جريمة خطيرة في رام الله
عمر حلمي الغول

مركز القرار الفلسطيني الوطني مستهدف، وعاصمة القرار المؤقتة مستهدفة من قبل الأعداء والخصوم جميعا، ويوميا يضخون الاشاعات والاضاليل والموبقات بألوانها واشكالها المعروفة وغير المعلومة. ويفبركوا الاخبار والتصريحات، ويقوموا بإعادة انتاج الاف الصور والمواقف للترويج لبضاعتهم الفاسدة والنتنة التي تزكم الانوف للنيل من القيادة الشرعية ومكانتها والإساءة لها. وللأسف انخرط ضمن الحملة بعض القوى الوطنية من حيث يدروا او لا يدروا، مما ضاعف من انعكاساتها السلبية على الشارع الوطني.
وهذا الهجوم المعد والمنظم والممنهج لم يأت بالصدفة، وانما جاء نتاج الحالة غير الإيجابية التي تعيشها الساحة الفلسطينية من تفكك وتآكل وانقسام وفساد على أكثر من مستوى وصعيد، وبالتالي وجد له بيئة خصبة في الواقع السياسي والقانوني والاجتماعي والاقتصادي والديني والثقافي والأخلاقي. وهدف الأعداء والخصوم جميعا يرتكز على تقويض مركز القرار الوطني، وتوسيع دائرة التمزق والتفتت في ربوع الوطن وعلى الصعد المختلفة.
وآخر ما انتجه الأعداء الهجوم في وضح النهار وسط محافظة رام الله البيرة وفي مركز المدينتين دوار المنارة، حيث قام شاب بكامل قواه العقلية بحمل مهدة طويلة وقام على مرآى ومسمع الناس وامام أجهزة وزارة الداخلية من شرطة بمختلف اقسامها، وامن وقائي بتحطيم رأسي اسدين من الأربعة اسود المقامة في الدوار نفسه، واهم معلم من معالم المحافظة، وكان احد القوادين من اهل الردة والتكفير والتخوين يهتف به اضرب رؤوسها بصوت عال، وتمكن قبل ان تنتبه أجهزة الامن له من تدمير الرأسين، مع ان المواطنين في الميدان يتسألون بصوت عال اين الشرطة؟
ورغم ان أجهزة الامن عادة تكون منتشرة بشكل كثيف في المكان، الا انها للأسف الشديد، لم تنتبه، ولم تسمع نداء المواطنين العالي، وهو ما يحملها جزءا من المسؤولية عما حدث.
ما حصل خطير وخطير جدا، ولا يمكن تبسيطه او الالتفاف عليه. ولا يتحمل الشاب القائم بفعل الجريمة المسؤولية لوحده، انما من وقف خلف، ومن دعمه، ومن احضره للمحافظة من الخليل، ومن التف حوله، وجميع المتورطين في الجريمة الداعيشية، التي تقف وراءها قوى الاخوان المسلمين وحزب التحرير والمجموعات التكفيرية والتخوينية دون استثناء، ومروجو الفوضى والفلتان الأمني في الوطن، وكل من تساوق ويتساوق معهم.
ما حصل أمس الاحد الموافق 17 أكتوبر 2021 كان عنوانا للحظة فارقة في تاريخ النظام السياسي الفلسطيني، ولم يكن عملية عابرة، وهو تكريس لما نفذته حركة الانقلاب الأسود في غزة عام 2007عندما هدمت نصب الجندي المجهول في اعقاب انقلابها على الشرعية، وهو امتداد لكل التكفيريين من تجار الدين والدنيا، وحلفاء دولة المشروع الصهيوني واعداء الوطن والوطنية والنظام والقانون والثقافة والمعرفة والفنون.
وكما ذكرت، فإن ما جرى لم يأت من فراغ، ولم يسقط بالباراشوت، ولم يكن عملا صبيانيا، ولا هو ردة فعل آنية، ونزق رجل مخمور، او لا يعرف ما يعمل، انما بشاعته ووحشيته تكمن في انه عمل هادف، ومقصود نظمته ونفذته عصابات مارقة وخارجة وفي رابعة النهار على القانون والوطنية ومصالح الشعب العليا. وأيضا لان القائمين عليه وجدوا التربة الملائمة لارتكاب جريمتهم، ولان البيت الفلسطيني للأسف الشديد ليس بخير، ويعاني من الف داء وداء، وكونه بحاجة ماسة الى التماسك، وإلى إعادة الترتيب والتنظيم والتأهيل لإعادة الاعتبار للقضية والمشروع الوطني والنظام السياسي الديمقراطي التعددي.
وعليه لا يجوز ان نحمل المجرمين لوحدهم المسؤولية عما اقترفوه، انما الواجب ان كنا نملك الشجاعة والجرأة والمسؤولية الشخصية والوظيفية والوطنية والأخلاقية والثقافية والأمنية، علينا تحميل كل مكونات السلطة من الفها إلى يائها وكل القوى السياسية والنخب الثقافية والأكاديمية والإعلامية دون استثناء. ومن يحاول تغطية الشمس بغربال، فإنه لن يفلح، ولن ينجح في التصدي للمجرمين، لأنه قبل مساءلتهم تملي الضرورة مكاشفة الذات، ومحاكمتها على النواقص، وعلى غياب المسؤولية، ووقف الصراعات الداخلية، ومحاربة الزعران وأصحاب الخوات والمافيات في الحارات والمدن والمخيمات، وملاحقة كل مظاهر الفساد، وتصعيد المقاومة الشعبية، وزيادة وتعزيز لحمة الشعب حول القانون والنظام. دون ذلك سنكون امام ظواهر اخطر مما جرت أمس الاحد، وسيكون مستقبل نظامنا السياسي في مهب الريح إن لم ننهض من سبات اللحظة والمراوحة والتراجع والتآكل الذاتي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى