تدهور العلاقات الإسرائيلية الروسية رسالة تحذيرية للإمارات والسعودية وتركيا

يرسل التدهور السريع لعلاقات إسرائيل وروسيا برسالة لقوى الشرق الأوسط الأخرى مفادها أن محاولة البقاء في المنتصف فيما يخص الصراع الأوكراني يخاطر بوقوعهم بين تروس الأطراف المتصارعة.

ومثل السعودية والإمارات وتركيا، سعت إسرائيل للحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة وروسيا بالرغم من مبدأ واشنطن وموسكو القائم على “أما أن تكون معنا أو ضدنا”.

لدى الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلنسكي” سبب وجيه لتطبيق نفس المبدأ حتى لو سعت إسرائيل وتركيا لاستغلال مكانتهما كوسطاء للتوسط بين الزعيم الأوكراني والرئيس “فلاديمير بوتين”، حيث استخدموا وساطتهم لتبرير عدم الانضمام للعقوبات الأمريكية والأوروبية ضد روسيا.

وانتقد “زيلنسكي” هذا الأسبوع نظيره التركي “رجب طيب أردوغان” بعد أن أعلنت تركيا عن خطط لتشجيع السياح الروس على زيارة تركيا، وجاء هذا بعد إعلان مسؤول كبير في السياحة الروسية إن أقل من نصف الروس الذين سافروا إلى تركيا في عام 2021 (4.7 ملايين) قد يزوروا البلاد هذا العام.

وقال “زيلنسكي” بعد يوم من لقائه في كييف مع “إبراهيم قالين”، أحد أقرب مستشاري “أردوغان”: “هذه السياسة ليست مناسبة.. لقد لفت انتباه تركيا إلى ذلك. هناك حاجة للاختيار”.

وحتى الآن، هناك قيود على رد إدارة “بايدن” على رفض السعودية والإمارات زيادة إنتاج النفط لخفض الأسعار ومساعدة أوروبا في التخلص من اعتمادها على الطاقة الروسية. ومع ذلك، لا يوجد أدنى شك في أن الإدارة الأمريكية ستتذكر الدول التي وقفت معها في وقت الحاجة وتلك التي أدارت ظهرها، وهي رسالة لم تفت أبوظبي.

ففي أواخر أبريل/نيسان، استأجرت شركة “توتال إنرجيز” الفرنسية ناقلة لتحميل خام أبوظبي لأوروبا في أوائل مايو/أيار، وهي أول شحنة من هذا القبيل منذ عامين.

باستثناء بعض الملاحظات التي أبداها ولي العهد السعودي الأمير “محمد بن سلمان” في مقابلة في مارس/آذار مع مجلة “ذا أتلانتك”، تجنبت السعودية والإمارات والولايات المتحدة التراشقات العلنية اللاذعة، لكن هذا لم يمنع المسؤولين السابقين من فعل ذلك.

ورداً على اقتراح “هيلاري كلينتون” استخدام مقاربة العصا والجزرة لإجبار السعوديين على زيادة الإنتاج النفطي، قال رئيس الاستخبارات السعودية السابق والسفير السابق في الولايات المتحدة الأمير “تركي الفيصل” ساخرًا: “نحن لسنا أطفال مدارس يعاملون بالعصا والجزرة. عندما يتم التعامل معنا بشكل ما فإننا نرد بالمثل”.

وأشار “محمد خالد اليحيى” وهو زميل زائر في معهد هدسون ورئيس تحرير سابق في “العربية الإنجليزية” بلهجة أقل تصادمية إلى أن “السعودية تشعر بالأسف على ما تراه تفكيكًا أمريكيًا للنظام العالمي الذي أنشأته الولايات المتحدة وقادته لما يقارب قرنًا من الزمان”.

ونقل “اليحيى” عن مسؤول سعودي كبير قوله: “أمريكا القوية والموثوقة هي أعظم صديق يمكن أن تحصل عليه السعودية. من المنطقي إذن أن ضعف الولايات المتحدة وارتباكها يمثلان تهديدًا خطيرًا ليس فقط لأمريكا، ولكن أيضًا بالنسبة لنا”.

أما إسرائيل فقد وصلت تراشقاتها مع روسيا إلى مستويات متقدمة، حيث أدانت إسرائيل هذا الأسبوع تأكيد وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف” أن “أدولف هتلر” كان له “دم يهودي”. واستخدم “لافروف” ذلك لتبرير وصفه لـ”زيلنسكي” بأنه نازي، وهو من أصل يهودي. ومضى بالقول إن ” اليهود الحكماء قالوا إن أكثر المعادين للسامية هم عادة يهود”.

ورداً على ذلك، قال وزير الخارجية الإسرائيلي “يائير لابيد”، الذي توفي جده في الهولوكوست، إن “تصريحات لافروف هي بيان شائن ولا يغتفر، بالإضافة إلى كونه خطأ تاريخيًا فظيعًا. اليهود لم يقتلوا أنفسهم في الهولوكوست. أحطّ مستوى من العنصرية ضد اليهود هو اتهام اليهود أنفسهم بمعاداة السامية”.

ولاحقا، قال “لابيد”: “نحن نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على علاقات جيدة مع روسيا، ولكن كل شيء له حدود، وقد تم تجاوزها هذه المرة. يجب على الحكومة الروسية الاعتذار لنا ولجميع الشعب اليهودي”.

وفي تشديد للانتقاد، اتهمت وزارة الخارجية الروسية إسرائيل بعد يوم من ذلك بدعم النازيين الجدد في أوكرانيا. وقالت الوزارة إن تصريحات “لابيد” كانت “مخالفة للتاريخ” و “شرحت إلى حد كبير لماذا تدعم الحكومة الإسرائيلية الحالية النظام النازي الجديد في كييف”.

وكانت تصريحات “لافروف” والوزارة أحدث تراشق ضمن الخلاف الإسرائيلي الروسي. وقبل يوم من ذلك، كشفت محطة تلفزيونية روسية عن هوية 10 مسؤولين قنصليين وحراس أمنين إسرائيليين كانوا على الحدود البولندية الأوكرانية لمساعدة المواطنين الإسرائيليين على الهروب من البلد الذي مزقته الحرب ووصفوهم بالمرتزقة.

وقال الكاتب الإسرائيلي “يوسي ميلمان”: “أسماؤهم وجوازات سفرهم أصبحت مكشوفة. هذا يمكن أن يساعد أعداء إسرائيل مثل الاستخبارات الإيرانية”. وجاء هذا الكشف بعد يوم من تقارير وسائل الإعلام أن إسرائيل قد أحبطت محاولة اغتيال موظف قنصلي إسرائيلي في تركيا، وجنرال أمريكي في ألمانيا، وصحفي في فرنسا.

سارت إسرائيل على شعرة دقيقة في خضم إدارتها لأزمة أوكرانيا، فقد رفضت الطلبات الأوكرانية لمبيعات الأسلحة (بما في ذلك منظومة “القبة الحديدية” المضادة للصواريخ) والوصول إلى تكنولوجيا المراقبة الإسرائيلية.

واكتفت بتقديم المساعدة الإنسانية للبلد الذي مزقته الحرب، وشاركت إسرائيل أيضًا المعلومات الاستخباراتية، وصوتت لصالح قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة يدين الغزو الروسي، وأقنعت الإمارات بالقيام بالمثل. علاوة على ذلك، صوتت إسرائيل لصالح قرار بتعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

وتحت تأثير الضغوط من أجل الخروج عن سياسة الحياد، حفز “لابيد” تدهور العلاقات مع موسكو عندما أكد في أوائل أبريل/نيسان أن روسيا ارتكبت جرائم حرب.

وفي بيان في ذلك الوقت، اتهمت وزارة الخارجية الروسية تصريحات “لابيد” بأنها “محاولة بائسة للاستفادة من الوضع في أوكرانيا لتشتيت انتباه المجتمع الدولي عن واحد من أقدم النزاعات المعقدة؛ أي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي”.

وبعد ذلك بفترة وجيزة، أخبر السفير الروسي في إسرائيل محطة تلفزيونية إسرائيلية أن تل أبيب وموسكو “ما تزالان” صديقتان، لكن موسكو توقعت “موقفًا أكثر توازناً من إسرائيل”.

ولزيادة الضغط على إسرائيل، كشف الأدميرال “أوليغ زورافليف”، نائب رئيس المركز الروسي للمصالحة بين الأطراف المتعارضة في سوريا، أن نظام الدفاع الجوي الروسي “Buk M2E” اعترض مؤخرًا صاروخًا موجهًا أُطلق من طائرة مقاتلة “F-16” إسرائيلية في المجال الجوي السوري.

وشكل هذا الكشف تحذيرًا من أن روسيا قد لا تتسامح مع الضربات الإسرائيلية المستقبلية ضد الأهداف في سوريا. وقال دبلوماسي غربي: “تخاطر إسرائيل بالتخلي عن التوازن الذي تم تشكيله بعناية. هناك آخرون في الشرق الأوسط لا يزال لديهم بعض التوازن، لكن السؤال الآن هو إلى متى سيستمر”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى