تحت ظلِّ الخيمة
بقلم: مهند طلال الاخرس

عند مدخل المخيم الرئيسي وهو ما نسميه تاريخيا مدخل الطبراني، تصطف الخيام بشكل متلاصق ومتشابه وذات هوية واحدة، واقارب وجيران متآخين متحابين، يعرف كل منهم ما يحدث في خيمة الآخر، من آخر المواليد الى آخر الحكايات، وما بينهما من تفاصيل وخبايا كثيرة؛ فلا سر ليذاع في المخيم، فبفعل النكبة واللجوء، كان اول ما افتقده اللاجيء الفلسطيني بعد الوطن هو الخصوصية، فبعد مهلة قصيرة من فقدان الوطن، فقد الذات والخصوصية وكل ما ارتبط فيها من قيم وعادات، فنشأت عادات جديدة وغابت اخرى.

الرجال يطوفون بالشوارع بحثا عن الامل، والنساء تكنس ما تبقى من ذكريات تحت ظل الخيمة، والاطفال يصحون قبل طليعة الشمس يلبسون ما تيسر وكذلك يأكلون، يبحثون عن بكرة، يسألون كبارهم واخيارهم، اين هو بكرة الذي لا يأتي، لقد ادمنوا السؤال وملوا من الاجابة.

كان سؤالهم هذا دائم التكرار، وكانت الاجابة والاطلالة والوجوه والناس هي نفسها مع طلعة كل صباح، وحده الامل لم يكن يفارق وجوه الناس. مع الايام تبين لنا ان الجميع كان يبحث عن بكرة، لم نكن لوحدنا الذين يطرحون ذلك السؤال، كان الجميع مثلنا واكثر، لكن بعض هذا الجميع كان يعرف ان هناك بكرة، لكنه كان ينتظر، والبعض كان لا يريد لبكرة ان يأتي، كان هذا البعض قد اغمض عينيه على ما رأى من فلسطين، خاف ان تسلب منه هذه الرؤية او ان يأخذ منه كل هذا الحب.

كان لا يستعجل الغد ولا يحب ان يسميه بكرة، كان دائما يقول، بعد ما طلعنا من فلسطين مفيش بكرة مفيش زفت، احنا انتكبنا واللي صار صار، احنا تبعين الخيم، احنا اولاد مخيمات، عارفين شو يعني ولاد مخيمات، عارفين شو يعني، ولا لسا مفهمتوش…

هذا البعض كان محبا لفلسطين حد الجنون، هذا البعض، راهن على حبه واكتفى، الى ان جائته العاصفة بأمل جديد، هذا البعض منحته العاصفة املا في بكرة الذي طال انتظاره، هذا البعض ظن للحظة ان بكرة سقط من حسبة السنين، هذا البعض ادرك سريعا بأن خطواته بدأت تسير باتجاه فلسطين، هذا البعض اصبح يدرب رجليه على المسير صباحا نحو الغرب وكذلك روحه، هذا البعض ادرك مسبقا ان الروح هناك في الغرب وكذلك العيون، هذا البعض اعترض سريعا على انشاء المقبرة في الجهة الغربية عند منطقة المضمار والاقمار وكرم الزيتون، كانت القرى المحيطة بالمخيم قد بدأت تنزعج من الدفن في مقابرها، مما استدعت الحاجة لتأسيس مقبرة في المخيم.

كان لدينا اعتقاد بأننا لن نكون هنا، كانت اول المتوفيات ام هشام العجوري، دفنت في ام الدنانير، لم تكن تلك الحاجة الفاضلة تتوقع الموت هنا، كانت توصي ابنائها بذلك، حتى انها لم تكن لتقبل ان تمرض هنا، حتى انها اوصتهم بعدم اخذها الى مستشفى السلط ، كانت تتوسل وتترجى ابنها البكر بذلك، كانت تقول وتردد دائما لم نأتي الى هنا لنموت هكذا، وماتت.. من بعدها تأسست مقبرة المخيم.

كان النبهون والعارفون ببواطن الامور بالمخيم لا يريدون للمقبرة ان تكون بالمنطقة الغربية خلف الشارع الرئيسي، كانوا يقولون من مات فاليدفن في المنطقة الشرقية لا الغربية، كلمة واحدة قالها اصحاب الشأن ولم يستطع احد ان يردها عليهم، حتى انهم لم ينتظروا الاجابة، كانت الثورة قد بدأ يشتد عودها ويقوى ساعدها.

كان هذا البعض من اصحاب الشأن على علم بتفاصيل بكرة الذي طال انتظاره، كان الهمس المتداول في زقاق المخيم ان هذه المنطقة الغربية اصبحت معسكرا للفدائيين ونقطة جذب واستقطاب لكل الطامحين ببكرة.

وبعد ان جائت الثورة وجاء معها بكرة اشتد العود اصبحت المنطقة الغربية تعج وتزخر بكل الطامحين ببكرة…اصبح هذا المكان قاعدة للثورة…

جاء بكرة وحمل معه الكثير من احلامنا وآمالنا، كان للتنظيمات والفصائل الكثير من الفضائل بحملها لأجمل الايام التي شوقتنا لبكرة، الكثير من هذه الفصائل والتنظيمات احسن استغلال تلك الايام في انتظار بكرة، وبعضها اساء، والبعض كان مدسوسا من طرف كل من سائهم بكرة.

انتشرت المعسكرات والتدريبات وتوسعت الفصائل وامتدت، ورغم ذلك تأخر بكرة، كان المطلعين على بواطن الامور يدربون ويجتهدون ويبثون الامل ويحثون على الالتزام والانضباط، كان الجميع قد اصبح على يقين ان فلسطين ليست بعيدة، ولكنها ليست قريبة؛ انها مسافة الثورة.

كان مدخل المخيم الرئيسي عنوانا للمخيم بكل تفاصيله، فمنه تمر الاقدام والاعلام والاحلام والآمال وبعض الضيوف والكثير من الزوار، كان زائرنا المفضل اذاعة صوت العاصفة، تلك الاذاعة التي يحملها الفدائيون على اكتافهم ويجوبون بها الحواري، ولاحقا اصبحت تحمل على ظهر سيارة الجيب العسكري التابع للكفاح المسلح.

كانت الاذاعة تصدح بتلك الاغاني التي تلهب الاحاسيس وتؤجج المشاعر، كانت تلك الاغاني كفيلة بتنظيم اي شخص وتأطيره، وان يصبح جاهزا لاي عملية فدائية او دورية عسكرية، كانت تلك الاغاني بيانا ثوريا وبُنياناً وطنيا لا تكل منه ولا تمل، كانت تلك الاغاني ما ان تنطلق حتى نتسابق للحاق بذلك الجيب الذي يحملها، كنا نستمر بالجري خلفه علّه يأخذنا الى فلسطين.

كنا صغارا وحالمين، كنا على اعتقاد في جانب وعلى يقين في آخر، كنا نعتقد ان هذا الجيب وحده الذي تدور عجلاته الى بكرة وتسير باتجاه فلسطين، وكنا على يقين ان بقية الجيبات والمدرعات جائت لتدور عجلاتها على اجسادنا بدعوى انها اخطأت الطريق لفلسطين.

حدث ذات مرة ان جاء بكرة الينا محملا باجمل الصور، فقد جائتنا فتح كسنبلة نابتة في زمن القحط وكوردة طالعة في صحراء ملح، كيف جائتنا لا نعرف، لكننا عرفنا جيدا كيف نمسك في طرف الخيط.

المهم اننا أمسكنا بطرف الخيط وبقينا نركض خلف ذلك الجيب حتى وجدنا انفسنا نقف في نفس ذلك المكان الذي توقف فيه الجيب، توقفت الاذاعة وترجل روادها، فتوقفت خطواتنا وكذلك بعض قلوبنا، نظرنا حولنا وجدنا انفسنا قد ابتعدنا عن المخيم، فجأة وجدنا علم يرتفع على سارية خشبية وحوله فتية بأعمارنا يمارسون بعضا من التمارين الرياضية واخرون اكبر قليلا، تارة يقفزون عن عجال الكاوتشوك المحترقة وتارة يزحفون من تحت الاسلاك الشائكة وتارة يختبئون في الخندق… وفتية اخرون كانوا يتسلقون حبلا متدليا من سارية، وبعدها يسيرون على حبل آخر مربوط من سارية لأخرى، وقد ثبتت كلتا الساريتين ببرميلين كبيرين اعتدنا رؤية مثلهما في المؤن، كان البرميلين قد وضعت فيهما احجار كبيرة لتثبيتهما، كان هناك اخرون اكبر سنا منا واكثر انضباطا يدرسون ويتناقشون، وبعد انتهاء حلقاتهم ونقاشاتهم، كانوا يوزعون بعض ما لديهم من معلبات وخبز واغطية على المحتاجين والراغبين، طبعا لم يكن احد من الراغبين، كنا جميعا من المحتاجين، كنا محتاجين لكل شيء، لم نكن اصلا نملك اي شيء، كانت النكبة قد اخذت منا كل شيء، لم تبقي لنا إلا بعضا من الذكريات وكثيرا من الاسى.

كان منظر هؤلاء الشباب والفتية في المعسكر وهم يتلثمون بالكوفية ويتدربون على البندقية منظرا بديعا لم نألفه من قبل، لكنا كنا قد سمعنا عنه بعض الهمس تحت ظل الخيمة وعرفنا عنه اشياء اخرى تحت ظل القمر.

شعرنا ان بكرة في هذا المكان اقرب الينا من غيره، لأول مرة منذ النكبة نشعر بان بكرة اقرب الينا من حبل الوريد وبأنه قد يأتي سريعا، حتى ان البعض منا بقي في المعسكر، لم يعد للبيت، جلس ينتظر بكرة في المعسكر، بقي ينتظره قائلا: سأبقى هنا، وسأنتظره، وسأمسك به مع اول خيوط الشمس.

كان في المعسكر وجوه كثيرة تتشابه، وتشترك مع بعضها في الكثير، كان في المعسكر اساتذة ومواطنون مدنيون وعسكريون، كان محمد لطفي جرادات ابو لطفي كبير المدربين، وكان طالب المولد “الكوع” احد هؤلاء المدربين واشهرهم، كان طالب اهم من في المعسكر واطولهم كذلك، كان ضعيف البنية قوي العزيمة، يتواجد هو وابو لطفي في محل المواسير صباحا وهو المحل الذي يعملان فيه عند زاوية السوق مقابل عمارة سليمان العجوري، وسرعان ما يلتحق الاثنان بالمعسكر عند انتهاء اعمالهما، وفي احيان كثيرة كانوا لا ينهون اي من هذه الاعمال، لكنهم كانوا يلتحقون سريعا بمعسكر الثورة. كان طالب بالذات لا يكل ولا يمل، كان وكأنه من موجودات المعسكر مثل العلم الذي يرتفع على السارية، كان لا يغيب ابدا، حاله كحال العلم.

في هذا المعسكر كان ابو لطفي جرادات وطالب الكوع محمد الاسمر النتيفي وفتحي الاسمر الدجاني وابو محمد التركماني وشداد واسحق الدقس و…. كانوا جميعهم قد احسنوا التمترس والوقوف الى جانب ابو عمار حين حضر لتخريج دورة للاشبال واخرى للفدائيين عام 1969، كان هؤلاء لهم سبق المعرفة والتنبؤ بما سيكون عليه الرجل في قادم الايام، كانوا جميعا يعرفون بأنه حارس احلامنا المنتظر.

كان ابو عمار يصافح الخريجين ويطلب منهم مصافحة من حوله، كان حوله صلاح خلف وصلاح التعمري وابو علي اياد…واخرون، كان الاخرون يومها اصحاب شان عظيم، كانوا قد عرفوا قبل غيرهم الطريق لفلسطين.

كان ذلك اليوم اسعد ايام المخيم واجملها. كان ياسر عرفات وصحبه اجمل من زارنا في المخيم طيلة سنوات، لم نكن نعرف انه سيكون ايضا اجمل شيء في حياتنا حتى الممات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق