ترامب والرئاسة الثانية: إنها كورونا يا غبي!
صبحي حديدي

على نقيض ما قد يتبادر إلى الذهن، ارتفعت نسبة رضا الأمريكيين عن أداء رئيسهم دونالد ترامب بمعدّل ثلاث نقاط، فبلغت المستوى القياسي 47%؛ بدل أن تنخفض، تبعاً للنهج العام الذي اعتمده في التعامل مع جائحة فيروس كورونا المستجد، وطرائقه ومواقفه المتناقضة في هذا المضمار. لكنّ ترامب نفسه يدرك، ربما أكثر من أيّ أمريكي، أنّ ذلك الارتفاع ليس مؤقتاً وعابراً فحسب؛ بل قد يكون خادعاً تماماً، ولن يطول الوقت حتى تنتكس هذه النسبة وتهوي إلى معدلات قياسية.

الأمريكي، بادئ ذي بدء، يميل إلى الالتفاف حول الرئيس/ الزعيم، وحول العَلم ذي النجوم البيضاء الـ50 استطراداً، في المنعطفات الوطنية العصيبة والأزمات الوطنية الكبرى والحروب والكوارث الطبيعية، وما إليها. وحسب مركز غالوب لرصد معدلات الرضا عن أداء رؤساء أمريكا، تلك كانت حال رونالد ريغان بعد تفجير معسكرات القوات الأمريكية في بيروت، وجيمي كارتر بعد أزمة الرهائن في طهران، وقد حظي جورج بوش الابن بنسبة 90% بعد هجمات 11/9؛ وبعد حرب الخليج؛ وفي سنة 1992، كانت معدلات الرضا عن الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب قد بلغت 80%؛ الأمر الذي لم يمنع هزيمته في الانتخابات الرئاسية أمام حاكم ولاية شابّ ومغمور يدعى بيل كلنتون. هي، إذن، ثقافة جَمْعية “طيّارة” إذا جاز التعبير، يمكن أن تنحسر سريعاً فتخبو جذوتها حتى قبل انقضاء التأزم، وقد يحدث أن تنقلب إلى النقيض تماماً.

لكنّ جنيفر روبن، في “واشنطن بوست”، تنتهج معياراً إضافياً لقراءة الارتفاع الأخير في معدلات الرضا عن أداء ترامب، وهو المعدلات الموازية في بلدان أخرى: المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل قفزت إلى 75%، وجوزيبي كونتي رئيس الوزراء الإيطالي إلى 73%، وبوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني إلى 70% (بعد ثلاثة أشهر فقط من معدّل رضا لم يتجاوز 30%!). في عبارة أخرى، هذه جماهيرية ائتلاف الرهبة واللوذ بالحاكم واللجوء إلى الدولة، وجميعها تسير على نقيض الركائز الكبرى في الفلسفة الرأسمالية واقتصاد السوق وتحجيم الدولة…

ليس غريباً، والحال هذه، أن يسارع ترامب إلى اعتناق الشعار الذي أطلقه المحافظون في الولايات المتحدة: العلاج (أي إلزام الناس بالبقاء في بيوتهم) أسوأ من المرض نفسه؛ وأن ينذر باستئناف “فتح” البلد مع اقتراب عيد الفصح، لأنّ أمريكا لم “تُخلق لكي تُغلق”. وليس عجيباً أن يلجأ ترامب إلى استخدام تعبير مثل “الفيروس الصيني” في وصف جائحة كورونا، محرّضاً على انطلاق أسوأ التنميطات العنصرية ضدّ المواطنين الأمريكيين من أصول آسيوية؛ فهذه، عند رئيس انتُخب طبقاً لأجندات التفوّق العرقي الأبيض، حرب ثقافية أيضاً وليست علمية أو اقتصادية فقط. وفي خدمة سياقاتها يتوجب أن يتوحد المحافظون أجمعين، فيستنكر عضو مجلس الشيوخ لندزي غراهام هذا الحجر الذي يتيح للممرضات أن يكسبن تعويضات بطالة مضافة، أو يصرخ مذيع في قناة “فوكس نيوز” أنّ فيروس كورونا “خدعة” هدفها تقليص حظوظ ترامب في الفوز بولاية رئاسية ثانية!

يبقى أنّ الاقتصاد هو كعب آخيل في هذه الحظوظ، إذْ تفاخر ترامب على الدوام بأنّ الأشغال والأعمال والاستثمارات لم تكن أفضل حالاً في أيّ يوم من تاريخ الولايات المتحدة، وإذا اقترب شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الانتخابي حاملاً معدلات بطالة مليونية مزدوجة الرقم (العدد اليوم 3.3 مليون عاطل عن العمل، بما يتجاوز سنة 2009 في ذروة الأزمة المالية العالمية)؛ مرسخاً هذه أو تلك من عواقب الانحسار، أو حتى الركود؛ فإنّ أربع سنوات أخرى في البيت الأبيض لن تكون في قبضة اليد.

وذات يوم تبنى كلنتون الشعار الشهير “إنه الاقتصاد يا غبي!”، الذي صاغه مدير حملته جيمس كارفيل في انتخابات 1992؛ وليست مبالغة أن يُصاغ اليوم شعار تلقائي في وجه ترامب: إنها كورونا، أيها العاجز عن التمييز بين وفيات الأنفلونزا وجائحة كونية تصيب 596 ألف آدمي، وأسفرت حتى الساعة عن 27.500 وفاة!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى