تناقضات التكنوقراط في صراعات السياسة ومنطق التاريخ
بشير عمري

ليس من شيء يمكن أن تحرص عليه الجماعات الحاكمة في أي بلد، خارج شروط الديمقراطية الحقة، والعمل السياسي الفعلي، هو أن تستقطب الطاقات الحاملة لخطاب نقدي منزوع السياسة منقوص السيادة، يرتكن للاجرائية المجردة، ويرتكز على الهوامش التقنية بجعلها على رأس عناصر الأزمة التي تعصف بالبلد.

هكذا كان الحال مع المجموعة الانقلابية في الجزائر سنة 1992 حين انتدبت لنفسها بعض الطاقات على مستوى كل المؤسسات الانتاجية والتنظيمية خارج النسق السياسي الذي اعتدت عليه وأقفته بالعنف والقوة من خلال تةوقيف المسارين الانتخابي والديمقراطي معا، وكانت النتيجة أن تراجع دور السياسة في انتاج نخب التدبير والتفكير في مقابل تضخم نخب التسيير التي ستستولي فيما بعد على مناصب سياسية فيعم الفساد وتصل البلاد حد الانسداد.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

هذا النموذج ممن ينعتون بالتيكنوقراط، الذين يراد بهم في الكثير من المحطات المأزومة، ضرب العمل السياسي بدعوى حياديتهم وولائهم الأول للمهنية قبل أي من الولاءات التي قد تفرضها حسابات سياسية، يكاد يصبح في تجربة الجزائر السياسية، سواء في التاريخ أو وفي طبيعة الممارسة، خاصا، وذلك نتيجة توظيفه السياسوي المفرط من قبل النظام للعبور من على ظهره إلى مرحلة أخرى من الأزمة دون الاهتمام إلى ما يمكن أن ينتجه أو لا ينتجه من حلول تقنية قطاعية.

فما الذي أثار هاته الأيام نواب البرلمان “المزور” كما اعترف به نائب رئيس هذا البرلمان نفسه، جمال الدين طليبة،  الموجود رهن الحبس حاليا بتهم الفساد، ضد وزير الصناعة فرحات آت علي إلى حد أن طالبوا باقالته واستبداله؟

أولا من هو فرحات آيت علي؟ الرجل الذي خاطبه الرئيس تبون بالاسم، مطالبا إياه بإيجاد خطة اقتصادية تخلص الجزائر من وضعها الكارثي الذي تسبب لها فيه نظام بوتفليقة لمدة عشرين سنة، كان ذلك في أول اجتماع لاطارت حكمه يوم أن عرض الفيديو الشهير حول مناطق الظل في الجزائر بكى من هول ما اكتشف الوزير الأول جراد!

فرحات هو إطار اقتصادي من جملة الأطر التي نشأت على السرديات التقنية التي ترصد حركة الارقام وواقع النظريات الاقتصادية في المجتمع وشاكلة سير وتسيير المؤسسات الانتاجية، وبذلك ظل خطابها واقع بين مثالية النظرية ومأساوية الواقع، ويغيب عنها كلية الجانب السببي التاريخي في هذا الخلل الذي ينصرم ويفلت من خطابات ورؤى المثاليات والنظريات المعرفية.

الأمر هذا ساق أحد النواب إلى انتقاده بالقول “كنا نسمع لفرحات آيت علي التحليلات الدقيقة للاقتصاد الوطني وواقع حال وطرائق تسيير المؤسسات ونُسحر ونُعجب بما يروي من كلام ويدلي من أرقام، ويوم تم تعيينه في منصب الوزير، استبشرنا ظننا أن الجزائر ستتحول صناعيا إلى مصاف الدولة المتقدمة وإذا به يعجز عن إدارة شأن قطاع الخاص”!

كان ذلك كلام لنائب موال، المفترض فيه دعم الوزير آيت علي في مشروعه بالتطبيل والتبجيل كما تقتضيه الوظيفة النيابية للموالاة، فما الذي دفع بالموالين لمعاداة وزير يفترض أنه لهم ومنهم؟

أشارت مصادر عدة إلى أن آيت علي لا يقيم وزنا للبرلمان ولا لجانه المختصة، ويبدي في العادة الكثير من العجرفة والاحتقار له، لمعرفته بطبيعة المؤسسة النيابية وكيفية تشكيلها عبر (التعيين) الانتخابي وفق المحاصصة التي تنتج وتُعد قبلا داخل في الأقبية المغلقة، وهذا في حد ذاته موقف سياسي من اقتصادي ( لا يؤمن لا بثورة ولا بسياسة) يريد أن يكرس رؤيته التقنية المحضة بمعزل عن أهم شرط يؤسس لعمل الدولة والحكومة وهو المسار السياسي ذاته.

صحيح أن المجلس الشعبي الوطني (المعين) بالانتخابات المزورة لا يستحق أن يُمنح القيمة ذاتها التي تُمنح للمؤسسات النيابية الحقيقية في العالم الديمقراطي الفعلي، لكن ما الذي حال دون أن يوجد ويتواجد هذا البرلمان الحقيقي؟ إذا لم يكن السطو على إرادة الشعب وبالتالي على السياسة الفعلية التي لم يقم لها فرحات آيت علي نفسه وزنا.

كنا نتابع النقاشات التي كان يشارك فيها الوزير الحالي للصناعة قبل، أثناء وبعد الحراك، ورأينا كيف أن خطابه النقدي كان أشبه بخطاب علي بن الشيخ في عالم الكرة لا يرى  نفسه سوى مركزا للحقيقة الاقتصادية الكونية، فقد انتقد التجربة الجزائرية الاقتصادية عبر كامل مراحلها، ثم انتقد الحراك كونه يعطل باستمراريته (وليس استمرار تعنت اصحاب القرار) لمسار العودة السريعة إلى التنمية، انضم إلى فريق المترشح للرئاسيات العسكري علي غديري، ثم صار يمهد في الحصص التحليلية التي كان يشارك فيها في راديو آم للانضمام إلى عبد المجيد تبون الذي سبق وأن تهجم عليه بالقول أنه النقيض الموضوعي للديمقراطية يوم أعلن هذا الأخير ترشحه للرئاسيات، فتاتضح بجلاء أن الرجل غير مؤمن لا بالديمقراطية ولا بالسياسة وبالتالي لا بالارادة الشعبية للتأسيس لدولة المؤسسات القوية بكفاءتها السيدة أولا ثم سيادة كفاءاتها.

وهذا محل العيب الكبير الذي تعاني منه النخب غير المؤمنة بموقع الشعب من الاعراب وصعوبة رقمه في معادلة التاريخ والتنمية فيه، يغيب عن المثقف التقني الجانب التاريخي المفصلي في حياة الأمم والذي لا يتأتى من غير انخراط المجتمع بالارادة والسيادة اللازمتين من غير قيد او اقتياد جبري قانوني أو تقني أو مثالية خطابية أحادية دوغمائية، وأن ذلك لا يمكنه أن يتأتى لأي مجتمع من غير عمل سياسي شريف تضبطه الأطر القانونية ويسهر عليه نظام قضائي مستقل وترفع السلطة الخفية منها والظاهرة وصايتها عنه.

ولو أن فرحات آيت علي فقط التفت إلى الخلف قليلا،  لوجد أن أطرا تقنية تفوقه مخزونا  معرفيا نظريا  وكفاءة في إدارة المؤسسات الاقتصادية، والأكثر من ذلك تجربة عملية، من مثل أحمد بنم بيتور، عبد اللطيف بن آشنهو وغيرهما، قد سبقته في المغامرة هاته الني يخوضها، ولكنها عجزت عن أن تجنب الجزائر الارتكاسة والانتكاسة التي هي واقعة فيها الآن، لسبب بسيط فقط وهوأنه أريد لها أن تشتغل بخيال تقني يلتهمه خيال سياسي مغلق يخيم بظلمته على كل مسارح المجتمع السياسية الاقتصادية والاجتماعية، ويقطع بالتالي التواصل بين هاته المكونات ليستمر على عرشه وكرشه ليس غير.

 

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى