تحذيرات صينية وروسية لمصر من عمل عدائي ضد إثيوبيا

عادت أزمة سد النهضة لتتصدر المشهد مجدداً بعد فترة من السكون، جراء توقف المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا، وذلك بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال حديثه هاتفياً مع رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، والتي قال خلالها إن أزمة السد قد تنتهي بإقدام القاهرة على تدميره.

وفي هذا الإطار، قالت مصادر، إن القاهرة سعت خلال فترة توقف المفاوضات أخيراً لانتزاع دعم القوى الدولية الكبرى، وفي مقدمتها روسيا والصين، لمقترحاتها ومطالبها الخاصة بحصتها من المياه، وإلزامية الاتفاق، وقواعد ملء وتشغيل السد، في ظل تعثر الموقف والرفض الإثيوبي للتعاطي مع الرؤى المصرية السودانية.

وكشفت المصادر أن كلا من موسكو وبكين أبلغتا القاهرة رفضهما الشديد لأي أعمال عدائية ضد أديس أبابا، تحت أي ظرف، مؤكدتين أن على مصر بذل جهد أكبر مع إثيوبيا بدلاً من تصعيد الصراع في تلك المنطقة.

وأضافت أن الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا، والذي يتبنى موقفاً داعماً لإثيوبيا، حذر مصر أيضاً من الإقدام على أي عمل عدائي، أو تصعيد الأزمة بعيداً عن المسارات التفاوضية والحلول السياسية، وذلك بعد إطْلاع إثيوبيا على ما أسمته تهديدات مصرية.

وأضافت أن الرئيس الجنوب أفريقي أكد أن “طرد” مصر من الاتحاد الأفريقي سيكون أول إجراء يتم اتخاذه ضدها وقتها، وهو الإجراء الذي من شأنه تشجيع القوى الدولية على إجراءات عقابية ضد القاهرة.

وأشارت المصادر إلى أن القرار الإثيوبي الأخير بحظر الطيران فوق موقع سد النهضة، جاء بعد وصول “تهديدات” مصرية إلى أديس أبابا عبر حليفيها الإسرائيلي والإماراتي، لافتة إلى أن هناك أزمة تواجهها القاهرة في ظل التقارب السوداني الإسرائيلي، وإعلان قرار التطبيع بين البلدين، قائلة إن هذا الإجراء من شأنه مأسسة التواجد الإسرائيلي في هذه المنطقة، وتصاعد حرب المياه.

كما كشفت المصادر أن القاهرة تواصلت مع عدد من الشركات الأجنبية العاملة في بناء وتشغيل السد، لإغرائها بامتيازات واسعة للاستثمار المدعم في مصر بتسهيلات كبيرة، مقابل التعاطي مع مطالبات مصرية لإبطاء العمل وتعطيل العمل في السد، من أجل الضغط على إثيوبيا، للوصول إلى اتفاق مُرضٍ للقاهرة.

وأكدت المصادر أن الموقف المصري ازداد تراجعاً خلال الفترة القريبة الماضية، لا سيما بعدما تمكنت إثيوبيا من انتزاع دعم كل من إريتريا وجنوب السودان، وقطع الطريق على مصر في هذا الإطار.

في السياق ذاته، كشفت المصادر عن تصاعد القلق المصري جراء اتصالات إثيوبية مكثفة مع حملة المرشح الديمقراطي للانتخابات الرئاسية الأميركية جو بايدن، قائلة “إن القاهرة بدأت في إعداد وتجهيز خطط جديدة في التعامل مع بايدن في حال فوزه بالسباق الانتخابي”.

ولفتت إلى أن حملة بايدن تتعامل مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على أنه قائد تحرر أفريقي جديد، يمكن التعامل معه على إرساء تجربة ديمقراطية في القارة السمراء.

وفي هذا السياق، قالت مصادر مصرية، إن تصريحات الرئيس الأميركي، جاءت بعد طلب النظام في مصر، نقل هذه “التهديدات الكلامية” لترامب، عن طريق الحليفين الإسرائيلي والإماراتي. وانتقد ترامب إثيوبيا على خلفية بنائها سد النهضة الذي قد تعمد مصر “إلى تفجيره” حسب قوله.

وقال ترامب، خلال اتصال هاتفي مع رئيسي الحكومة السوداني والإسرائيلي، “إنه وضع خطر جداً، لأن مصر لن تكون قادرة على العيش بهذه الطريقة”. وأضاف “سينتهي بهم الأمر إلى تفجير السد. قالوها ويقولونها بصوت عالٍ وواضح: سيفجرون هذا السد… وعليهم أن يفعلوا شيئاً”. وتابع “كان ينبغي عليهم إيقافه قبل وقت طويل من بدايته”، مبدياً أسفه لأن مصر كانت تشهد اضطراباً داخلياً عندما بدأ مشروع سد النهضة الإثيوبي عام 2011. وقال “لقد أعددت لهم اتفاقاً، لكن إثيوبيا انتهكته للأسف، وما كان ينبغي عليها فعل ذلك. كان هذا خطأ كبيراً”.

وكانت مصادر مصرية خاصة قد أكّدت، استحالة الخيار العسكري المباشر في الوقت الراهن، وذلك لأسباب عدة، أهمها عدم تأثير القاذفات التقليدية من طرازات مثل “أف 16″ الأميركية، و”رافال” الفرنسية، في الإنشاءات الحالية للسدّ، وذلك في حال التوصل لتفاهمات مع دول جوار بشأن تنفيذ الضربة.

وتابعت المصادر، بخلاف ذلك، هناك نوعان فقط من القاذفات الجوية القادرة على تنفيذ هجمات من شأنها إحداث عيوب أو تلفيات تعطّل تشغيل السدّ، إذ يمكنها حمْل كميات ضخمة من القنابل والطيران لمسافات طويلة، وهما “بي 52” الأميركية، وطرازا “توبوليف 95 و160” الروسيان. وأضافت المصادر “للأسف لا يملك هذا الطراز، (في إشارة إلى بي 52)، سوى الاحتلال الإسرائيلي الذي حصل عليه من الولايات المتحدة”، لافتة إلى أنّ السيناريو البديل للتدخل العسكري المباشر، هو تنفيذ عمل تخريبي من داخل السدّ، وهذا سيناريو مستحيل تماماً.

وتمتلك قاذفات “بي 52” القدرة على حمل قنابل تزن 35 ألف كيلوغرام، وتعدّ من الأسلحة التي تنتمي إلى عصر الحرب الباردة، إذ ترمز إلى القوة الأميركية في مجال سلاح الجو، بفضل حمولتها الكبيرة من القنابل والذخائر. ونفذت قاذفات “بي 52″ ما يعرف بـ”القصف البساطي” خلال حرب فيتنام، وكذلك حرب الكويت عام 1991.

وكانت تطير أحياناً من الولايات المتحدة وتقصف أهدافاً في العراق، ثمّ تهبط في قاعدة “دييغو غارسيا” الأميركية في المحيط الهندي. كما استخدمت بكثافة أثناء الغزو الأميركي لأفغانستان عام 2001، ولجأت إليها القوات الأميركية في قتالها ضدّ تنظيم “داعش” في سورية أخيراً. فيما تبلغ الحمولة الكلية لقاذفات “توبوليف 160” الروسية 40 ألف كيلوغرام من المتفجرات.

من جانبها، شددت الحكومة الإثيوبية على رفضها التام لأي تهديدات موجهة إليها بشأن سد النهضة، واصفة إياها بأنها أسلوب خاطئ وغير قانوني. وأشار مكتب آبي أحمد، في بيان صحافي، إلى أن حكومة أديس أبابا أظهرت غير مرة “التزامها الثابت بالتعاون حول النيل، بناء على أساس الثقة المتبادلة ومبادئ الاستعمال العادل والمعقول للنهر”، لافتًا إلى أن المفاوضات بين إثيوبيا وجيرانها بشأن السد شهدت تقدماً ملموساً منذ تولي الاتحاد الأفريقي الإشراف على الموضوع.

وتابع البيان: “على الرغم من ذلك، تأتي من حين إلى آخر تصريحات تضم تهديدات عدوانية بهدف إجبار إثيوبيا على قبول شروط غير عادلة. إن هذه التهديدات ومحاولات التعدي على سيادة إثيوبيا خاطئة وغير بناءة، وتمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي”. وشدد على أن إثيوبيا “لن ترضخ لأي عدوان، ولن تعترف بأي حق يعتمد على اتفاقيات استعمارية”.

من جانبه، قال المفوض الأعلى للشؤون الخارجية والأمن بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، في بيان، إن أكثر من 250 ألف شخص يقيمون في حوض النيل الأزرق قد يستفيدون من اتفاق محتمل يعتمد على توافق بشأن ملء سد النهضة.

وأوضح بوريل أنه “بات بإمكان مصر والسودان وإثيوبيا بلوغ اتفاق بشأن ملء السد، والآن هو وقت للتصرف وليس لزيادة التوترات”. وأعرب عن الدعم الأوروبي الكامل لجهود جمهورية جنوب أفريقيا التي تترأس حالياً الاتحاد الأفريقي لدفع الأطراف إلى حل تفاوضي، مضيفاً أن الاتحاد الأوروبي يتطلع إلى استئناف محادثات سد النهضة في أسرع وقت وإتمامها بنجاح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى