تركيا: على أعتاب معركة انتخابية حامية
د. مدى الفاتح

بدأت الأحزاب التركية، وعلى رأسها حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، التأهب للانتخابات التي ستجري صيف العام المقبل، وأُعلن رسمياً أن الرئيس رجب طيب أردوغان سيخوض مرة أخرى غمار هذه المعركة مرشحاً عن «تحالف الشعب».
أول ما يجب فهمه في السياق الانتخابي التركي، هو أن المعركة ليست بين إسلاميين وعلمانيين، كما يحلو للبعض تخيلها، فالأحزاب المتقدمة جميعها علمانية، بما يشمل حزب «العدالة والتنمية» نفسه، لكن الفارق هو أن من بينها من يربط بين العلمانية وقيم الحرية، خاصة حرية العبادة، ومنها من يفهمها على أنها تضييق على المؤمنين.
على رأس الأحزاب التي تمارس العلمانية الإقصائية الرافضة للمظاهر الإسلامية «حزب الشعب الجمهوري»، الذي يبدو فهمه أقرب للممارسة الفرنسية ذات الحساسية الواضحة مع الرموز الإسلامية، مع الفارق الظاهر هنا وهو أن تركيا بلد بغالبية مسلمة. كون تركيا بلداً مسلماً، لم يمنع الحزب في وقت سابق من القيام بإجراءات من قبيل حظر الحجاب، أو منع الأذان باللغة العربية، وهو الأمر الذي استمر حتى وصول عدنان مندريس إلى الحكم عام 1950. المشكلة في السلوك العلماني المتطرف، الذي يجعل مصادمة المتدينين هدفاً له، هي أنه سيكون مجبراً على خوض معارك، كان يمكن توفيرها، مع الملايين من الجماهير الرافضة لتهميش الدين، هكذا ولأن الانتخابات بشكلها التقليدي سوف تكون طريقاً خاسراً، فإن هذه الأحزاب المتطرفة في علمانيتها كثيراً ما كانت تلجأ للخطة البديلة، وهي السعي للانقلاب من أجل الوصول إلى السلطة، هذا ما فعله «حزب الشعب الجمهوري» أكثر من مرة وهو يدعم سلسلة من الانقلابات، ابتداء من عدنان مندريس، أول رئيس منتخب، وسليمان ديميرل، ونهاية بالزعيم ذي الشعبية نجم الدين أربكان. كل هذه انقلابات كان هدفها استعادة وهج السلطة التي كانت بدأت بالتسرب من بين يدي الحزب. مظلة «الشعب الجمهوري» لم تكن كافية لضم الجميع من أصحاب طرح تحييد الدين، فظهرت مؤخراً شخصيات تنافس الحزب في راديكاليته مثل، ميرال أكشنار التي أسست في عام 2017 حزبها «الجيد» بعد انشقاقها عن «حزب الحركة القومية». حزب «الجيد» استطاع اكتساب عدد من المنشقين عن «حزب الشعب الجمهوري» وعلى رأسهم نواب في البرلمان، كما استطاع خلق كثير من الجدل حول طرحه الذي يتلخص في وجود تعارض بين القومية والدين.

ارتباط أي حزب بالنجاح الاقتصادي في غياب سياق فكري وتربوي، خطورته أن العلاقة مع الناخبين تكون محصورة في نطاق الفائدة المادية
سوف يجد الناخب التركي نفسه أمام وجهتي نظر، الأولى التي يمثلها أردوغان، والتي تمثل الاعتزاز القومي، وتعتبر التاريخ الإسلامي والسلطاني للبلاد جزءاً منه، والثانية التي تمثلها أكشنار، التي تنوي الترشح كمستقلة وغيرها من رموز المعارضة، من الذين لا يميلون لتمجيد السلاطين العثمانيين، وبشكل خاص السلطان عبد الحميد، ويعتبرون أن إسقاطه كان مسألة لا بد منها.
هذا لا يجعلنا أمام برنامجين انتخابيين، بقدر ما يجعلنا أمام قراءتين للتاريخ، فالأحداث المتلاحقة، التي أدت لإسقاط حكم السلطان عبد الحميد وزوال حكمه، والتي يراها البعض مؤامرة وخيانة، هي من وجهة نظر آخرين، عمل وطني، فأكشينار مثلًا رددت بافتخار، وفي أكثر من محفل، قصة جدها الذي كان مساهماً في تقويض سلطة عبد الحميد، وتمت معاقبته على ذلك بالنفي إلى اليونان. في نظرتها لأردوغان ترى أكشنار أنه شبيه بعبد الحميد، لكن هذا بالنسبة لها ليس شيئاً إيجابياً، بل هو على العكس من ذلك يحوّل الرجل إلى عقبة لا بد من إسقاطها، أي أن أكشنار ترى نفسها امتدادا لمشروع جدها. الشائعة التي تدور حول أن أكشنار ليست مؤمنة بالإسلام، والتي استندت إلى آرائها التي تنزع القدسية عن القرآن الكريم خصمت الكثير من رصيدها الشعبي، فالمؤكد أن الشعب التركي لن يصوت في غالبيته لمن يسخر من معتقداته، وهو السبب نفسه، الذي يقلل حظوظ كليجدار أوغلو زعيم «حزب الشعب الجمهوري»، بسبب انتمائه للطائفة العَلوية. في خضم ذلك يطرح سؤال مهم عما إذا كانت حساسية الأجنحة المتطرفة من السلطان عبد الحميد، ومن السلطنة العثمانية تعود لأن ذلك كان حكماً استبدادياً ورجعياً، وهو ما آمن به كثير من الداعمين السابقين للجمعيات التي حاربت من أجل خلع السلطان؟ أم أن المسألة ليست سوى عداء للإسلام ذاته؟ نقاد أكشنار يرون أن تمجيدها الزائد لمعركة خلع السلطان، بما احتوته من جرائم راح ضحيتها الكثير من الأبرياء، الذين امتلأت جسور إسطنبول بجثثهم المعلقة، خطير، لأنه يشير إلى أنها تؤمن بمسلك ممتلئ بالعنف ومتقوٍ بالأجانب.
أما حزب «العدالة والتنمية» الذي بدأ بداية قوية بحصوله على أغلب مقاعد البرلمان في عام 2002، والذي حقق نجاحات لا يمكن إنكارها على صعيد العلاقات الخارجية والاقتصاد، فيدخل بعد إكمال عقده الثاني، مرحلة لا تخلو من التحديات. الحزب، وإن كان استطاع، خلال الأشهر الماضية، ترميم إشكالاته مع أغلب دول محيطه، خاصة العربية منها، إلا أن التحدي الاقتصادي ما يزال بالنسبة إليه كبيراً، فالليرة التي كانت تقترب من الدولار في قيمتها في سنوات الصعود أصبحت بعيدة جدا عنه اليوم. المحافظون، الذين يمثلون الكتلة الانتخابية الأهم لصالح «العدالة والتنمية»، والذين يعتبرون أن برنامج الحزب يمثلهم، مقابل أصوات العلمانيين المتطرفين، يوجهون إليه أيضاً انتقادات ملخصها أنه اهتم بالطفرة الاقتصادية والاستقرار السياسي، لكنه أغفل الجانب التربوي والتعليمي والإعلامي. هذا يفسر بنظرهم وجود مسلسلات تركية مسيئة للتاريخ العثماني، كما يفسر وجود فقرات في المنهج التعليمي منتقدة للدين الإسلامي، أو رابطة بين التقدم والتحرر من تعاليمه. كثيراً ما يشير أولئك أيضاً إلى أن نجاحات الحزب في تنزيل القيم الإسلامية ما يزال متواضعاً، فحتى مسألة تقرير حرية ارتداء الحجاب، التي تعتبر من النجاحات المهمة، هي بالنسبة إليهم نتاج تنازل كبير، فقانون عام 2013، الذي ساهم «الشعب الجمهوري» في تمريره، لا يدور حول منح الحق في تغطية الرأس، وإنما اسمه «حرية اختيار الزي» والفارق أنه يعطي الحق في ارتداء الحجاب أو النقاب، لكنه يعطي الحق أيضاً في الخروج إلى الشارع، أو العمل بلباسٍ عارٍ، أو غير محتشم.
تركيز الحزب على المسألة الاقتصادية التي حقق فيها نجاحات كبيرة، من قبيل حذف أصفار كثيرة من العملة وتسديد الديون وتوفير الكثير من فرص العمل، جعله يحصد أصوات الناخبين بسهولة على مرّ السنين، لكن ارتباط الحزب بالنجاح الاقتصادي في غياب سياق فكري وتربوي، خطورته أن العلاقة مع الناخبين تكون محصورة في نطاق الفائدة المادية، التي إن تعثرت أو تأخرت، فإنه سيكون من السهل سحب الملايين منهم لخيارات بديلة، وهو ما حدث بالفعل خلال الانتخابات السابقة التي خسر فيها حزب أردوغان الكثير من الأصوات، واحتاج لأول مرة أن يدخل في تحالف مع حزب آخر، هو «الحركة القومية». في مقابل هذا التحالف «تحالف الشعب»، أنشأت أحزاب المعارضة الستة الكبرى تحالف «الأمة»، لكن هذا التحالف فيه مشكلة وهي، أنه لم يستطع حتى الآن اختيار مرشح متفق عليه للتقدم في مواجهة أردوغان، وهو الإشكال الذي قد يهدد مستقبل الإئتلاف المعارض.
ما يزال الوقت باكراً لتوقع ما ستحمله نتيجة الانتخابات، المتزامنة مع الذكرى المئة لتأسيس الجمهورية، لكن الأكيد أنها لن تكون معركة سهلة بالنسبة لجميع الأطراف.
كاتب سوداني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى