تركيا تستخدم منظمات أميركية كمنصّات ترويجية لها داخلياً وخارجياً
 إيان جيه. لينش

استضاف المجلس الأطلسي، أحد أكبر المراكز الفكرية والبحثية في الولايات المتحدة، وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في محادثة افتراضية مباشرة هذا الأسبوع كانت أكثر من مجرد محادثة علاقات عامة بالنسبة للحكومة التركية.
تلقى المجلس الأطلسي دعمًا ماليًا من العديد من مؤسسات الدولة التركية بما في ذلك كلية الجيش التركي وشركة أنابيب النفط والغاز الطبيعي الحكومية “بوتاس”.
تجنب المضيفون الموضوعات الصعبة بما في ذلك سجل تركيا الضعيف في مجال حقوق الإنسان. وبدلاً من ذلك، أعطوا جاويش أوغلو منبراً للتحدث بإيجابية عن السياسة الخارجية لأنقرة، وكذلك فرصة لإلقاء لوم قطع العلاقات الدولية بشكل مباشر على شركائها السابقين في أوروبا والولايات المتحدة.
وفي نفس اليوم، نشرت صحيفة “ذا هيل” الأميركية مقالة افتتاحية لساشا توبيريتش، نائب الرئيس التنفيذي الأول لمركز الأبحاث عبر الأطلسي في الولايات المتحدة، “شبكة القيادة عبر الأطلسي”، كان مضمونها أن تركيا تعتبر رائدة عالميًا في الاستجابة لوباء كورونا من خلال إرسالها لمجموعات الاختبار والأقنعة والملابس الواقية إلى 30 دولة. ويثني المقال بحق على تركيا لما تبذله من جهود لمساعدة الدول المتضررة بشدة من الوباء.
ومع ذلك، فإن تعتيم المقال للعديد من أخطاء تركيا واستخدام المقال من قبل وسائل الإعلام التركية الموالية للحكومة لتبرئة أنقرة، دفع بعض المحللين في تركيا إلى التساؤل عما إذا كانت المقالة مدفوعة للترويج، وهو ادعاء أنكره توبريتش بشكل قاطع.
وقال نيكولاس دانفورث، أحد زملاء صندوق مارشال الألماني، لأحوال “يبدو من المؤكد أن الحكومة التركية دفعت لشخصٍ ما لكتابة مقالة افتتاحية في صحيفة أميركية تشيد باستجابتها لأزمة فيروس كورونا حتى يمكن للصحف التركية أن تستخدمها كذريعة في ادعائها بأن الأميركيين يشيدون باستجابة الحكومة التركية لفيروس كورونا”.
وقال دانفورث “إذا كان هذا ما حدث فإنه يكشف مرة أخرى إفلاس الصحافة الموالية للحكومة التركية وكذلك الصحف الأميركية الراغبة في التلاعب بالأمور”. ينتقد دانفورث مقال توبيريش في السياق الأوسع لجهود الضغط التي تبذلها تركيا.
وسبق أن نشرت صحيفة “ذا هيل” منذ فترة مقالاً مؤيدًا لأنقرة من قبل الفريق المتقاعد مايكل فلين، الذي تم الكشف عنه لاحقًا بأنه ضمن أحد جماعات الضغط التي تتلقى مدفوعات من تركيا، حيث حقق أكثر من نصف مليون دولار.
وأخبر توبيريش أحوال أنه لم يتلق قط أي مقابل من أي جماعة ضغط مقابل أي مقال كتبه “لم أتلق رواتب من الحكومة التركية لكتابة مقالة افتتاحية، ولم تدفع لي حكومة السيسي عندما دعمت أجندة الإصلاح الاقتصادي في مصر للمساعدة في رفع رفاهية شعب مصر العظيم، تم اختيار المقالات على ما يبدو من قبل جماعات الضغط”.
إن المشكلة في هذا النوع من المناسبات والأنشطة التي تجريها المؤسسات الفكرية التي تشيد بالحكومة التركية، من نموذج محادثة المجلس الأطلسي مع جاويش أوغلو ومقالات الرأي المنشورة في منصات إعلامية أميركية مؤثرة وكتبها كُتّاب مثل توبريتش، الذي ينتمون أيضاً إلى مؤسسات أميركية موقرة، مثل جامعة جونز هوبكنز، هي أن هذه الأدوات لها قيمتها بالنسبة لجهود تركيا المستمرة لتشكيل الرأي العام في الداخل والخارج، سواء كان ذلك في نيّة الكاتب أم لا.
وكان توبريتش محقاً فيما يتعلق برد فعل تركيا بعد اكتشاف أول حالة فيروس مؤكدة، حيث قامت تركيا بالتفاعل بسرعة من خلال اتخاذ بعض التدابير، بما في ذلك بروتوكولات التطهير لوسائل النقل العام وإغلاق المدارس. ولكن بالنسبة للتدابير الأخرى، تلقت أنقرة انتقادات مستمرة من خبراء الصحة والاقتصاد، وهو ما لم يذكره توبريتش في مقالته.
وقال أيكان إردمير، مدير برنامج تركيا في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لأحوال “سجل أنقرة في تعاملها مع فيروس كورونا حافل بالمشاكل على أقل تقدير، كما يتضح أيضاً من خلال التصريحات الرسمية لوزير الصحة التركي، الذي لم يتخلَّ عن تبني نبرة الانتقاد فيها. وبالمثل، كانت هناك العديد من المشاكل الأخرى فيما يتعلق بوسائل الإعلام التركية الموالية للحكومة، وهو اعتراف آخر على أوجه القصور في سياسة أنقرة، حتى بين الدوائر الموالية للحكومة. وقال إن محاولة وزير الداخلية التركي الاستقالة بعد سياسة الحظر الفاشلة في نهاية الأسبوع الماضي يجب ألا تترك أي شك في أن الأمور لا تسير بهذا القدر من الانضباط كما نقلت مقالة ’ذا هيل’”.
إن المساعدة التي قدمتها تركيا للدول الأخرى تعبّر عن تصرف إيجابي بشكل عام، لكنها أثارت انتقادات أيضًا في حالات محددة. فعلى سبيل المثال، قال رئيس الجمعية الطبية التركية، سنان أديامان، إن تصدير مجموعات الاختبار إلى الولايات المتحدة يعرض صحة الجمهور التركي وممارسي الرعاية الصحية للخطر في وقت كانت فيه تركيا تكافح من أجل احتواء تفشي المرض سريع الانتشار.
ومن أجل تعزيز صورة تركيا، يستشهد توبريتش بالثناء من وفد رفيع المستوى من المسؤولين الأميركيين والأمم المتحدة في مارس على “ما وصفوه بضيافة تركيا تجاه اللاجئين السوريين في البلاد وتنسيقها السلس للمساعدات الإنسانية عبر الحدود”.
توفر تركيا إمكانية وصول سلسة عبر الحدود وتستضيف عددًا من اللاجئين السوريين أكثر من أي دولة في العالم، لكنها أيضًا تسلّح اللاجئين لخدمة أهداف سياستها الخارجية. وفي الشهر الماضي صنعت تركيا أزمة لاجئين أخرى من خلال نقل اللاجئين السوريين إلى حدودها مع اليونان في محاولة فاشلة لإجبار أوروبا على فرض تنازلات.
وقال توبريتش لأحوال “السبب الذي ذكرته للاجئين هو أنهم يمثلون تحديًا إضافيًا لأي دولة تواجه هذا الوباء”. لم يكن تركيز المقالة على قضايا الهجرة السياسية. عندما أقرر كتابة مقال عن أزمات الهجرة واللاجئين، سأخاطب بسهولة الاتحاد الأوروبي وإيران وروسيا وسوريا وتركيا واللاعبين المعنيين الآخرين المتورطين في بؤس الشعب السوري”.
وردّاً على انتقادات مقالته افتتاحية، قال توبيريتش “إن الدول التي تستجيب للنداءات وتدعم هؤلاء المحتاجين تستحق التقدير. ما لا نحتاجه الآن هو تأملات لا قيمة لها من الأكاديميين الذين يجلسون بأمان في برج عاجي، يحاولون إسقاط أولئك الذين يتخذون ردود أفعال. لقد حان الوقت كي تتكاتف الدول، لتبني على جهود بعضها البعض لمساعدة المرضى والمصابين. أرحب بكل من سينضم إليّ في الاعتراف بهذه الجهود في جميع أنحاء العالم”.
مع تعرّض ملايين الأرواح لخطر الإصابة بفيروس كورونا في كل مكان في العالم، تجدر الإشارة إلى جميع أفعال الكرم التي تمارسها الدول، ولكن من الجدير أيضًا تسليط الضوء على كيفية استخدام مثل هذه الأفعال لتحسين صورة الاستبداد القمعي.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى