جميع المرموقين من أبناء هذه الأرض، بغض النظر عن الفكر أو الانتماء؟” وقال عن الرجل: “لقد أنشأ سداً منيعاً في مواجهة تنظيم داعش المتعطش للدماء وأمن الحدود حتى يحول دون أن تحل بنا مصيبتهم”.

قد خرج الإيرانيون من كل حدب وصوب ليرثوه، وذلك في مشاهد غير مسبوقة منذ جنازة آية الله روح الله الخميني نفسه. فاض ميدان أصفهان المركزي بالبشر، ذلك الميدان الذي يعود إلى القرن السابع عشر ويعتبر منبع التاريخ الفارسي، وفاضت كذلك جسور وشوارع الأهواز بالناس من جميع خلفيات المجتمع الإيراني.

يمكن القول إن رثاء الجنرال كان أول إجراء انتقامي تقوم به إيران، حيث استمرت الجنازة الرسمية الخارقة للعادة على مدى أربعة أيام، وفي بلدين لا في بلد واحد فقط. لقد أبرمت الجنازة المهولة توأمة بين بلدين عبرت الجماهير فيهما عن الحزن وعن السخط المشترك في آن واحد، بينما تحركت الجنازة عمداً عبر هلال من الذاكرة التاريخية الشيعية. كانت البداية في مدن العراق الجنوبية التي أصر صدام حسين على إبقاءها خانعة متخلفة، مدن العتبات المقدسة في النجف وكربلاء، ومن هناك إلى إقليم خوزستان الإيراني، والذي شهد أشد المعارك دموية أثناء الحرب الإيرانية العراقية، وهنا خرجت الجماهير ذات الأصول العربية في حشود عزائية هاتفة باللغة العربية، وكان يقصد من شمولها في عملية الرثاء التعبير عن وحدة الهدف بغض النظر عن الانتماء الجغرافي والعرقي.

قبل ما يقرب من أربعين عاماً، بدأ الجنرال سليماني عمله في خنادق الحرب الإيرانية العراقية. تلك كانت الدراما التي شكلت الجمهورية الإسلامية، حيث كان معظم الإيرانيين يشيدون ببطولة مقاتليهم وقد أحسوا بأن بلدهم بات ضحية هجوم خارجي وأنه كان يتعرض للعزل والحصار. مازال الإيرانيون اليوم، ورغم أنهم سيتكبدون أيضاً أي تداعيات تنجم عن موته، يعانون حصارا اقتصادياً وتفرض عليهم العزلة وإن كانت شكلياً معطلة. ومازالت بلدهم تئن تحت وطأة العقوبات الأمريكية، التي شملت حرمانهم من الحصول على تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة وتسببت في شح الأدوية وارتفاع معدلات التضخم، الأمر الذي يبقى الأفق من أمامهم ضيقاً وينال من قدراتهم الكامنة. في هذه الأثناء، يجد الإيرانيون أنفسهم محشورين بين مطرقة نظام يشعر بشكل متزايد أنه لم يبق له ما يخسره وسندان الانتقام الشامل الذي تمارسه ضدهم الولايات المتحدة بلا هوادة، ولا عجب إذن أن تعيش إيران منذ عقود في حالة أشبه ما تكون باقتصاد الحرب.

أذكر حينما كنت طفلة، خلال سنوات الحرب مع العراق، أن أمي أخبرتني عن أقارب لنا داخل إيران تبرعوا بمجوهراتهم دعما للمجهود الحربي. هذه المرة، وفي مواجهة تغريدات الرئيس ترامب التي يهدد فيها بالهجوم على إيران وتدمير مواقع الإرث الحضاري فيها، لا أجدني بحاجة إلى إثارة موضوع الوحدة التي لا مفر من أن تتعزز في اليوم التالي. لقد اجتمعت الأمة لترثي فقيدها، ومازالت مجتمعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى