تركيا واستعصاء سنجار
رستم محمود

هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالقيام بعملية عسكرية واسعة في منطقة سنجار شمال غرب العراق، لإخلائها من مُقاتلي حزب العُمال الكردستاني، أو الفصائل المُشكلة الموالية للحزب الكردي الذي يخوض كفاحاً مُسلحاً ضد تركيا منذ أربعة عقود وحتى الآن.
تصريحات الرئيس التركي التي صدرت، يوم السبت، جاءت عقب يومين فحسب من زيارة وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إلى العراق، شملت كل من العاصمة الاتحادية بغداد وإقليم كردستان العراق، صرح خلالها بأنه ناقش مع المسؤولين العراقيين مسألة الوضع الأمني والسياسي في منطقة سنجار، إلى جانب التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي بين الدولتين.

مراقبون متابعون لملف العلاقات العراقية التركية رأوا في تصريحات أردوغان تصعيداً استثنائياً، يزيد من حدة التعقيد الجيوسياسي والأمني المحيط بملف منطقة سنجار، التي تتداخل فيها ملفات العلاقات الكردية البينية إلى جانب التوازن بين إقليم كردستان والحكومة المركزية العراقية، والمزاحمة والنفوذ الإيراني والأميركي، فمنطقة سنجار الحدودية تُعتبر مركزاً لتلاقي الملفات والحساسيات الأمنية والسياسية.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

حضور المقاتلين الأكراد المرتبطين أو القريبين من حزب العُمال الكردستاني في منطقة سنجار الجبلية الحدودية بين سوريا والعراق بدأ منذ صيف العام 2014، بعدما اجتاح تنظيم داعش الإرهابي تلك المنطقة ذات الأغلبية السكانية اليزيدية/الكردية، ومارس عمليات إبادة جماعية بحق أبناء تلك الديانة، فأندفع المقاتلون الأكراد القريبون من العمال الكردستاني من داخل الأراضي السورية، وخاضوا معارك ضد تنظيم داعش، وما لبسوا أن حافظوا عسكرياً وأمنياً على المناطق التي حرروها، رافضين إخلاءها، وأسسوا بعض الهيئات والمؤسسات الخدمية والاقتصادية الرديفة لهم.

في شهر سبتمبر المنصرم، وقعت الحكومة المركزية العراقية أتفاقاً سياسياً/أمنياً مع حكومة إقليم كردستان العراق بشأن منطقة سنجار، كان يتضمن توافقاً بشأن نشر قوات الجيش العراقي في تلك المنطقة، إلى جانب تشكيل وحدات للأمن الداخلي، مؤلفاً أساساً من متطوعين من السكان المحليين من تلك المنطقة. بنود الاتفاق تضمنت أيضاً إخراج جميع الفصائل المسلحة، بما في ذلك فصائل الحشد الشعبي العراقية والوحدات المُقربة من حزب العُمال الكردستاني، وإعادة تشكيل المؤسسات الإدارية والخدمية في منطقة سنجار، بتوافق بين الحكومتين الاتحادية والإقليمية.

لم يُنفذ الاتفاق بشكل تفصيلي، وبقي متعثراً منذ ذلك الوقت. مراقبون متابعون للملف أرجعوا ذلك إلى ثلاثة أسباب: فإقليم كردستان العراق لا يرغب بأية مواجهة عسكرية مع المقاتلين الأكراد في تلك المنطقة، ويسعى لأن يُحل الملف بطرق دبلوماسية. إلى جانب الصعوبات الأمنية التي تواجه الحكومة العراقية في مختلف مناطق العراق، وكذلك للنفوذ السياسي والعسكري الذي تتمتع به فصائل الحشد الشعبي التي تملك نفوذاً في منطقة سنجار.

أثناء زيارته الرسمية إلى العراق، عبر وزير الدفاع التركي عن تأييد بلاده لتنفيذ تلك الاتفاقية، طارحاً دعم بلاده للجيش العراقي في حال رغبته تنفيذه عملية عسكرية واسعة في تلك المنطقة. لكن تصريحات الرئيس التركي الأخيرة جاءت خارج السياق تماماً.

محطة “خبر تورك” التلفزيونية شبه الرسمية، نشرت تقريراً تحليلياً تفصيلياً حول الصعوبات التي قد تواجه أية عملية عسكرية تركية متوقعة. فالمنطقة الجبلية القاحلة تبعد أكثر من 100 كيلومتر عن معبر “إبراهيم خليل” الحدودي بين تركيا والعراق، ونفس المسافة عن الحدود مع كل من سوريا ومدينة الموصل، أي أنها تقع في عمق الأراضي العراقية، وليست مجرد منطقة حدودية، مثلما تفعل تركيا تقليدياً في مواجهتها لمقاتلي حزب العمال الكردستاني.

التقرير أشار إلى أن منطقة سنجار تشكل قاعدة لوجستية أمنياً وعسكرياً لمقاتلي حزب العمال الكردستاني، الذين يستخدمونها كمعبر للتواصل بين مناطق نفوذ الحزب داخل الأراضي السوري شرق نهر الفرات ومعسكرات الحزب في المناطق الجبلية الحدودية بين تركيا والعراق.

الكاتب والباحث التركي جتينير دانير نشر مقالة مطولة، حلل فيها العوامل الإقليمية المعقدة المحيطة بمسألة سنجار: “عندما نجح حزب العمال الكردستاني في إقامة علاقات متوازنة بين إيران والولايات المتحدة في الوقت المناسب، تعاون مع الولايات المتحدة في سوريا، في معسكرات قنديل الحدودية، قام بحماية إيران من معارضيها العسكريين، وخاصة تنظيمات مثل القاعدة ذات الأصول السنية، وعمل كحارس حدود. ومع ذلك، كانت سنجار مهمة، وحكمت منظمة حزب العمال الكردستاني “الإرهابية” كلاً من الولايات المتحدة وإيران في هذا الوطن الجديد وكانت سعيدة. تسبب وجود داعش وحقيقة أن الجماعات الشيعية تقاتل داعش في المنطقة، في التزام الولايات المتحدة الصمت تجاه هذه العلاقة المعقدة، على الرغم من الاعتراف بحزب العمال الكردستاني كمنظمة إرهابية”.

موقع   VERYANSINنشر مادة تحليلية كتبتها أريا جلبي، حددت فيها الصعوبات السياسية التي قد تواجه تركيا في هذا الملف: “عشرات الآلاف من اليزيدين لم يتمكنوا من العودة إلى ديارهم، عندما تعرضوا رسمياً لإبادة جماعية على يد تنظيم داعش. من ناحية أخرى، أنشأ حزب العمال الكردستاني قوة مسلحة تتكون من مجموعة صغيرة من اليزيدين تحت اسم YBŞوبدأ في استغلال اليزيدين في الشتات. هذا إلى جانب الهجوم الإرهابي الأخير الذي استهدف العاصمة العراقية بغداد. فبعد الهجوم تشير مصادر موثوقة إلى أن العراق واجه صعوبات مختلفة وأن هناك إقالات رفيعة المستوى في الجيش العراقي، وأن حكومة بغداد لن تتخذ قراراً بشأن العمليات الحاسمة قبل أن تتضح سياسة الرئيس الأمريكي الجديد بايدن في العراق”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى