ترامب يهدّد مواقع ثقافية
معن البياري

لا تعسّف هنا، على الأرجح، في إشهار أن الرئيس الأميركي، ترامب، انفرد، الأحد الماضي، من بين أهل القرار في العالم، أقلّه منذ قامت الدول وبنَت الأمم أوطانا ونظما، بالجهر بأنه سيرتكب جريمةً مشهودةً، لمّا قال إن بلادَه إذا ما خاضت حربا ضد إيران، فإنها ستضرب، من بين 52 هدفا، أهدافا لها أهميةٌ كبيرةٌ للثقافة الإيرانية. وليس من حاجةٍ لشرّاحٍ في سويّة شرّاح ألفية ابن مالك في النحو العربي، لنعرف أن رئيس أميركا إنما قصد معالمَ وأمكنةً مدنية الطابع، لها بعدٌ ثقافي، بمعنى أنها قد تكون متاحف أو آثارا أو منائر أو قصورا (أو مراقد؟)، وما هو تراث إنساني وحضاري، قام في التاريخ على الأرض التي تسمّى الآن الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وبتغريدتِه التي طيّر فيها تهديدَه غير المسبوق هذا، يدخل ترامب التاريخ، بوصفه أول رئيس دولةٍ يجهر بنيّته ارتكاب جريمةٍ يدينها القانون الدولي، علما أن الحروب قد يحدُث في غضونها دمار كلي أو جزئي لمعالم آثارية ودينية وثقافية، وغالبا ما تتبرّأ الجيوش المتحاربة من مسؤوليةٍ قصْديةٍ في استهداف هذه العناوين. أما أن يعلن قائد أعلى للقوات المسلحة في بلده (وهذه من حيثيات كل رئيس في أي بلد) نيّة جيش بلادِه ضرب مواقع كهذه فهذا لم يحدُث أن افترضت حدوثَه، أو ما يماثله، جهةٌ اعتباريةٌ دولية، ولمّا كان فعلٌ من هذا القبيل مجرّما قانونا، فإن ارتباكا محيّرا يواجه أهل القانون.
كان طبيعيا أن يثير قول ترامب أعلاه دهشةً واسعة في العالم، وأن يلاقي الاستنكار العريض الذي لاقاه. وجاء شديد الأهمية من “هيومان رايتس ووتش” مطالبتها الرئيس الأميركي التراجع علنا عن تهديداتِه ضد المواقع الثقافية الإيرانية، بأن يقول، بوضوح، إنه لن يأذن بجرائم حرب أو يأمر بها، كما مطالبتها وزارة الدفاع الأميركية بأن تؤكّد علنا التزامها بقوانين الحرب، والامتثال للأوامر العسكرية المشروعة فقط. وقد أصابت المسؤولة في المنظمة الحقوقية الدولية الوازنة، أندريا بارسو، في قولها إن تهديد ترامب بمهاجمة التراث الثقافي الإيراني يدلّ على عدم اكتراثه بسيادة القانون في العالم، سواء برفض التنديد بالقتل الوحشي للصحافي السعودي، جمال خاشقجي، او عفوه عن مجرمي حرب مدانين.
ومن بين كثيرٍ يحسُن أن لا نغفل عنه عند التملّي في وعيد الرئيس ترامب غير المسبوق أن كنوزا مهولةً من التراث الإنساني في إيران، من أطوارٍ حضاريةٍ تعاقبت على هذا البلد، وإن انطبع بالأثريْن الفارسي والإسلامي. وليست منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) وحدها المعنيّة بفداحة ما أفصح عنه الرئيس الأميركي، وإنما الأسرة الإنسانية، سيما المسلمون والعرب. وعلى ما يفيد به أهل الاختصاص، فإن الولايات المتحدة طرفٌ في “اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح” (1954)، كما أن إحدى مواد “البروتوكول الأول لاتفاقيات جنيف” تحظُر أي أعمالٍ عدوانيةٍ ضد المعالم الثقافية. وثمّة مواثيق وقوانين دولية أخرى، وغيرها قُطريةٌ محلية، تشتمل على ما يُنبئ بتجريم استهداف المواقع الثقافية، وتصف ذلك “جريمة حرب”.
والظاهر أن الأصداء التي تدحرجت، بعد ذيوع التغريدة المتحدّث عنها للرئيس الأميركي، ذكّرت بهذا كله، كما أن الاستياء والاستنكار الواسعيْن لها اضطرّا وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، أن يتدارَك ما يمكن تداركُه، فيقول إن أي هدفٍ قد تضربه بلادُه سيكون قانونيا. ولأن الحرب أولها كلامٌ، والكلام العالي وثقيل الحدّة المتصاعد من الطرفين، الأميركي والإيراني، هو ما يتقدّم المشهد الراهن والمقلق، فإن وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، لم يفتئت على الحقيقة، لما غرّد، معقّبا على ترامب، إن برابرةً دمّروا، على مدى آلاف السنين، “مدننا وصروحنا وأحرقوا مكتباتنا”. وإذا كانت رميةُ ترامب ما رماه في الفضاء الأزرق قد أيقظت في الذاكرة إقدام حركة طالبان على تدمير تماثيل بوذا في باميان في أفغانستان قبل 19 عاما، وأحالت إلى أفعالٍ حقيرة اقترفها تنظيم داعش الإرهابي في آثار تدمر في سورية، فإن مما يحسُن أن يبقى حيا في الأذهان والخواطر ما يلحق بالتراث الثقافي الإنساني، في فلسطين واليمن وسورية والعراق و..، من اعتداءاتٍ واستهدافات، ومن عمليات سرقةٍ ونهبٍ وتهريب.
.. يُؤمل أن لا تقوم حرب ترامب، فينجو البشر والحجر منها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى