جزائريون لماكرون: لا تصالح دون اعتذار وتعويضات

السياسي – أكد مؤرخون وخبراء جزائريون رفضهم بيان الرئاسة الفرنسية، الأربعاء، بشأن تسوية ملفات الحقبة الاستعمارية لبلادهم، وشددوا على أنه “لا تصالح دون اعتذار صريح من فرنسا وتعويضات للضحايا”.

واعتبرت وسائل إعلام محلية في الجزائر أن بيان الإليزيه إشارة واضحة على أن “فرنسا غير مستعدة لتقديم اعتذار عما قامت به في الجزائر خلال حرب التحرير، أو خلال فترة الاستعمار الفرنسي ككل”.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

البيان أورد أن الرئاسة الفرنسية تستبعد خيار التوبة والاعتذار من الجزائر على جرائم الحقبة الاستعمارية، واكتفى بالإشارة إلى “خطوات رمزية” سيقوم بها الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” فيما يتعلق بملفات الحقبة الاستعمارية العالقة، ما اعتبره الكاتب والمؤرخ الجزائري “عبدالرحيم روان” مستفزا جداً،

وقال “روان” إن “الحديث عن الحلول الرمزية إشارة واضحة إلى أن فرنسا ما زالت تُعامل الجزائر كمستعمرة صغيرة ومتخلفة، تعطي لها فُتات الامتيازات، وترفض حتى الاعتذار أو الاعتراف بالجرائم المرتكبة”.

وعن التقرير الذي قدمه المؤرخ الفرنسي “بنيامين ستورا” للرئيس الفرنسي بشأن الحقبة الاستعمارية، يُؤكد “روان” أن مقترحاته “تحمل تضليلاً كبيراً، وأن من شأنها أن تعمق الهوة بين البلدين، لاسيما في ملف الذاكرة، كالحديث عن تسهيلات للأشخاص والعائلات التي كانت تساعد فرنسا أيام الاحتلال، ومنع التلاميذ من تداول كلمة مستعمر بالمقررات الدراسية”.

وأضاف أن “تقديم الدعم والتسهيلات لمساعدي الجيش الفرنسي من الجزائريين دعم للخيانة، وجب أن تستحيي لذكره فرنسا ونحن في عام 2021. أما تغييب مصطلح المستعمر عن المقررات الدراسية، فهو محاولة لطمس حقائق تتألم فرنسا من ذكرها”.

وأشار “روان” إلى أن “فرنسا تريد إحياء كل ما له علاقة بالخيانة؛ وبالتالي إحياء جراح الجزائريين من خلال تخصيص يوم للحركى (مصطلح يطلقه الجزائريون على عملاء فرنسا خلال حرب التحرير)، تعتبره فرنسا يوماً لرِجالاتها الأبطال”.

وأكد المؤرخ الجزائري أن “الصفحات الطويلة والعريضة التي قدمها ستورا كان يمكن اختصارها في كلمة (اعتذار صريح وتعويض عن الجرائم) وإلا فلا”، حسب قوله.

واستغرب “روان” من بقاء الجزائر صامتة بعد بيان الإليزيه وتقرير “ستورا”، قائلا: “هذا لا يخدم تماما الذاكرة الوطنية وعودة حق الجزائريين باعتذار فرنسي رسمي عن الجرائم وتفعيل ملف التعويض”.

ويبني المؤرخ الجزائري آمالا عن التقرير الذي كلف به الرئيس “عبدالمجيد تبون” مستشاره المكلف بالذاكرة الوطنية “عبدالمجيد شيخي”، والذي سيبُت في عمق الجرائم المرتكبة خلال فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر.

وفي هذا الإطار، قال “روان” إن “كل الجزائريين ينتظرون على أحر من الجمر التقرير الذي سيُنجزه شيخي، والذي يجب أن يكون ردا مُزلزلاً وموثقاً على تقرير ستورا”.

وأضاف أن “الجرائم الفرنسية في الجزائر لا غبار عليها، لكن كل ما هو موثق بالصورة والصوت والتدوين محفوظ بفرنسا، باعتبار أن الخطوة التي أقدمت عليها قوات الاحتلال الفرنسي حينها هو نهب الأرشيف والتستر عن كل الجرائم”.

وفي السياق ذاته، يرى الباحث في التاريخ الجزائري بجامعة أليكانتي الإسبانية والأستاذ في جامعة بجاية الجزائرية “زروق ججيغ” أن الجزائريين، الذين كانوا ينتظرون خطوات جادة لاعتراف فرنسا بجرائمها التي ارتكبتها من العام 1830 وحتى 1962، “أصابتهم الصدمة من تقرير ستورا وبيان الإليزيه”.

وقال “ججيغ” إن “بيان الإليزيه وتقرير ستورا الرافضين للاعتراف الصريح لفرنسا بجرائمها في الجزائر، من شأنهما أن يعيدا ملف الذاكرة التاريخية إلى واجهة المشهد العام”.

وأضاف أن “التعنت الفرنسي سيُؤدي إلى توتر العلاقات بين البلدين، ما يجعلها في دوامة من التجاذب والتنافر، ففرنسا تستغل ملف الذاكرة التاريخية في خطاباتها؛ لأجل تحسين صورتها وعلاقاتها، وتقوم بخطوات رمزية فقط لأجل استعطاف الحكومة الجزائرية مثل إرجاع رفات الشهداء وغيرها”.

وأكد أن “استمرار فرنسا في تبني الاحتفالات المخلدة لحرب الجزائر، ومشاركتها في اليوم الوطني للحركى، وإصرار قصر الإليزيه على عدم الاعتذار للشعب الجزائري، وعدم الاعتراف بجرائم باريس، ما هو إلا صورة مصغرة عن السياسة التي تبنتها الحكومة الفرنسية”.

ومن جهته، يرى الخبير الأمني الجزائري وأستاذ العلاقات الدولية “مراد سراي” أن خطوة الإليزيه الأخيرة جاءت “بمثابة صب الزيت على نار العلاقات بين البلدين”.

وقال “سراي” إن “فرنسا تدرك جيداً بداية نهايتها من المشهد الجزائري العام، وبالتالي فهي تريد انتهاج أسلوب استفزازي وبث الشك بين أبناء الشعب الواحد، خاصةً أنها تعلم جيداً مدى أهمية الملف التاريخي بالنسبة للجزائريين”.

ويتوقع أستاذ العلاقات الدولية “توتراً متزايداً بين البلدين، أو على أقل تقدير في ملف الذاكرة والعلاقة التاريخية بينهما”.

فيما يرى المجاهد الجزائري “عبدالقادر نجار”، ابن مدينة بوقاعة شرق العاصمة وأحد شهود العيان عن الجرائم الفرنسية بالجزائر، أن “فرنسا حتى وإن اعتذرت، وقدمت ما قدمت كتعويض عن جرائمها في الجزائر فلا يمكنها أن تمحي ساعة واحدة من بشاعة استعمارها من مخيلة الجزائريين”.

تحدث “نجار” وآثار إحدى رصاصات المستعمر لازالت بفخذه، مشيرا إلى أنه لا يزال يتذكر الحرق والتعذيب والتنكيل والتهجير الذي مارسته آلة المستعمر الفرنسي إبان احتلال للجزائر.

وأضاف: “على فرنسا أن تستحى، وتسمي الأشياء بمسمياتها الحقيقية، فلا يمكن للخائن أن يكون بطلا، ولا يمكن للمستعمر أن يكون مثالا، وعليها أن تنحني أمام كل الجزائريين اعترافا وندما على قامت به، ونحن بعدها نفكر نقبل أم لا”.

أستاذ التاريخ الحديث “بلال بارة” يرى أن “الاعتذار لا يمكن أن يكون فقط عن الضحايا الذين سقطوا دفاعا عن الوطن، فهذا شيء لابد منه، لكن الاعتذار يجب أن يكون أيضا عن الضرر الكبير الذي أحدثته فرنسا جراء سلب السيادة وإسقاط سمعة دولة كانت يحسب لها ألف حساب في زمانها”.

ويعتقد “بارة” أن تركة الاستعمار ثقيلة “تترتب عليها أعباء أخلاقية ومادية يستوجب على المستعمر الفرنسي أن يردها”، وهو ما يراه شبه مستحيل مع حكومات (فرنسية) تراوغ سياسيا وتهدف إلى الترويج لبرامجها عبر حملاتها الانتخابية الرنانة.

وكانت الجزائر قد أعلنت، في 21 ديسمبر/كانون الأول 2020 أنها لن تطوي صفحة الماضي الاستعماري مع فرنسا، تزامنا مع اعتزام الأخيرة إعلان تقرير “ستورا”.

ومن أبرز ما أوصى به “ستورا” في تقريره المكون من 150 صفحة، “تشكيل لجنة تسمى الذاكرة والحقيقة، تُوثق شهادات الناجين من حرب الاستقلال الجزائرية، وذلك بالتنسيق بين باحثين فرنسيين وجزائريين”.

كما أوصى التقرير بـ”تنظيم أنشطة تذكارية حول حرب الاستقلال الجزائرية، وأن يتم إعلان 25 من سبتمبر/أيلول يوماً لإحياء ذكرى الحركى، و17 أكتوبر/تشرين الأول لذكرى (مذبحة باريس 1961)، و19 مارس/آذار لإحياء ذكرى نهاية الحرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى