ترَامب الجمهوري الفاشي
نور الدين ثنيو

مع ترامب يدخل الحزب الجمهوري الأمريكي أعلى مراتب التطرف السياسي، الأمر الذي يحثنا على البحث عن المصطلح، الذي يناسب السلوك السياسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وأقرب ما يناسبه هو مصطلح الفاشي، الذي ساد زمن موسوليني سنوات الثلاثينيات من القرن العشرين، ثم حظي المصطلح بالثراء والخصوبة، وامتد ليشرح ويوضح التطرف السياسي والغلو الأيديولوجي، والسَّعي اللاهث وراء الاغتصاب والاستيلاء والانتهاك، كل هذا التصرفات تندرج ضمن مفهوم الفاشي والفاشية. فالسلوك الذي عبّر به الرئيس الجمهوري ينم عن رغبة مـتأصلة فيه لا تخطئ مصالحه الخاصة له ولأمريكا فقط.
وعليه، فقد بلغت هذه السياسة في عهده حدّا تجاوز المعقول والمتعارف عليه، ليس في السياسة الداخلية فحسب، التي استاء منها الجميع بسبب الفضائح المتوالية: المالية، والسياسية، والأخلاقية، بل بجهله شبه التام بأصول النظام السياسي العالمي أيضا، حيث انفضح أمره الخائب عندما دخل البيت الأبيض وهو لا يعرف القيمة الدولية للولايات المتحدة الأمريكية، ووزن سياستها العالمية، وأن العصر الذي نعيش فيه هو عصر أمريكي بامتياز. كل هذا انصرف عنه وضرب به عرض الحائط، واستمات فقط في سياسة متطرفة قائمة على أصول الرِّبا، والقمار والجنس والعبث السياسي. أدخل أمريكا في جحيم لا يقدّر عواقبه إلا من أوتي الحكمة والفطنة والذكاء، لكي يتصّور سيناريو كارثيا جديدا يفوق الحادث المدلهم ليوم 11 سبتمبر/ أيلول2001، اليوم المشهود في حياة الرئيس الجمهوري بوش الابن.
جاء ترامب من اليمين المتطرف المغالي، الذي لا يمكن أن ننتظر منه إلا الكوارث السياسية، والأحداث الأمنية من دمار وخراب، لأن أساس سياسته الظلم والاعتداء الصارخ والاستحواذ على مال ومصالح الغير، عبر سياسة وحيدة الطرف. فقد بلغت به العربدة السياسية، أن ينسحب من المعاهدات، كما تملي عليه نزواته وأهواءه، بل يمارس وينفذ ما تمليه عليه الصهيونية ومرابي المال الفاسد في آخر طرازه، عندما يعني الرأسمالية المتطرفة أو الفاشية. الرئيس الأمريكي الحالي لا يبالي إطلاقا بالسياسة في معناها النبيل ومدلولها الذي يخدم المجتمع الدولي، فنظره قاصر على مصلحته، التي تمر عبر مصلحة أمريكا والمال الصهيوني. وأفضل مسلك للفرار من الملاحقات القضائية والجرائم السياسية هو خلطه المال ومزيد من المال بالسياسة. والذين رافقوا الرئيس ترامب في تصرفاته وسلوكياته لم يبعدوا إطلاقا شبهه الكبير، بفكر وأعمال مؤسس الفاشية الزعيم الإيطالي موسوليني، تلك هي الحقيقة التي تَرَسَّخت لديه، ومنها يأتي كل الدَّمار والخراب الذي يُرتسم لأمريكا في هذه الحقبة الصعبة على الأمريكيين. فقد أدخل البلاد في أتون من الفوضى الأخلاقية والسياسة الساذجة، والفكر العَدمي والأيديولوجيا الخائبة، بما لا يليق بالمكانة الدولية لأمريكا، كجهة للتحكيم الدولي والاعتدال والتدخل المنصف، على ما كانت عليه طوال النصف الأول من القرن العشرين، وما حاولت أن تكون عليه سياسة الحزب الديمقراطي في عهدات حكم هذا الحزب، كان آخرهم الرئيس باراك أوباما (2008 – 2016).

عندما يخرج ترامب أمريكا عن جادة الصواب، على الجميع أن يمسك أنفاسه، مخافة وقوع الحدث المدلهم، لأنه يحاول أن يَسْلب من غير الأمريكيين، خاصة العرب والمسلمين، كل ما يحفظ كرامتهم وعزتهم وتراثهم، ناهيك عن أموالهم ومجالاتهم الحيوية. وعندما تُجَرَّد الأمة من إمكانياتها، وتُحرم من التنمية بسبب حصار ظالم، تفكر حالا في الرد الفاجع والتصدي المؤلم، بل تفكر في سيناريو يفوق 11 سبتمبر 2001. فالسياسة الفاشية في كل مفرداتها ومعانيها، على ما تجري على يد سيد البيت الأبيض ترامب، دعوة إلى رد الصَّاع صاعين، كما هو الحال في إيران، التي تصرّ على البحث عن سلاح الدمار الشامل للخروج من الحصار الأمريكي عليها، وسياسة الإمعان في احتكار إسرائيل وحدها القدرة على استخدام سلاح الدمار الشامل. الحقيقة، أن ما ينُمُّ عن إفلاس السياسة الأمريكية في عهد الرئيس ترامب، هو هشاشة الديمقراطية، عندما عجزت عن تصحيح سياسة البيت الأبيض، بعدما اكتشف فساد صاحبها المطلق. فقد مرّت كل عهدة الرئيس في المحاكمات، وصياغة البيانات وتقديم التقارير عن سياسته الفاشلة، وحيدة الطرف. والتصرف العنجهي والتَّباهي بصهيونيته، بلغ مداه وذروته بتكريم إسرائيل بهدايا من حقوق العرب والمسلمين، واغتيال ناشطيها، كان آخرها «صفقة القرن» التي تم «طبخها» على طريقة الذي لا يؤمن بأي سلّم أخلاقي وعدالة إنسانية. وعليه، فلينتبه الجميع من الرئيس الذي يحتل البيت الأبيض بالمال الفاسد والسياسة الطائشة، وليتحمّل الجميع ثمن السكوت عن سياسته التي تجر الجميع إلى المهالك والخراب، لأنها تلح على البحث عن الرد القاسي والقاصم، ليس لشخص الرئيس، الذي لم يفهم بأنه مؤسسة بحجم العالم، بل تحل بالأساس بالشعب الأمريكي كله، وكلّه يعني كلّه.
الشعوب المسْتَضعفة لم تعد تعنيها الأنظمة التي تحكمها، بقدر ما أنها تفكر في أفضل السبل والطرق، للخروج عليها وضرب من يقف وراءها من الأنظمة الأجنبية، على ما قام به تنظيم «القاعدة» والرد الفاجع لأسامة بن لادن على سياسة أمريكا في أفغانستان، عندما بَخَست تعاون «القاعدة» معها، وتركت البلد مفتوحا على احتمالات ضرب بعض الدول الأخرى المجاورة مثل إيران، وتداعياتها المحتملة على منطقة الشرق الأوسط برمته. وبسبب سياستها الرعناء تلقت أمريكا ضربة تشبه يوم القيامة، عندما تحوّلت أكبر مدينة في العالم إلى رماد، ورماد حقيقي، لم يخرج سكّان مدينة نيويورك من كَابُوسِه إلا بعد أيام. وها هو الرئيس الحالي في البيت الأبيض يعاند ويستميت في سياسته التي تعرض أمريكا والشعب الأمريكي لضربة قاصمة لا تبقي ولا تذر. الحقيقة، أن ترامب لا يُقَدِّر ما يفعله إلا لحظة الدَّمار الشامل، الذي صار سهلا على التنظيمات والمجموعات، التي تريد أن تقتص لنفسها، على طريقة «القاعدة» و»داعش»، والمقبل أعظم.
سياسة ترامب سياسة الإنسان الساذج، الذي وصل إلى سدة الحكم عبر ديمقراطية هشة، آلت إليها السياسة الدولية، بسبب عجز هيئة الأمم المتحدة عن تجديد نفسها في صلتها بالمجتمع الدولي. ولعلّ أكبر مفارقة لا تزال تحكم السياسة الدولية هي تكريس نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، فيما أن واقع الدول اليوم مختلف تماما، بحيث لا يمكن أن نساوي بين فرنسا والصين، ولا بين بريطانيا وروسيا. ونقصد ماذا لو أقامت روسيا تحالفا خاصا بها، وماذا لو أقامت الصين تحالفا خاصا بها، وماذا لو اجتمعت دول شرق آسيا ضمن محور أو حلف خاص بها وهكذا. فأصل الغباء في سياسة تَرامْب أنه لا يدرك المحتمل والممكن جدّا في السياسة الدولية، التي يمكن أن تُسقط أمريكا إلى الحضيض. فالرفق به، على ما تفعل المجموعة الأوروبية التي تسكت على منكراته وانتهاكاته، سكوت يترجم هشاشة الديمقراطية التي تشُل أشخاص القانون الدولي عن تصحيح الوضع الفاسد والحالة الشاذة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى