ترامب والانسحاب الأميركي الطويل من أفغانستان
هشام ملحم

“ليس من السهل أن تحقق في المفاوضات ما عجزت عن تحقيقه في ساحة المعركة”

هنري كيسنجر.

اتفاق إحلال السلام في أفغانستان، الذي وقعته الولايات المتحدة مع حركة “طالبان” في الدوحة، قطر في التاسع والعشرين من فبراير، ليس اتفاقية سلام، لأن حركة “طالبان” المصنفة إرهابية ليست دولة، كما أن الاتفاق، في مفارقة بارزة لا يشمل دولة أفغانستان، التي تقاتل القوات الأميركية وقوات حلف الناتو معها منذ 19 سنة لحمايتها وضمان استقلالها وسيادتها.

ولكن الاتفاق يمهّد، إذا تم الالتزام به من قبل جميع الأطراف إلى انسحاب كامل للقوات الأميركية والحليفة بعد 14 شهرا، لينهي بذلك حربا استمرت لعشرين سنة، وهي أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة لم تنتصر فيها القوات الأميركية.

اتفاق الدوحة، يعكس من جملة ما يعكسه إحباط واستياء الرئيس الأميركي دونالد ترامب مما يسميه عن حق “الحروب التي لا نهاية لها” والتي يقصد بها الحربين الأطول في تاريخ الولايات المتحدة: أفغانستان والعراق.

سحب أو تقليص عديد القوات الأميركية المنتشرة في جنوب آسيا والشرق الأوسط والتي قاتلت أو لا تزال تقاتل على جبهات عديدة وبعضها جبهات متحركة مثل الحرب التي خاضتها القوات الأميركية والحليفة ضد قوات ما سمي “الدولة الإسلامية” في العراق وسوريا، هو من بين المطالب التي نادى بها المرشح دونالد ترامب، وبقي يصر على تطبيقها بعد وصوله إلى البيت الأبيض.

موقف غاني مؤشر أولي حول العقبات التي يمكن أن تعترض تنفيذ الاتفاق
صحيح أن ترامب قبل ـ على مضض ـ بنصائح مستشاريه بزيادة عديد القوات الأميركية في أفغانستان في بداية ولايته، كما وافق على زيادة عديد القوات الأميركية في السعودية ومياه الخليج، في أعقاب التوتر والأعمال العسكرية بين القوات الأميركية والإيرانية والهجمات الصاروخية الإيرانية ضد منشآت النفط السعودية، إلا أنه فعل ذلك للرد على تحديات طارئة، وليس لإبقاء هذه القوات مرابطة في المنطقة لوقت طويل.

وهناك رأي سائد في أوساط المحللين العسكريين والسياسيين يرى أن الرئيس ترامب سيستخدم اتفاق الدوحة، حتى ولو تعثر أو تأخر تنفيذه، أو جرى تنفيذه بشكل جزئي، كذريعة لسحب القوات من أفغانستان قبل الانتخابات الرئاسية لأنه يدرك أن الرأي العام الأميركي يشعر بالإرهاق من هذه الحرب، ولأنه يريد أن يؤكد للناخبين أنه ينفذ وعوده، ومن بينها إنهاء الحروب التي يفترض أنه لا نهاية لها.

مؤيدو الاتفاق يقولون إنه يتحدث عن انسحاب “مشروط” بتحسن الأوضاع الميدانية والسياسية، وإن الرئيس ترامب قال إن القوات الأميركية ستعود إلى أفغانستان إذا جرت انتهاكات سافرة للاتفاق. المحللون المحايدون يقولون إنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن يتخيل أحد عودة القوات الأميركية إلى أفغانستان في حال انسحابها بغض النظر عما يمكن أن يحدث فيها، حتى ولو انهار الاتفاق وسقطت كابول في يد “طالبان”، كما يتوقع بعض المحللين.

أصداء فيتنامية
اتفاق الدوحة مماثل في بعض نواحيه لاتفاق باريس بين الولايات المتحدة وفيتنام الشمالية في 1973 لإنهاء الحرب في فيتنام والذي لم تشارك فيه فيتنام الجنوبية التي حاربت الولايات المتحدة فيها لأكثر من عقد من الزمن لحمايتها من ثوار الفيتكونغ وقوات فيتنام الشمالية.

التطابق الواضح بين اتفاق الدوحة واتفاق باريس هو أنهما عكسا الواقع الميداني المؤلم للولايات المتحدة بعد سنوات طويلة من القتال الضاري في أدغال فيتنام وجبال أفغانستان حيث كانت القوات الأميركية تربح معظم المعارك التي خاضتها لتجد في النهاية أنها لم تنتصر في أي من الحربين الطويلتين اللتين غيرتا حياة جيلين من الشباب الأميركيين.

حرب أفغانستان هي الأولى التي يحارب فيها جنود أميركيون ولدوا بعد بداية الحرب. حكومة فيتنام الجنوبية تحفظت جدا على مفاوضات باريس، والحكومة الأفغانية شكت من مفاوضات الدوحة وقبلت بالاتفاق على مضض. الرئيس الأفغاني أشرف غاني أعرب في اليوم التالي لتوقيع الاتفاق عن اعتراضه على بعض بنوده من بينها موعد بدء المفاوضات بين الحكومة الأفغانية وحركة “طالبان” بشأن التوصل إلى اتفاق سلام داخلي وتشكيل حكومة مشتركة.

اتفاق الدوحة مماثل في بعض نواحيه لاتفاق باريس بين الولايات المتحدة وفيتنام الشمالية
ولكن السبب المباشر الذي يمكن أن يقوض الاتفاق يتعلق بشرط أصرت عليه حركة “طالبان” وهو الإفراج عن خمسة آلاف مقاتل من سجون الحكومة الأفغانية، مقابل إفراج “طالبان” عن ألف معتقل لديها. الاتفاق يقضي بتبادل الأسرى وبدء مفاوضات السلام بين كابول وطالبان مع حلول العاشر من الشهر الجاري.

الرئيس غاني قال لصحافيين التقاهم في قصره في كابول إن الإفراج عن سجناء “طالبان” هو أمر خاضع للسلطات الأفغانية وليس الأميركية، مضيفا “لا يوجد هناك التزام بالإفراج عن خمسة آلاف سجين”. وأضاف غاني، الذي يعتبر سجناء “طالبان” من بين الأوراق القوية القليلة في يده أن هذه المسألة يمكن أن تناقش خلال المفاوضات اللاحقة بين حكومته وحركة “طالبان”، ويجب ألا تستخدم كشرط مسبق. موقف غاني هذا، هو مؤشر أولي حول العقبات التي يمكن أن تعترض تنفيذ الاتفاق وعلى الشكوك المحيطة بصدقيته وجدواه.

“مقبرة الإمبراطوريات”
التحفظات والاعتراضات ليست محصورة بكابول، بل إنها موجودة في واشنطن، وفي أوساط قيادة الحزب الجمهوري في الكونغرس. عضو مجلس النواب إليزابيث تشيني (نجلة نائب الرئيس الأسبق ديك تشيني) قالت إن اتفاق الدوحة “يذكّر بأسوأ النواحي في اتفاق أوباما النووي مع إيران” وادعت في بيان لها أن الاتفاق “يمكن أن يهدد أمن الولايات المتحدة” وطالبت بالكشف عن ملاحق سرية قيل إنها جزء من الاتفاق.

معارضو الاتفاق، ومن بينهم عسكريون وديبلوماسيون خدموا في أفغانستان، يقولون إنه من الخطأ أن تلزم الولايات المتحدة وقوات الناتو نفسها بموعد محدد للانسحاب، قبل التوصل إلى اتفاق سلام بين الحكومة في كابول و”طالبان”، وتشكيل حكومة مشتركة، وضمان التزام “طالبان” بصيانة المكاسب السياسية والقانونية التي تحققت في البلاد منذ التدخل العسكري الأميركي، مثل ضمان حقوق الأقليات وخاصة حقوق المرأة التي كانت تتعرض لانتهاكات بشعة خلال حكم “طالبان”.

خلال السنوات العشرين الماضية، تغيرت أهداف الولايات المتحدة في أفغانستان، مثلما تغير حجم القوات الأميركية خلال ولايات الرؤساء جورج بوش وباراك أوباما ودونالد ترامب. الهدف الأولي، كان معاقبة نظام “طالبان” الذي وفّر الملجأ والحماية لتنظيم “القاعدة” الإرهابي ولقائده أسامة بن لادن، ثم تغير الهدف إلى إقامة نظام تمثيلي وبناء مؤسسات ديمقراطية وإعادة بناء أفغانستان، وصيانة حقوق الأقليات والنساء. ومع تعذر تحقيق الانتصار العسكري، بدأت المساعي للبحث عن حل تفاوضي أدت إلى سنوات طويلة من المفاوضات مع “طالبان” توصل بدورها إلى حل سلمي داخلي لنزاعات وحروب أهلية مستمرة منذ عقود زاد من تفاقمها التدخل العسكري الخارجي.

التحفظات والاعتراضات ليست محصورة بكابول، بل إنها موجودة في واشنطن
الرئيس ترامب بعكس سلفيه بوش وأوباما لا يبدي أي فضول للتعرف أكثر على تعقيدات النزاع في أفغانستان أو المكونات القبلية والإثنية للمجتمع الأفغاني، كما لا يبدي أي اهتمام حقيقي بصيانة المكاسب التي حققتها على سبيل المثال المرأة الأفغانية في العقدين الماضيين. ما هو واضح في ذهن الرئيس ترامب وهو مقبل على انتخابات جديدة هو أنه يريد أن تكون افغانستان في مرآته الخلفية وليس أمامه، وأنه حقق ما عجز عنه سلفيه بوش وأوباما. ولذلك، ليس مستبعدا أن يلجأ ترامب إلى سحب جميع القوات الأميركية من أفغانستان، قبل انتهاء ولايته، بغض النظر عن الظروف الميدانية والسياسية في أفغانستان، المعروفة أيضا باسم “مقبرة الامبراطوريات”.

في العام 1973 نشرت صحيفة نيويورك تايمز افتتاحية حول اتفاقية السلام في فيتنام جاء فيها “الغموض يسود في البنود المتعلقة بحل المشاكل السياسية في فيتنام الجنوبية، وهي مسألة كما لاحظ السيد (هنري) كيسنجر بصراحة تتعلق بطبيعة الحرب الأهلية. ومجلس الوفاق المقترح في فيتنام الجنوبية يبدو هشا أكثر من أي وقت مضى، وحكم الإجماع الذي يفترض أن يعتمد عليه لا يوحي بإمكانية تحقيق أي تقدم سياسي فعّال، ناهيك عن الوفاق”.

يمكن للصحيفة إعادة نشر الافتتاحية ذاتها بعد استبدال دولة فيتنام الجنوبية بدولة أفغانستان، ولا اعتقد أن هنري كيسنجر سيعترض على استخدام كلماته ذاتها لوصف مستقبل أفغانستان بعد الاتفاق الأخير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى