جرائم الاغتيال الإسرائيلية إرهاب دولة مسكوت عنه
سنية الحسيني 

فتحت عملية اغتيال محسن فخري زاده العالم النووي الإيراني ملف سياسة الاغتيالات التي تنتهجها إسرائيل لتحقيق أهداف سياسية، خصوصاً وأن هذه العملية لن تكون الأخيرة. فقد تواجه إيران المزيد من عمليات الاغتيال لعلماء إيرانيين يعملون في مجال تطوير البرنامج النووي في بلادهم. وطالما لجأت إسرائيل لسياسة الاغتيالات من بين سياسات أخرى للتصدي لأي محاولة تقدم عليها أي دولة من دول المنطقة لتطوير برامجها وقوتها النووية خصوصاً وبرامجها العسكرية المعقدة عموماً. وتعتبر سياسة الاغتيال التي تلجأ اليها الحكومة الإسرائيلية جزءاً من سياسة عامة وأداة استراتيجية توجهها ضد أعدائها لتوسيع الفجوة العسكرية والأمنية لصالحها، فقد اعتبر القادة الإسرائيليون منذ الإعلان عن قيام دولتهم أن العمليات السرية والاغتيالات التي تتجاوز حدود العدو تعتبر أداة مفيدة لتغيير التاريخ، والوسيلة الأنجع للقتال، ويمكن أن تغني عن الحرب. واعتبر مئير داغان، رئيس الموساد السابق الذي خدم لثماني سنوات خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، أن ضرب أهداف محددة، سواء كانت منشأة أو شخصاً يعتبر جزءاً من استراتيجية إسرائيل لمواجهة التهديدات الأمنية.

وتتفوق إسرائيل على دول العالم أجمع في تبنيها لسياسة الاغتيالات، متقدمة على الولايات المتحدة نفسها في تفسيرها وتحديد نطاقها وكثافة استخدامها، فقد ارتكبت إسرائيل عبر تاريخها أكثر من ٢٧٠٠ جريمة اغتيال، ورغم أن الفلسطينيين هم أكثر من عانى من نتائج هذه السياسة، فضربت مقاومتهم على مدار مراحلها المختلفة، وقتل الكثير من قياداتهم على إثرها، الا أن إسرائيل تعطي أيضاً اهتماماً خاصاً لتقويض أي محاولة لدول المنطقة تسعى لاقتناء القوة النووية. وتعتبر إيران اليوم الدولة الوحيدة المتبقية من بين دول المنطقة الأخرى التي تسعى لامتلاك هذا السلاح، كقوة ردع تواجه فيه القوة النووية الإسرائيلية الوحيدة في المنطقة، وكانت قد سلبت إسرائيل كلاً من مصر والعراق وسورية إمكانية الوصول لمثل ذلك الهدف، وتقف في طريق تحقيقه حتى اليوم. وتعتبر إسرائيل أن عملية اغتيال العلماء المتخصصين في مجال تطوير القوة النووية أنجع الطرق لتقويض الوصول اليها، مقارنة بضرب المنشآت النووية والتي لا يقل استهدافها أهمية عن اغتيال العلماء لكن في مرحلة تالية.

بعد عام ٢٠٠٤، ركزت إسرائيل على مواجهة إيران والتصدي لقوتها النووية الناشئة، بعد سقوط بغداد. فقد قام أرييل شارون رئيس وزراء إسرائيل في حينه باستبدال رئيس الموساد إفرايم هاليفي وعين بدل منه  دغان، الذي كان له تجربة في قمع المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة خلال عقد السبعينيات من القرن الماضي، وحددت مهمة دغان بشكل رئيس في مواجهة مشاريع أسلحة الدمار الشامل في البلدان المعادية لإسرائيل وعلى وجه التحدي في إيران. ووضع دغان برنامجاً يحقق ذلك من خلال التخطيط لتعريض إيران لضغوط سياسية واقتصادية بالإضافة إلى تدابير سرية أخرى، فقد شجعت إسرائيل المعارضة الداخلية للنظام الايراني، كما شجعت تكثيف برنامج العقوبات الاقتصادية عليها وركزت بشكل خاص على الضغط لمنع وصول المعدات ذات الاستخدام المزدوج إلى إيران. وتتراوح التدابير السرية التي ركزت عليها إسرائيل ما بين التجسس على تطورات البرنامج النووي وتصل حد اغتيال العلماء النوويين الإيرانيين واستهداف المنشآت النووية الرئيسية في إيران. وتعتقد إسرائيل أن أهم الادوات التي عطلت من تقدم البرنامج النووي الايراني حتى الآن هو اغتيال العلماء.

وساهمت عدة تطورات لحقت المنطقة بمساعدة إسرائيل على استهداف إيران لتحقيق أهدافها، جاء على رأسها الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على الإرهاب، في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول، والتي كانت العراق أحد ضحاياها. الا أن التطور الأكبر الذي حققته إسرائيل كان في نجاحها بتبني مرحلة متقدمة من مراحل سياسة الاغتيالات التي انتهجتها بعد انتفاضة الأقصى، والتي باتت تستخدم فيها صواريخ موجهة من الطائرات في استهداف الفلسطينيين. وكان الشهيد حسين عبيات، الذي اغتيل في التاسع من شهر تشرين الثاني عام ٢٠٠٠ أول ضحايا سياسة الاغتيالات الجديدة، فقد تبنت إسرائيل هذه السياسة قبل أن تتبناها الولايات المتحدة نفسها كوسيلة للاغتيال بعد أحداث أيلول من عام  ٢٠٠١. وكانت إسرائيل قد لجأت منذ قيامها عام ١٩٤٨ وحتى قبل ذلك لاستخدام سياسة الاغتيال من بين سياسات أخرى، للقضاء على المقاومة الفلسطينية في مراحلها المختلفة وسنواتها الطويلة سواء كانت داخل فلسطين أو خارجها وسواء وجهتها ضد العسكري أو القائد السياسي وحتى الفنان والاديب والكتاب لم ينج منها، فكل من شكل خطراً على وجود إسرائيل كان عرضة للاغتيال.

وتتبنى الولايات المتحدة سياسة تطلق عليها القتل المستهدف، تستهدف من خلالها ضحايا الاغتيال عبر صورايخ موجهة، الا أن الولايات المتحدة تميز بينها وبين سياسة الاغتيال، رغم عدم قانونية كلتا السياستين واعتبارهما جرائم حرب حسب القانون الدولي. وتعتبر واشنطن أن سياسة القتل المستهدف توجه ضد المقاتلين فقط في منطقة حرب، الأمر الذي انطبق على عملية اغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في العراق قبل عام تقريباً، في حين أن سياسة الاغتيال التي تبنتها إسرائيل منذ عام ٢٠٠٠ لا تميز بين مقاتل أو غير مقاتل، فاستهدفت السياسي المدني والمقاوم شبه العسكري، كما لم تراع خصوصية أرض الهجوم، فاستهدفت ضحاياها في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي أراضٍ تخضع تحت سلطتها، وكان بامكانها اعتقال هؤلاء المستهدفين بدل اغتيالهم. وكانت إسرائيل سباقة أيضاً في استخدام ما تطلق عليه الولايات المتحدة بالقتل المستهدف، عندما أقدمت على اغتيال عباس الموسوي أمين عام حزب الله في لبنان بصاروخ اطلق من طائرة إسرائيلية عام  ١٩٩٢، معتدية على حدود دولة أخرى.

وكانت إسرائيل قد اغتالت خمسة علماء إيرانيين في إيران، من خلال زرع عبوات ناسفة في سياراتهم ما بين عامي ٢٠١٠ و ٢٠١٢. كما قصفت مفاعل ناتنز النووي في حزيران الماضي، قبل أن تغتال زاده بطريقة معقدة أحرجت الحكومة الايرانية، بهدف احباط تطور المشروع النووي الإيراني. كذلك استهدفت إسرائيل المركز العلمي للبرنامج النووي السوري بريف دمشق عام ٢٠١٣ وكانت قد استهدفت موقعاً شبيهاً عام ٢٠٠٧، كما جرى اغتيال أربعة علماء سوريين ما بين عامي ٢٠١١ و٢٠١٤. ما بين عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، لجأت إسرائيل مبكراً إلى مطاردة واغتيال العلماء والعسكريين العرب الذين كانوا يعملون على تطوير القدرات العسكرية والذرية ومن يعمل معهم من الاجانب، فقد استهدفت إسرائيل مهندسين وخبراء ألماناً، في مصر وسورية بطرود مفخخة، عملوا لصالح تطوير البرنامج المصري الصاروخي، مطلع العقد السادس من القرن الماضي، في عهد الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر، كما اغتال الموساد عالم الذرة المصري سمير نجيب في الولايات المتحدة عام ١٩٦٧، بعد اعلان عبد الناصر رغبته في بناء مفاعل نووي عام ١٩٦٣. وبدأت إسرائيل بملاحقة واغتيال العلماء العراقيين نهاية العقد السابع من القرن الماضي لإحباط المشروع النووي الذي تبناه صدام حسين في حينه. وقامت إسرائيل بقصف مفاعل تموز النووي العراقي مرتين ما بين عامي ١٩٨٠ و١٩٨١،  كما اغتالت إسرائيل عالم الذرة المصري يحيى المشد في باريس عام ١٩٨١، والذي كان يعمل في حقل الطاقة النووية في العراق، وبعد انهيار العراق شكل اغتيال العلماء العراقيين ظاهرة خطيرة.

ولكن نجد على الجانب الآخر أن إسرائيل تنفرد في المنطقة بامتلاكها ترسانة نووية سرية غير معلن عنها، واحدى الدول التي تمتلك ثالوث الردع النووي، من الغواصات والطائرات والقواعد الأرضية.  وتؤكد مصادر غربية أنه بلغ عدد الرؤوس النووية التي تمتلكها إسرائيل هذا العام تسعين رأساً، وليس هناك ما يمنع الدول من اقتناء هذا السلاح قانونياً، طالما أنها لم توقع على معاهدة منع الانتشار النووي. وكانت الولايات المتحدة قد ساعدت باكستان لاقتناء هذا السلاح، كقوة ندية للهند، كما دعمت نظام الشاة في إيران لامتلاك هذا السلاح عندما كان حليفاً لها، قبل نجاح الثورة الإسلامية وصعودها للحكم عام ١٩٧٩.

وتوصف عمليات الاغتيال بأنها إعدام أو تصفية جسدية خارج نطاق القضاء، وعرفت منظمة العفو الدولية الاغتيال بأنها عملية قتل غير قانونية مع سبق الإصرار والترصد، يتم تنفيذها بأمر من الحكومة أو بموافقتها. وتعتبر عمليات الاغتيال التي تلجأ اليها إسرائيل خارج نطاق الأراضي الفلسطينية وتلك التي تستخدمها الولايات المتحدة تحت اسم القتل المستهدف أيضاً، خرقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، لأن البلدين يحرمان إنساناً من حقه في الحياة وحقه في المحاكمة العادلة، وهي حقوق مكفولة في كل المواثيق الدولية.  كما تلجأ كل من إسرائيل والولايات المتحدة من خلال انتهاج سياسة الاغتيالات والقتل المستهدف لأسلوب الغدر في استهداف ضحاياهم، وهو أسلوب محرم في القانون الدولي، ناهيك عن اعتدائهما على سيادة البلدان التي تشن أعمال الاغتيال والقتل فيها، وسيادة الدول حق مكفول بالقانون، ولتلك الدول حق الرد. من ناحية أخرى، تخرق عمليات الاغتيال التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين داخل حدود الأراضي المحتلة القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وتعتبر المحكمة الجنائية الدولية جميع هذه الأفعال جرائم ضد الإنسانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى