تجربة الأسير المحرر علي الخالدي فى السجون الصهيونية

يواصل مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة في جامعة القدس نشر تجارب الأسرى، حيث ينشر بحلقة هذا الأسبوع تجربة الأسير المحرر علي الخالدي من مخيم البريج وسط قطاع غزة.

 

الأسير المحرر علي الخالدي سيرة نضالية

الأسير المحرر علي عبد القادر علي الخالدي مواليد الثامن من آب عام 1948ويسكن في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة والذي لجأت إليه أسرته من بلدة كرتيا قضاء الفالوجا إبان نكبة عام 1948، اعتقل لمرتين ليمضي 15 عاما في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وقد روى لمركز أبو جهاد تجربته النضالية . العدوان الصهيوني والاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني منذ العام 1948 مروراً بالعام 1967 ، خلق حالة كبيرة من العمل الفلسطيني الثوري والمقاوم، وفي هذه الأجواء تشكل لديّ حب الوطن والعمل الثوري، فانتميت لمجموعة عبد القادر أبو الفحم التابعة لقوات التحرير الشعبية، وتمت مطاردتي من قبل قوات الاحتلال 4 أشهر. وفي نهاية العام 1969 وأثناء تواجدي في البيت جاءت قوات كبيرة من الشرطة الإسرائيلية وقامت باعتقالي، أخذوني إلى مركز شرطة الاحتلال في مدينة دير البلح، ثم حولوني إلى سجن السرايا بمدينة غزة، أدخلوني في زنزانة صغيرة ،  جاء ضابط يدعى “دان” ومعه ضابط آخر وشرعوا بتوجيه أسئلة وتحقيق معي حول العمل الثوري والأسلحة، حيث قال لي الضابط: نحن نعرف عنك كل شي ، لكن نريد أن تُخبرنا عن صندوق الأسلحة، والقنابل التي بحوزتك، ضحكت للمحقق وقلت: أنا لا أملك أي أسلحة ولا قنابل، استمروا في التحقيق معي ، نقلوني للزنزانة مرة أخرى ومكثت فيها وحيداً ومعزولاً مدة شهر كامل، كانت الزنزانة عبارة عن مكان للكلاب بُنيت منذ أيام الاحتلال الانجليزي، كانوا يدخلون الطعام لي من أسفل باب الزنزانة، وبعد انقضاء شهر في الزنزانة نقلوني إلى المردوان وغرف السجن مدة شهرين وفي تلك الفترة لم يسمحوا لأهلي بزيارتي ولم أراهم مدة 3 أشهر، وفي ختام هذه المدة جاء قرار بالإفراج عني.

 

إصابتي واعتقالي

بعد خروجي من السجن بفترة انتميت لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، وتمت مطاردتي من جديد نتيجة أعمال ثورية، وفي 29/4/1971، حاصرت قوات الاحتلال البيت الذي كنت أتواجد به، وصار اشتباك مسلح، تعرضت خلاله لإصابة في كتفي ويدي بعشرات الرصاصات الأمر الذي أدى إلى حدوث نزيف حاد ، اقتحموا البيت ثم اعتقلوني، حملوني ورموني على وجهي في سيارة عسكرية وسط ضرب على ظهري بالبساطير، أنزلوني في سجن السرايا نحو التحقيق فوراً، صاروا يسألون عن العمليات الثورية كنت أتألم من الجروح ، لا أُجيب عليهم، زاد النزيف ثم نقلوني إلى مستشفى صرفند. في مستشفى صرفند بدأوا تنظيف الجروح واستخراج الرصاص، كلبشوا يدي ورجلي في سرير المستشفى مع وجود جنديان للحراسة ، كنت أشعر بإعياء ومعاناة شديدة حيث وجدوا تمزيق في اللحم و تهتك في عظام الكتف  نتيجة الإصابة، في اليوم التالي لبدء علاجي جاء ضابط إسرائيلي ومعه جندي ومجندة وأمام طبيب المستشفى شرعوا بالتحقيق معي من جديد، صاروا يسألون عن التنظيمات والسلاح قلت لهم لا أعرف شيء، كان المحققان يواصلان طرح الأسئلة والتضييق عليّ بالرغم من إصابتي، كانت المجندة تقوم بدور تمثيلي فتقول للمحققين: اتركوه.. حرام مصاب، كانت تحاول أن تُغريني وتدفعني للاعتراف، قلت لهم: أنا لا أعرف شيء، ولا أنتمي لأي تنظيم، فقالوا: كيف تمت إصابتك في الاشتباك؟ ولماذا ترتدي الكوفية وقت الاشتباك؟ قلت لهم: أنا مواطن عادي جاءت مجموعة فدائية اختطفتني وربطتني بالكوفية في البيت وحدث الاشتباك فأُصبت نتيجة هذا الحادث. استمر التحقيق معي في داخل المستشفى بشكل يومي لمدة 20 يوماً متتالية، كانوا يتبعون معي عدة أساليب في التحقيق بالرغم من إصابتي، ومن هذه الأساليب يمسكون يدي المصابة ويهزوها بقوة الأمر الذي يُحدث آلاماً حادة لا تحتمل،  وتنسكب دمائي على الأرض، كنت أصرخ بصوت عالي. حقيقة ما حدث معي من تعذيب بالرغم من إصابتي يُثبت مدى الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأسرى في السجون والأسرى الجرحى والمرضى على وجه التحديد، ويُظهر كيف يُمارس المحقق العنف والأساليب غير الآدمية مع الأسرى الجرحى في المستشفيات الإسرائيلية. بعد 20 يوماً من التحقيق والعلاج قاموا بإجراء عملية جراحية ووضعوا بلاتين في كتفي، بقيت في المستشفى عدة أيام مقيداً بالسرير، ومن صور الانتهاكات التي تعرضت لها  في المستشفى أيضاً أنني تعرضت للتهديد  بالقتل من جنود الاحتلال،  فاذكر في تلك الفترة جاء جندي إسرائيلي درزي ومعه مسدس وهدد بقتلي رداً على مقتل أخ له في غزة حسب قوله، فرديت عليه وقلت له: لماذا جاء أخوك لغزة؟ لقد جاء أخوك لغزة مع جنود الاحتلال الإسرائيلي كي يقتلوا أطفال وشباب وشيوخ فلسطين ، كما قلت له:” أنا مصاب الآن نتيجة رصاص جيشكم في غزة”. بعد أيام أعادوني إلى سجن السرايا بغزة، ووضعوني مع الأسرى الموقوفين بدون محاكمة لمدة 6 أشهر، طوال تلك المدة كانوا يسمحون للأسرى بالزيارة إلا أنا فقد منعوا أهلي من زيارتي. بعد 6 أشهر احضروا لي لائحة اتهام  بحقي حيث تنص اللائحة اتهامي بما يلي:  الانتماء لتنظيم حركة فتح الإرهابي وإلقاء قنابل على الجيش وقتل جندي وإصابة عدد آخر ” نفيت هذه التهم ، ثم شرعوا بمحاكمتي  في محكمة غزة بواقع 7 جلسات وآخر جلسة أصدروا بحقي حكماً بالسجن  المؤبد مدى الحياة. أخذوني من المحكمة على قسم الأسرى في سجن السرايا ثم حولوني إلى سجن بيت ليد  وكفار يونا مدة عامين ثم نقلوني إلى سجن السبع وبقيت فيه 13 عاماً ثم نقلوني إلى سجن المجدل إلى أن تم التحرر ضمن صفقة أحمد جبريل لتبادل الأسرى  عام 1985.

 

تجربتي في الكتابة والفن

عشت الكثير من المحطات وكان لي العديد من التجارب في السجون ، ففي سجن كفار يونا أخذت دورة تأهيل قيادة على يد الأسير عبد العزيز شاهين، كان محتوى الدورة تعريفنا بثورات العالم ، أسباب النجاح وأسباب الفشل، ما صفات قيادة الثورة الناجحة ، وما صفات قيادة الثورات الفاشلة، ما هي الخطوات العملية والمهنية لنجاح القائد على الصعيد الشعبي والفصائلي ، كيف تكون قائداً مؤثراً ؟، حقيقة كانت من الدورات المميزة ، كان الأخ أبو علي شاهين لديه قدرات قيادية وتثقيفية كنا نجعل المحاضرة جلسة نقاش وحوار بنّاء من أجل الاستفادة، حصلت أيضا على العديد من الدورات المتنوعة في عدة مجالات علمية وثقافية وسياسية. كنت بمجهود ذاتي أقرا أي كتاب احصل عليه، فقرات كتباً كثيرة في السياسة والاجتماع والتاريخ والأدب، وقرأت العديد من القصص والروايات والأشعار، وحقيقة السجن مدرسة في القراءة والتثقيف، صحيح أن السجن عذاب وألم لكنه مكان للتثقيف وصناعة الإنسان الواعي، كما أن تضييع الوقت في السجن يتم في القراءة وطلب المعرفة والعلم. نتيجة قراءتي الكثيرة صار لدي قدرات كتابية، فصرت أكتب مقالات في السياسة والفكر، كما اتجهت للكتابة الإبداعية فكتبت مسرحيات متنوعة وهادفة تحاكي واقعنا، وحرصت على تمثيل هذه المسرحيات، وبالفعل المسرحية التي أُود تمثيلها كنت اكتبها عدة نسخ وأوزعها  على عدد من الأسرى ونتفق على تمثيلها في غرفة السجن، كل أسير له دور معين ويتقمص شخصية معينة، كانت غرف سجن بئر السبع واسعة ، فتتسع بعض الغرف إلى 60 أسيراً،  كنا نرتب الغرفة بشكل معين ونقوم بالتمثيل بحضور الأسرى وهم يمثلون جمهور المشاهدين، وفي نهاية العروض المسرحية يدور نقاش فكري عن محتويات العرض المسرحي وأهدافه وعمل تقييم له من جانبي الشكل والمضمون. تدربت في السجن على كتابة الشعر والقصائد الوطنية، كنت اكتب أيضا بعض القصائد الخاصة بالفصائل واهديها لهم في ذكرى انطلاقاتهم، من الأشعار التي اذكرها.. قسماً برب العباد أنني سائراً على الدرب ثائر ..رغم آلامي وجروحي مؤمناً بالله ناصر.. اشتغلت أيضا في فن النحت، كنت انحت الصخور ، واعمل منها أشكالاً فنية مثل قنبلة، رصاصة، قبة الصخرة، خريطة فلسطين، أتذكر في سجن السبع كان هناك سجناء يهود من الجنائيين أذكر شاهدني أحد هؤلاء السجناء وأنا انحت قنبلة، فطلبها مني فأعطيته إياها، بعد يومين طلبوني للتحقيق فقال لي مدير السجن: كيف تعطي السجناء اليهود مجسمات قنابل وأشياء تحريضية، هل تريد تنظيمهم ، اتهموني بمحاولة تعليم السجناء اليهود العمل الثوري والعنف، وعلى إثر ذلك وضعوني في زنزانة مدة 3 أيام وقد علم الأسرى بما حدث لي فاضرب السجن وارجعوا وجبات طعام. من تجاربي في السجن تصميم البراويز ذات الأشكال الفنية، وفي إحدى المرات صممت بروازاً، ثم كتبت رسالة على قطعة قماش موجهة للقائد أبو عمار وخبئت الرسالة داخل البرواز، وأثناء الزيارات هرّبت البرواز  وطلبت إرساله للقائد أبو عمار، وبالفعل وصل البرواز ووصلت الرسالة للقائد أبو عمار حيث نقلت في الرسالة تحيات الأسرى وشرحت له واقعنا في السجن. في العام 1980 دخل لي في السجن بشكل سري أثناء الزيارات قلم صغير به كاميرا ،كان هذا القلم  من القائد أبو جهاد خليل الوزير ، حيث طلب مني صور من داخل سجن بئر السبع، وبالفعل التقطت عشرات الصور وتم إرجاع القلم لأبو جهاد الذي حصل على الصور وبعث برسالة شكر لي في السجن على هذه الصور وهذا الإنجاز. في سجن بئر السبع حاولت الهروب ، فاشتريت منشارة حديد من أحد السجناء اليهود وقمت بقص حديد الشباك ، وفي ليلة تنفيذ الهروب ، قاموا بنقلنا إلى قسم آخر فيبدوا أنهم اكتشفوا الموضوع، فلو نجحت العملية لهرب عدد كبير من الأسرى في تلك العملية. في السجن تعرضت للإهمال الطبي خاصة مع آثار الإصابة التي تعرضت لها، كنت عندما أطلب علاج يعطوني فقط المسكنات، يدي اليمنى مصابة بإعاقة شبه تامة حتى يومنا هذا. في سجن السبع عملت مسئول أمني لمدة 3 سنوات، أيضا استلمت مهمة أمانة الصندوق كنا نتبع العدالة في توزيع المستحقات المالية ، كنا نهتم بالأسرى اللذين لا يوجد لهم أهل هنا في فلسطين مثل أسرى الدول العربية أو الأجنبية.

 

العصفور

من القصص الطريفة في سجن بئر السبع أنني قمت بتربية عصفور صغير إلى أن كَبُر، كنت أطعمه واسقيه ، حقيقة كان عصفوراً غريباً، ذا صوت مميز ، كنت عندما أُصفّر عليه يحضر فوراً، ويقف على كتفي، كان الجميع مندهشاً من هذا العصفور ، وفي يوم من الأيام هجم هذا العصفور على شرطي إسرائيلي ونقره في عينه،  على إثر ذلك جاءت شرطة السجن تريد العصفور، قلت لهم إن العصفور طائر في الخارج فطلبوا أن أُصفّر وأُنادي عليه حتى يحضر فرفضت، ثم جاء مدير السجن ووجه لي تهمة، وهي: أنني قمت بتربية عصفور في السجن وعلّمته أن ينقر أي شخص يلبس ملابس ذات اللون الزيتي، أي ملابس الجيش،  كما اتهموا العصفور بأنه وسيلة لنقل رسائل من سجن لسجن فرفضت هذه التهم. عاد مدير السجن مرة أخرى وقال إنه يريد العصفور مقابل أن يعطيني عصافير كناري بدلاً منه فرفضت، كنت أُخبيء العصفور في كرتونة وأحرص على تخبئته عن أعين الجنود والشرطة ،  ومرت الأيام، وفي إحدى الليالي اقتحم الجنود السجن وأطلقوا الغاز ووصلوا لغرفتي وعلى الفور أخذوا العصفور وغادروا فقمت بالصراخ على مدير السجن وقلت : أنتم لستم رجال لأنكم تقتحمون السجن وتضربون الغاز من أجل عصفور.. في النهاية أقول السجن مراحل وصور وتجارب حياتية متنوعة، فيه الألم والمعاناة والعذاب، وفيه الصمود والصبر والوحدة والترابط، السجن هو مرحلة حياتية يعيشها الشعب الفلسطيني في إطار النضال والكفاح الفلسطيني نحو تحقيق الأهداف الفلسطينية، كل التحية للأسرى المحررين ، كل التحية للأسرى في السجون ونتمنى لهم التحرر والحرية في القريب العاجل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى