تحت ظلِّ البندقية
كتبها مهند طلال الاخرس

كنا صغارا ننشد الرجولة حين زارنا ياسر عرفات في معسكر الاشبال في مخيم البقعة، عادت وتكررت الزيارات، كان معسكر البقعة وقاعدة الرميمين والمصطبة والرمان وسيل جرش حتى قواعد الاحراش قد اصبحت محطات دائمة لزيارات ابي عمار التي لا تنتهي.

ذات مرة حضر الينا ابي عمار وحضرنا بحضوره تمرينا عسكريا بالذخيرة الحية، لم يكن اي من الفدائيين حينها في المعسكر، لم يكن إلا نحن، ونحن كنا كثرة، كثرة كبيرة، ليس بيننا اي بندقية، كثرة تملأ المعسكر وتتحدث وتتسائل وتترقب، كثرة تحلم ببكرة وتنتظر الفرج، مِن مَن، لا تعلم، من السماء، ام من صورتها التي تتلثم بالكوفية، لا تعلم، المهم انها تنتظر ولا تيأس، هذه الجماهير القادمة من ظل الخيمة اصبحت تؤمن ان بكرة لن يأتي إلا تحت ظل البندقية.

ذلك التمرين كان اكثر شيء رأيناه يشبه الحقيقة، كان غاية في الروعة، لاول مرة في حياتنا كنا نرى جيشا يقاتل لنا، كان التمرين مشهدا حيا لعملية فدائية ضخمة؛ تتمكن المجموعة من تنفيذ المهام الموكولة لها بنجاح، وفي طريق عودتهم ينجحون بعبور النهر وتلاحقهم قوات العدو، وفي هذه الاثناء، تصل المجموعة المنفذة الى اول ام الدنانير، وتهبط الاخرى من جبل الرز في الحنو وكذلك تفعل الثالثة وتهبط من جبل ام جوزة.

كانت تلك المجوعات قد بدأت بالظهور حين بدأ الجميع بالتصفيق والهتاف، استمرت المجموعات بالنزول من الجبل، وبدأت اول طلائعها تحط اقدامها في ارض المعسكر، تقدم ابي عمار من ذلك الملثم الذي يتمنطق خلف رشاش الدوشكا طالبا منه الرماية وتغطية المنسحبين، وبدأ الرصاص يتساقط على الجبل، ومعه عاد الصراخ والتصفيق، كان ابو عمار يشير الينا بشارة النصر حين انطلقت الزغاريد. 

لم نكن نعرف من هو في حينها؛ لكنه كان يحمل البندقية ويبتسم ويبشر بالنصر، وهذه الثلاثة متى اجتمعت في احد، كتبت له ناصية القيادة والحب معا، كان من الصعب ان تجد من يحوزها معا…كان ياسر عرفات لا يحوزها فقط، كان هو من صنعها واصبح احد رموزها وهذا هو الاهم.

كانت ذروة الحدث عندما وصل كل من في المخيم للمعسكر، لم يبقى في المخيم إلا ظلِّه.

كان الوقت قد دب فيه الغروب واخذت خيوط الشمس تسدل استارها ايذانا بالمغيب، كان هناك ستار يرفع من جديد في ارض المعسكر، عاد ابو عمار واعطى اشارات شتى، لم نفهم منها شيئا، لكننا بدأنا نعي انه حارس احلامنا.

كنا نرد على اشاراته بالتحية والتصفيق، كانت النسوة ترد بالزغاريد، بدأ الوضع على ارض المعسكر يختلف، كانت هناك حركة وجلجلة والواح من الزينكو واغصان من الاشجار تتحرك من مكانها ليظهر تحتها خندق، وليضع كل من هو حول الخندق يديه على اذنيه، وفجاة وبدون سابق انذار انطلقت صواريخ الكاتيوشا من ارض المعسكر باتجاه الجبل، اصبح الجبل منارة كبيرة، تشعرنا بالدفء حتى ونحن في المعسكر، كان دفء الجسد بالنسبة لدينا مهما، لكن الاهم اننا نهضنا من العدم.

كانت الرسالة التي تأخذ طريقها للقلوب بسيطة وواضحة، هذا هو الحل…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق