تتريك شمال سوريا.. إلى أين؟

يتصرف الرئيس التركي أردوغان مع المناطق السورية التي غزتها قواته خلال عمليات “درع الفرات، غصن الزيتون، نبع السلام” على أنها جزء من تركيا

دون أي اعتبار للقوانين والمواثيق والقرارات الدولية، ولعل آخر قراراته في هذا المجال كان المرسوم الرئاسي الذي أصدره قبل أيام، وقضى بإقامة كلية طب ومعهد عال للعلوم الصحية في بلدة الراعي شمال سوريا، يتبعان لجامعة إسطنبول، وهو مرسوم يأتي في إطار سلسلة مراسيم مماثلة، بشأن إقامة فروع لجامعات تركية في مدن إعزاز والباب وجرابلس وعفرين ورأس العين وغيرها من المدن السورية التي احتلتها تركيا خلال السنوات الماضية.

خطورة هذه الخطوات التركية أنها تأتي في إطار خطط متكاملة، وتهدف إلى تتريك مناطق شمال سوريا وشرقها وغربها؛ إذ إنه يجري على قدم وساق تغيير البنى التحتية في هذه المناطق، وإحلال بنى جديدة في المجالات المختلفة، فمن اللغة إلى العملة، مرورا بالهويات الشخصية والنقل والاتصالات والأسماء ومختلف النشاطات الأمنية.. باتت تركية، وتدار من قبل السلطات التركية وأجهزتها، حيث علم تركيا وصور أردوغان في كل مكان، والأخطر من كل هذا عملية التغيير الديمغرافي التي تستهدف بشكل أساسي أكراد سوريا، ولعل ما جرى في منطقة عفرين خير مثال؛ حيث انخفضت نسبة الأكراد فيها بشكل ملحوظ، وسط انتهاكات متواصلة من قبل الجماعات المسلحة التي جلبتها تركيا، تبدأ بالسيطرة على منازل المواطنين الأكراد وممتلكاتهم، ولا تنتهي بأعمال الخطف من أجل الفدية، فيما ينتظر قرابة ربع مليون عفريني نازح في مخيمات الشهباء بريف حلب للعودة إلى ديارهم، واللافت أن مجمل هذه النشاطات التركية تجري في ظل أمرين.

الأول: إن كل ما يقوم به أردوغان يغلفه بشعارات رنانة، في حين أن حقيقة ما يجري هو احتلال للأرض والفكر والهوية، وستكون له تداعيات كارثية في المستقبل على وحدة سوريا وأمنها وتعايشها الاجتماعي، وليس أدل على ذلك حديث فصائل المعارضة المرتبطة بتركيا، والمحللين السياسيين الأتراك، إنه لو جرى استفتاء شعبي على مصير هذه المناطق فإن الأهالي سيصوتون لإلحاقها بتركيا، على شكل دعاية خبيثة، وترويج نفسي للأجندة التركية، وربما محاولة لتكرار ما جرى لمنطقة لواء “إسكندرون” بعد استفتاء شكلي، لتعلن تركيا ضمها إليها في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي، وتغير اسمها إلى هاتاي، وهو السيناريو نفسه الذي تكرر في مناطق شمال قبرص، بعد الغزو التركي لها عام 1974.

واللافت أن كبار المسؤولين الأتراك لا يخفون مطامعهم تجاه مناطق شمال سوريا وشرقها؛ إذ دأب وزير الداخلية التركي سليمان صويلو على زيارة هذه المناطق، وإطلاق تصريحات تؤكد تبعيتها لتركيا، من زاوية القول إن سكان شمال سوريا والعراق يعيشون ضمن مناطق “الميثاق الملي”؛ حيث بات النفخ في الروح القومية التركية والعثمانية وسيلة للقادة الأتراك لزيادة شعبيتهم في الداخل، وللبقاء في السلطة، وهو ما أوجد نزعة قومية راديكالية تركية خطرة، باتت تهدد أمن دول المنطقة.

الثاني: على الرغم من أن كل ما يقوم به أردوغان في شمال سوريا وشرقها وغربها يشكل خرقا للقرارات الدولية، وميثاق الأمم المتحدة فإننا لا نجد ردودا بمستوى هذا الخرق، والخطر الذي يشكله، فالأمم المتحدة تبدو صامتة إزاء كل ما تقوم بها السلطات التركية والمجموعات المسلحة التابعة لها، من انتهاكات وجرائم، فيما الموقف العربي لا يرتقي إلى مستوى خطر الدور التركي، لا سيما في ظل استمرار تبني أنقرة جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعات الإخوان التي تحولت إلى أذرع لتركيا ضد بلدانها وشعوبها، فيما على المستوى الإقليمي فإن طهران وموسكو تفضلان مصالحهما الإقليمية مع أنقرة على ما تقوم بها الأخيرة من انتهاكات، بل إن الأدوار تبدو متبادلة بين هذه الأطراف في كيفية التعامل مع الأزمة السورية.

كذلك فإن مواقف الإدارة الأمريكية السابقة برئاسة دونالد ترامب بدت محايدة في تعاملها مع أردوغان في شمال شرق سوريا، لا سيما خلال عملية احتلال المنطقة الواقعة بين رأس العين وتل أبيض، وبغض النظر عن دوافع هذه الأطراف وحساباتها إلا أن أردوغان عرف كيف يستغل التناقضات الإقليمية والدولية لصالح أجنداته في شمال سوريا وشرقها؛ إذ إن قواته باتت تسيطر على هذه المناطق، وتتحكم بخيارات أهلها ومصيرهم من خلال المجموعات المسلحة، خاصة أنه تم ربط البنية التحتية في هذه المناطق بالداخل التركي.

في الواقع، تصريحات المسؤولين الأتراك بشأن الحرص على وحدة الأراضي السورية تتناقض مع ما تقوم بها السلطات التركية على أرض الواقع من خطوات عملية، وإحلال بنية جديدة محل الأصلية، واستمرار عمليات تغيير الهوية السورية، ديمغرافيا واجتماعيا وقوميا، والسؤال هنا.. إلى أين ستمضي تركيا في خطط تتريكها لشمال شرق سوريا؟

في ظل عدم توافر إجابة واضحة عن السؤال المطروح فإن عمليات تتريك هذه المناطق بلغت درجة خطرة تهدد مستقبلها، ولعل أردوغان يستفيد من غياب أي حل سياسي للأزمة السورية للمضي في أجندته، وهو ما يعني أهمية التسريع في إيجاد هذا الحل، حل ينقذ البلاد من حرب تقترب من الدخول إلى عقدها الثاني، حل يضع آلية واضحة لخروج جميع القوات الأجنبية من سوريا، كما نص عليه الاتفاق الأخير بشأن ليبيا، وفي مقدمة هذه القوى تركيا التي تحولت إلى قوة احتلال حقيقية للأرض، ومن دون ذلك فإن تتريك شمال شرق سوريا يبقى سؤالا يتعلق بالوجود والمصير والهوية، خلافا للشعارات الإنسانية والأخلاقية التي يرفعها أردوغان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى