تغيير الحكومة في طرابلس لم يغير من واقع المليشيات !!

اعتبر تقرير أرجنتيني أن مُهرب البشر والوقود المُعاقب دوليًا، عبد الرحمن ميلاد، المعروف باسم “البيدجا”، أحد أكثر الشخصيات شرًا وتعقيدًا في العالم في الوقت الحالي، ورأى أنه “مع كل تناقضاته، هو الشخص الأفضل لتلخيص الأزمة التي تمر بها ليبيا منذ سقوط النظام السابق .
وذكر تقرير مطوّل لموقع “إنفوباي” الأرجنتينية، أن “البيدجا”، أحد أكبر مهربي البشر في العالم، ومسؤول عن عشرات المئات من حطام السفن في البحر الأبيض المتوسط، وهو متهم من قبل مجلس الأمن الدولي بإغراق قوارب المهاجرين الذين وعدهم بنقلهم إلى أوروبا عبر المتوسط، منوها بأنه كان قد اعتقل في أكتوبر الماضي، وبعد تشكيل حكومة الوحدة المؤقتة تم إطلاق سراحه.
وأشار إلى أنه رسميًا “قائد خفر السواحل” في مدينة الزاوية، مضيفا “في ظل هذا المنصب شارك في 11 مايو 2017م، في اجتماع سري مثير للجدل للغاية مع أعضاء المخابرات الإيطالية في كاتانيا، بصقلية، لكن تم الكشف عن هذا الاجتماع في عام 2019م، من قبل صحيفة أفينير الإيطالية”.
وأفاد التقرير بأن محادثات الإيطاليين مع “البيدجا” دارت حول أزمة الهجرة التي أثرت على أوروبا منذ عام 2014م، بسبب وصول ملايين الأشخاص إلى شواطئها عبر البحر الأبيض المتوسط، هاربين من الحرب والجوع في سوريا والعراق وإريتريا والعديد من البلدان الأخرى في الشرق، وأفريقيا.
وأوضح أن السلطات الإيطالية احتاجت إلى ليبيا، باعتبارها ميناء المغادرة الرئيسي للسفن التي تحمل مهاجرين من إفريقيا، للقيام بكل ما يلزم لإنهاء التدفق المستمر، وأن البيدجا طلب الموارد في المقابل لشراء السفن وتعزيز عمليات المكافحة على الساحل.
واستدرك: “كان البيدجا في الواقع يطلب المال للسيطرة على نفسه، لأنه أيضًا واحدًا من المتاجرين بالبشر الرئيسيين، وعصابته تتقاضى آلاف الدولارات ممن ينوون الهجرة، حيث يأخذهم محشورين بالكامل في قوارب محفوفة بالمخاطر إلى ما يسمى مناطق الإنقاذ، على بعد بضعة كيلومترات من الساحل الإيطالي، على سبيل المثال، جزيرة لامبيدوزا”.
وبيّن أنهم هناك يكسرون محركاتهم ويتركون المهاجرين على غير هدى، مما يجبر خفر السواحل الإيطالي على إنقاذهم ونقلهم إلى مركز استقبال، وعندما تفاجئهم الدوريات البحرية قبل الوصول إلى المياه الأوروبية، يطلقون النار مباشرة على القوارب ويغرقونها، مؤكدًا أن البيدجا متهم بمقتل العشرات من الأشخاص في حطام تلك السفن.
ولفت إلى أنه حقق شهرة كبيرة لأنشطته لدرجة أن مجلس الأمن فرض عقوبات عليه في يونيو 2018م، مضيفًا: “دعمت الأمم المتحدة حكومة الوفاق المُنتهية ولايتها، لذلك كان بإمكانها إحراز تقدم في ذلك”.
ولفت التقرير إلى ما كتبه البيدجا عبر حسابه على “فيس بوك” قائلاً: “الصحافة كتبت عني أخباراً مزيفة، بأنه تم اعتقالي على الرغم من أنني سلمت نفسي، وهذه الحملات الإعلامية صدرت بأوامر من بعض السياسيين الذين نسوا أن عبد الرحمن الميلاد كان يحمي سواحل ليبيا منذ سنوات”، حيث علق التقرير بأنه من الواضح أن السياسيين الآخرين تذكروا ذلك أو غيرها من الخدمات التي يدينون بها له، لأنه تم الإعلان عن إطلاق سراحه هذا الأسبوع.
وأضاف: “كان ذلك بعد تغيير السلطات في طرابلس، في 10 مارس الماضي، بعد توقيع اتفاق السلام حيث تم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية لتحل محل حكومة الوفاق”.
واستطرد بأنه في وجود المنفي، الذي خلف السراج في المجلس الرئاسي، تم إطلاق سراح البيدجا خلال شهر واحد فقط، منوها بما قاله النائب العام من أن “الأدلة ضده غير كافية”، معلقًا: “الرجل الذي يعتبره مجلس الأمن الدولي مجرمًا دوليا قوبل بالعناق والتصفيق في الزاوية”.
وقالت المحللة الليبية في قضايا الإرهاب والتطرف ومؤسس مدونة المنظمات غير الحكومية على الطريق آية بورويلة، لـ”إنفوباي”: “على الرغم من حدوث تغيير في الحكومة، لم يطرأ أي تغيير على الأرض من حيث وجود الميليشيات والشبكات الإجرامية في غرب ليبيا، حيث استمروا في التصرف كالمعتاد، فحلقة الوقود والإتجار بالبشر في الزاوية هي عصابة قوية وتتمتع بعلاقات وثيقة مع رئيس ما يسمى “مجلس الدولة” خالد المشري، وربما يكون المدعي العام قد تعرض لضغوط للإفراج عن البيدجا، مما يوضح بشكل أكبر كيف أن وجود الميليشيات لا يهدد سلامة المواطنين فحسب، بل يمكن أن يعطل سير العدالة ويجعل الاستسلام شبه مستحيل في ليبيا”.
ونوه التقرير بما اتهم به مجلس الأمن الدولي “البيدجا” وأعضاء آخرون من خفر السواحل متورطون بشكل مباشر في غرق قوارب المهاجرين باستخدام الأسلحة النارية، حيث يتعاون “البيدجا” مع مهربي مهاجرين آخرين، مثل محمد كشلاف، الذي بحسب المصادر، يحميه للقيام بعمليات غير مشروعة تتعلق بالاتجار بالمهاجرين وتهريبهم”.
وأضافت براديلا: “كان أحمد الدباشي رئيسًا لخفر سواحل مصفاة الزاوية، وكان البيدجا قائدًا لخفر السواحل بالزاوية وقائدًا بلا منازع للاتجار بالبشر، وعندما توصلت المخابرات الإيطالية إلى اتفاقات مع الميليشيات والقبائل المحلية لوقف الهجرة من ليبيا، بدأ الدباشي والبيدجا في التعاون”.
وأكدت أنه عندما اندلعت الفوضى، بدأت المليشيات والتنظيمات الإجرامية في الانتشار دون أن تتمكن أي سلطة من تنظيمها، إضافة إلى تكاثر الصراعات السياسية والاجتماعية في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وتابعت براديلا: “قصف الناتو ليبيا في عام 2011م، ودشن صراعًا من أجل الوصول إلى الثروة النفطية وانتهى الأمر إلى تمكين الميليشيات، التي بدأت في التنافس على السيطرة على الموارد والحدود والمرافق الرئيسية، وتم دمجها في مؤسسات الدولة”، موضحا أن ذلك أدى إلى انهيار سلطات الدولة المركزية، وانقسام سياسي عززته قوى إمبريالية وإقليمية متنافسة تقدم الدعم للميليشيات المختلفة لضمان استخراج الموارد الليبية، سواء بشكل قانوني أو غير قانوني.
ورأى أن أوروبا لم تجد من تتحاور معه لوضع حد لوصول المهاجرين، بينما في بحر إيجه، تمكنوا من الاتفاق مع الرئيس التركي أردوغان، على وسيلة للخروج إلى أوروبا لمئات الآلاف من السوريين.
وتطرق التقرير مجددًا لاجتماع 2017م، في كاتانيا، والذي شارك فيه البيدجا، موضحا أنه كان جزءًا من هذا الإطار، عندما أدركت السلطات الإيطالية أنه بدأ هو ومجموعات أخرى في السيطرة على المناطق الساحلية بالقرب من طرابلس، واتفقت معهم على محاولة احتواء المهاجرين، مؤكدا أنه ليس معروفًا ما الذي حصلوا عليه في المقابل، لكن الاتفاقية أتت ثمارها للأوروبيين، لأن عدد الأشخاص القادمين عبر البحر انخفض بشكل كبير.
وتطرق إلى ذكر أعداد المهاجرين، موضحا أنه كان 119369 شخصًا في عام 2017م، وكان الرقم القياسي هو 181،436 في عام 2016م، وارتفع إلى 23،370 في عام 2018م، و11،471 في عام 2019م، وفقًا لمفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، منوها بأن الجانب الآخر بخلاف الأعداد هو الأساليب الوحشية التي تستخدمها المنظمات الإجرامية وخفر السواحل الليبي لوقف الراغبين في الهجرة.
وأكد أن المهاجرين يستمرون في الوصول إلى ليبيا على أمل الانطلاق، لكن المهربين يقومون بحبسهم في مراكز الاحتجاز حيث لا تُحترم أبسط احتياجات الإنسان وحقوقه، فهم لا يعانون فقط من الاكتظاظ، بل يكاد لا يحصلون على أي طعام وليس لديهم مراحيض.
ولفت إلى أن الذين مروا بهذه الأماكن يصفونها بأنها جحيم لا يمكن تصوره لشخص لم يكن هناك، والمجرمون لا يتوقفون عن ممارسة الأعمال التجارية، بالتواطؤ المباشر للسلطات الأوروبية، مضيفا أن المهربين في عدة مرات يقومون بجمع الفدية من أقارب الأشخاص الذين يحتجزونهم مقابل إطلاق سراحهم.
وذكر أنه على مدى السنوات القليلة الماضية، كان الاتحاد الأوروبي يمول أو يغض الطرف عن أنشطة خفر السواحل التابع للسراج ومجموعات أخرى من رجال الميليشيات الذين يقومون بدوريات في البحار، في محاولة للحد من عبور اللاجئين والمهاجرين، مؤكدا أن هذا التعاون يحرر الاتحاد الأوروبي من أي مسؤولية تجاه هؤلاء الأشخاص، لكنه يضع هؤلاء اللاجئين أيضًا تحت رحمة هذه الجماعات الفاسدة.
وتطرق إلى تقرير مجلس الأمن الذي اتهم البيدجا بالمشاركة في هذه الأعمال، حيث جاء فيه أنه “في التحقيقات الجنائية، شهد العديد من الشهود أن مسلحين التقطوهم في البحر على متن سفينة حرس سواحل تدعى تليل يستخدمها البيدجا، وأخذوهم إلى مركز احتجاز النصر، حيث بقي المهاجرون في ظروف وحشية ويزعم أنهم تعرضوا للضرب “.
وبحسب براديلا، تغيير الحكومة في طرابلس لم يغير هذا الواقع على الأقل، وإطلاق سراح البيدجا هو أكبر دليل.
وبحسب الباحثة فرانشيسكا مانوتشي، فإن اعتقال البيدجا لم يكن مرتبطا بمطالبة الأمم المتحدة، بل بالصراعات الداخلية بين الميليشيات، وفي رأيها، لم يتم اعتقال البيدجا، لكنه استسلم وهو يعلم أنه سيُكافأ عند إطلاق سراحه، ورأت أنه، في الواقع، تمت ترقيته إلى رتبة أعلى في خفر السواحل، لذا “فإن ميليشيات الزاوية أكثر اندماجًا في الحكومة الجديدة، والنتيجة الرئيسية، في رأيي، هي زيادة تعزيز نظام انتهاكات حقوق الإنسان والتعذيب والابتزاز والعنف ضد المهاجرين”، بحسب قولها.
وأكدت أن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يجعل من الممكن التطلع إلى سيطرة أكبر على نشاط هذه المافيات هو إعادة تشكيل الدولة الليبية، وإذا تم تحقيق مركزية السلطة بحيث يمكن أن تطمح الدولة بعد ذلك إلى احتكار القوة في جميع المناطق.
وبحسب آية بورويلة: “يواصل المتاجرون بالبشر العمل دون عقاب وبتواطؤ من المسؤولين الحكوميين وخفر السواحل والهجرة والأمن والدفاع وأعضاء الجماعات المسلحة المندمجين رسمياً في مؤسسات الدولة”، وحتى الآن، لم يتم اتخاذ أي إجراء على الأرض لمعالجة مشكلة الميليشيات والشبكات الإجرامية في طرابلس، والتي كانت مستوطنة منذ عام 2011م.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى