تخلى العرب عن أفريقيا فتخلت عنهم لإسرائيل
بقلم: سامي سرحان

في كل عام تصوت الجمعية العامة للأمم المتحدة على حزمة قرارات لصالح القضية الفلسطينية بأغلبية كاسحة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنكر أن هذه الأغلبية الكاسحة والأوتوماتيكية مردها اليوم أن 54 دولة أفريقية التي هي أعضاء منظمة الوحدة الأفريقية سابقا وأعضاء الاتحاد الأفريقي اليوم هي وراء هذه الأغلبية بدرجة كبيرة إلى جانب دول حركة عدم الانحياز ودول منظمة المؤتمر الإسلامي ودول المعسكر الاشتراكي فيما مضى ودول أمريكا اللاتينية وما يسمى دول مجموعة الـ 77 + الصين التي ترأستها فلسطين  قبل عامين أو أكثر قليلا، وهذه الأغلبية المرعبة في الجمعية العامة كانت بعد عام واحد من خطاب أبو عمار في الأمم المتحدة كانت وراء اتخاذ الجمعية العامة قرارها التاريخي بالأغلبية الذي يعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية وقد أفقد هذا القرار إسرائيل وحلفائها رشدهم وكانوا يخشون أن تشهد الأعوام اللاحقة طرد إسرائيل من الأمم المتحدة لولا الضغوط الأمريكية الهائلة التي مارستها الولايات المتحدة الأمريكية على الدول الأعضاء وجمدت دفع حصتها المالية المهمة للأمم المتحدة وقد ظلت هذه الأغلبية المريحة في الأمم المتحدة لصالح حقوق الشعب الفلسطيني قوة ضاغطة على إسرائيل وأمريكا حتى يحقق الشعب الفلسطيني حريته واستقلاله ويقيم دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

وعندما تسللت إسرائيل إلى الاتحاد الأفريقي مجددا كعضو مراقب تنتابنا المخاوف من أن إسرائيل أول ما تفكر به هو ضرب الإجماع الأفريقي على مساندة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني  المتمثل في التصويت “الأوتوماتيكي” لصالح القضية الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وهو ما اعتبره بنيامين نتنياهو في خطابه الوداعي عندما خسر رئاسة الحكومة خطرا وجوديا على دولة إسرائيل كما هو الحظر النووي الإيراني ولم تأت هذه الأغلبية والتأييد الأفريقي للقضية الفلسطينية من فراغ وإنما جاءت نتيجة دبلوماسية نشطة لمنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة الرئيس أبو عمار الذي لم يهدأ يوما وكان حركة دائمة من أقصى شمال الكرة الأرضية إلى أقصى جنوبها في جنوب أفريقيا ومن نيبال إلى نيكاراغوا إلى المالديف.

حافظت هذه الحركة وما تلاها من حركة دبلوماسية للقيادة الفلسطينية إلى حد بعيد على علاقات قوية مع دول القارة الأفريقية وحركة عدم الانحياز والاتحاد الأفريقي والتي بدأت بالخفوت نتيجة الضغوط الأمريكية والمصالح المتنامية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة والدول الأفريقية التي باتت تطغى على المبادئ في السياسة الدولية.

وثمة عدة عوامل أثرت في قرار الاتحاد الأفريقي بمنح إسرائيل صفة عضو مراقب في الاتحاد الأفريقي بعد أن طردتها من منظمة الوحدة الأفريقية وقطعت معظم دول القارة علاقاتها الدبلوماسية معها ولعل تواطؤ إثيوبيا في تحرير هذا القرار هو أبرز العوامل، ويكشف تصريح للمسؤولين الجزائريين حقيقة تورط أديس أبابا مقر الاتحاد الأفريقي في عملية غير شرعية أقدمت عليها إثيوبيا في اتخاذ قرار منح إسرائيل عضوية دولة مراقبة في الاتحاد الأفريقي دون مشاورات مستفيضة مع دول أفريقية عديدة وكأنها تقول إن القرار غير شرعي واتخذ في غفلة من معظم الدول الأفريقية لخدمة مصالح إثيوبية خالصة لارتباطات إثيوبيا بإسرائيل وخشيتها من تداعيات سد النهضة مع كل من مصر والسودان.

وإذا كان الدور الإثيوبي ظاهرا في قرار منح إسرائيل صفة دولة مراقب في الاتحاد الأفريقي فإن معظم الدول الأفريقية منشغلة بمشاكلها كمالي مثلا التي شهدت انقلابين عسكريين في فترة وجيزة كما شهدت تشاد انقلابا ومقتل رئيسها وكذلك النيجر ونيجيريا والصومال وكينيا وجنوب السودان، أما جنوب أفريقيا الدولة الصديق للشعب الفلسطيني التي تحررت من نظام التمييز العنصري وصاحبة الوزن السياسي والاقتصادي في القارة الأفريقية والتأثير على قرارات الاتحاد الأفريقي فيبدو أنها لم تعد تولي المبادئ التي آمن بها نيلسون مانديلا كثيرا من الأهمية وباتت تبحث عن مصالحها.

لقد كانت منظمة الوحدة الأفريقية وفيما بعد الاتحاد الأفريقي سندا قويا للقضية الفلسطينية والقضايا العربية في المحافل الدولية، وكان نيلسون مانديلا صديقا مخلصا للشعب الفلسطيني وكان وهو في سجنه يتلقى التقارير عن العلاقات الوطيدة بين ياسر عرفات والمؤتمر الوطني الأفريقي، وحين تحررت جنوب أفريقيا من حكم التمييز العنصري المتحالف مع الكيان العنصري الإسرائيلي كان ياسر عرفات ضيف الشرف في احتفالات الاستقلال وقيام الحكم الديمقراطي وكان أول قرار اتخذه مانديلا هو فتح سفارة جنوب أفريقيا لدى السلطة الوطنية.

إن الدبلوماسية النشطة لمنظمة التحرير الفلسطينية ولدولة فلسطين والسلطة الوطنية حافظت إلى حد بعيد على علاقات طيبة مع دول عدم الانحياز والاتحاد الأفريقي وبعض قادة الدول الأوروبية ولكن انهيار الاتحاد السوفياتي أضعف حركة عدم الانحياز والمجموعة الأفريقية وزاد من نفوذ الولايات المتحدة على المستوى الدولي حتى باتت الدولة العظمى الوحيدة في العالم وحملت المشروع الصهيوني على أكتافها ومارست شتى أساليب الضغط على معظم دول العالم لتسويق رؤيتها للعالم ومن ضمن هذه الرؤية تسويق إسرائيل كدولة ديمقراطية متقدمة في المجالات الاقتصادية والعلمية والزراعية والأسلحة والأمن، ولم تتوقف عند هذا الحد بل مارست ضغوطا سياسية واقتصادية وعقوبات مالية على كثير من الدول وزعماء تلك الدول ليفتحوا أبواب بلادهم أمام إسرائيل والتحالف معها، وها هي اليوم تخترق إسرائيل كثيرا من الدول في أفريقيا والعالم العربي والإسلامي حتى وصلت إلى الاتحاد الأفريقي وباتت مصر التي ربطها أنور السادات بمعاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل تشعر بالقلق من النفوذ الإسرائيلي في القارة الأفريقية وخاصة الدول الست التي زارها بنيامين نتنياهو عام 2016 وهي معظم دول حوض النيل.

ولا بد من تكرار القول بأن إسرائيل لها دور رئيسي في أزمة سد النهضة وقد وقعت عقودا كثيرة مع إثيوبيا، ووجد نتنياهو أثناء زيارة أديس أبابا حفاوة بالغة تكشف المستور من العلاقات بين الدولتين وإذا كان أحد أهداف إسرائيل في القارة الأفريقية الضغط على مصر من خلال سد النهضة فإنها بالتأكيد تسعى لأن تكون حاضرة عندما يناقش الاتحاد الأفريقي قرارات تتعلق بالقضية الفلسطينية لتحييد هذه القرارات والمواقف الأفريقية خاصة في الجمعية العامة للأمم المتحدة والهدف الأبعد للتسلل الإسرائيلي إلى القارة الأفريقية وفق كثير من المحللين هو مواجهة النفوذ الصيني المتزايد في القارة الأفريقية وكذلك الروسي والتركي والإيراني نيابة عن الولايات المتحدة التي تستعد لمواجهة الصين في شرق آسيا وبحر الصين الجنوبي وتسحب قواتها من أفغانستان وتستعد لذلك من الفرات وغرب آسيا على وجه العموم.

لقد وجدت إسرائيل فرصتها للتغلغل في أفريقيا وهو هدف وضعته أمامها منذ قيامها واستخدمت دبلوماسيتها الناعمة للنفوذ إلى القارة وساعدها على ذلك كما أشرنا أولا السياسة الأمريكية المؤيدة لإسرائيل وانتشارها في أفريقيا وتبادل المصالح بينها وثانيا انشغال الدول العربية المحورية في قضاياها الداخلية والنزاعات البينية بين الدول العربية وغياب المساعدات العربية للدول الأفريقية وثالثا: تغلغل الجماعات المؤيدة لإسرائيل كالكنيسة الإنجيلية في أفريقيا في السنوات الأخيرة، رابعا: التطبيع الذي قامت به الإمارات والبحرين والسودان والمغرب مع الكيان الإسرائيلي فقد قايضت السودان رفع اسمها من الدول الراعية للإرهاب وتخفيض ديونها والسماح لها بالاقتراض من البنك الدولي بالقضية الفلسطينية كما قايض المغرب التطبيع مع إسرائيل باعتراف أمريكي بالصحراء الغربية كجزء من المغرب لتخلف وتثير النزاع مجددا بين الجزائر والمغرب حول الصحراء وأما الإمارات المتحدة رائدة موجة التطبيع الجديد فقد تجاوزت كل حدود العلاقات الدولية وباتت تابعا للسياسة الإسرائيلية بل حليفا ذليلا سيدفع ثمن تحالفه غير المنطقي مع الكيان الإسرائيلي ليس لأنه تخلى عن القضية الفلسطينية وانما لأنه جر نفسه إلى صراع إقليمي في منطقة الخليج المضطر به، وكان في غنى عنه.

أما البحرين فليس التطبيع مع إسرائيل سوى خشية خلاص يعتقد ملك البحرين أنها الوسيلة الأخيرة المتبقية بين يديه للبقاء ملكا وحاكما للبحرين رغم إرادة شعب البحرين الذي يرفض  التطبيع جهارا ويرفض حكم الأسرة الحاكمة ولا يمكن نسيان ما أقدم عليه المغدور أنور السادات من توقيع اتفاق كامب ديفيد وتبديد انتصار جيش مصر وآمال شعب مصر بالحرية والحياة الكريمة، فكان أول من تنكر لحقوق الشعب الفلسطيني وأخرج مصر من المواجهة مع المحتل الإسرائيلي وأقام سلاما مذلا مع إسرائيل وعلاقات تبعية للسياسة الأمريكية والإسرائيلية في العالم العربي وأفريقيا وأطلق يد إسرائيل في استيطان الضفة الغربية مقابل التخلي عن مستوطنة يميت وما تبع ذلك من غزو لبنان واحتلال بيروت وإخراج م.ت.ف من لبنان بعد موته، كل ذلك التزاما من حكام مصر باتفاقيات كامب ديفيد وقد فضح مناحيم بيغن رئيس وزراء إسرائيل كل ذلك أمام الكنيست الإسرائيلي لدى تصويته على قبول اتفاقيات كامب ديفيد بقوله “إن توقيع السلام مع أكبر دولة عربية ( مصر ) يقوم على: لا للدولة الفلسطينية ولا لحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني”.

وبما أن إسرائيل هي قوة الاحتلال للأرض الفلسطينية فإن معنى هذا الالتزام المصري يعطي إسرائيل حق التقرير فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وهذا الالتزام المصري يظهر في مشاركة مصر في حصار قطاع غزة وفي سكوتها عن المطبعين العرب الجدد وفي ارتهان سياستها للإرادة الأمريكية الإسرائيلية وتراجع دورها الإقليمي والعربي والدولي وفي القارة الأفريقية واستقوت عليها إثيوبيا بسد النهضة وحشدت المجتمع الدولي في مجلس الأرض ضدها ووقف الاتحاد الأفريقي نصيرا لإثيوبيا حتى السودان بات موقفه يوما مع مصر وآخر مع إثيوبيا وتمددت تركيا في شرق المتوسط وغرب مصر وتمددت إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغزة وباتت إثيوبيا وآبي أحمد الرائد والقائد لأفريقيا بعد تراجع الدور المصري والعربي عموما وبعد أن كان عبدالناصر الرائد والزعيم والقائد لحركات التحرر في القارة الأفريقية.

وسمعنا بقادة أفارقة عظام قادوا بلادهم نحو الحرية والاستقلال ومعاداة الصهيونية والاستعمار أمثال باتريس لومومبا وجوليوس نيريري وكوافي نكروما وجوموكينيا وأحمد بن بيلا ومحمد الخامس ومعمر القذافي وهواري بومدين، فأين اليوم نحن من هؤلاء الزعماء العظام الذين حرروا  أفريقيا وأين هؤلاء من الحكام الحاليين الذين يبحثون عن شركات الحراسة الإسرائيلية والمساعدات المالية مقابل بيع بلادهم وثروات شعوبهم للمستعمر الجديد العنصري الذي لا يعرف غير سياسة القتل والتجسس واستغلال ثروات الدول التي يصل إليها.

لقد كانت علاقة شراكة أقامها عبدالناصر مع أفريقيا، فكان المعلم والمهندس والطبيب والممرض والمزارع المصري ورجالات الأزهر في كل مكان من أفريقيا لمساعدة شعوبها والنهوض بها ولعل إسرائيل هي من استفاد من تجربة عبدالناصر ولكن لأهدافها الشخصية وليس لمصلحة شعوب القارة المنكوبة بحكامها وحروبها وانقساماتها القبلية والعرقية كالدول العربية، للأسف الشديد، وكانت النتيجة إخراج العرب من معادلة أفريقيا وحلول الكيان الإسرائيلي في المعادلة ولم يبق من صورة العرب والمسلمين في أفريقيا غير داعش وأخواتها تعمل على فصل دول شمال أفريقيا العربية عن دول جنوب الصحراء وتعيث خرابا و دمارا من دول إسلامية كانت نموذجا للتعايش كنيجيريا والنيجر ومالي وتشاد وغيرها من الدول الأفريقية ذات الأغلبية المسلمة التي ترتبط بالعرب والقضايا العربية وخاصة القضية الفلسطينية بروابط روحية ونضالية متينة، وهذا ما يلقي على منظمة التحرير الفلسطينية مسؤولية كبيرة في مضاعفة جهودها الدبلوماسية في القارة الأفريقية ومن الدول العربية أو من تبقى من هذه الدول على تقديم المساعدات الاقتصادية للدول الأفريقية المحتاجة والتي اعتقدت أن إسرائيل ستقدم لها طوق النجاة من مشاكلها بعد أن تخلى العرب عن أفريقيا التي طالما اعتبروها عمقهم الاستراتيجي وسندهم وسند القضية الفلسطيني في المحافل الدولية .

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى