جميل الدرعاوي.. أسير فلسطيني غيّر التعذيب ملامحه

يغزوها الأمل برؤية زوجها بعد شهر من الغياب؛ دخلت السيدة روان الحنش قاعة المحكمة الإسرائيلية التي طلبت تمديد اعتقاله في زنازين التحقيق؛ ولكن بالنسبة لها كانت فرصة لسرقة لحظات قليلة تُنسيها هذا الغياب القسري في سجون الاحتلال.

بدأت روان البحث عنه متفحصة في سبيل ذلك وجوه الحاضرين ولكنها لم تجده؛ فشعرت بالإحباط وظنت أنها جلسة محاكمة غيابية دون حضور زوجها الأسير، لكن صوتا ما داهم سمعها مرددا كلمات “أنا هنا، أنا جميل يا روان!”، لتكون الصاعقة الأصعب حتى من ليلة الاعتقال.

التفتت إلى مصدر الصوت لتجد شخصا آخر كأنه خرج من سرداب تحت الأرض بعد غياب سنوات، شعر طويل ولحية منتوفة وفمٌ يميل جانباً وظهر محني وجسد يرتجف لا إراديا؛ نادت بأعلى صوتها وبصرخة تملؤها الدهشة “جميل؟! هل هذا أنت؟” فحاول الابتسام كي يطمئنها ولكن حالته كانت أقوى من محاولاته.

جميل الدرعاوي (40 عاما) من قرية الشواورة جنوب مدينة بيت لحم في الضفة المحتلة كان واحدا من عشرات الفلسطينيين الذين تم اعتقالهم خلال الأشهر الأربعة الأخيرة وتعرضوا لما يسمى بالتحقيق العسكري في زنازين التحقيق الإسرائيلية، وهو نوع تشرعنه محاكم الاحتلال ضد الأسرى بحيث يتعرضون للضرب والشبح وأساليب تعذيب نفسية وجسدية شديدة الخطورة.

وتقول زوجته روان إنه خلال إحدى ليالي تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي اقتحمت قوات من جنود الاحتلال منزلهم مدججين بالأسلحة وبطريقة تصفها بالوحشية، حيث حطموا باب المنزل وحشروا الزوجة مع بناتها الثلاث في غرفة واحدة؛ رغم أن أعمارهن لا تتجاوز عامين وبينهن طفلة كانت في عمر الشهرين فقط.

وتوضح الحنش بأن الجنود احتجزوا زوجها في غرفة ثانية بعيدا عن عائلته؛ وبدأوا بعدها بعمليات تخريب متعمدة للأثاث والمحتويات بحجة التفتيش لمدة ثلاث ساعات متواصلة وسط صراخ وبكاء الأطفال، مبينة بأنهم قاموا كذلك بمصادرة أجهزة الاتصال الخلوية والحواسيب من المنزل وسرقة بعض المقتنيات إضافة إلى مصادرة مركبة زوجها.

وبعد يومين ومن خلال متابعة الاتصال بالمحامين والمؤسسات الحقوقية علمت العائلة أن جميل تم نقله إلى مركز المسكوبية للتحقيق، وهو مركز يقع قرب مدينة القدس المحتلة وسيء الذكر لدى الفلسطينيين حيث يتعرض فيه الأسرى للتعذيب النفسي والجسدي لإجبارهم على الاعتراف.

وتفيد الحنش بأنه بعد 36 يوما تم عرض الأسير على محكمة استئناف داخلية والسماح لها بحضورها، وهناك تفاجأت بل وصُدمت بحال زوجها الذي لم تسمع عنه أي أخبار منذ اعتقاله.

وتضيف:” كان جالسا مثل كبار السن محني الظهر ويرتجف وبالكاد يستطيع فتح عينيه، وفمه مائل للجانب الآخر وبصراحة لم أتعرف عليه، ومن هول الصدمة عدت يومها إلى المنزل ومنظره لا يغيب عن ذهني، وكلما سألني أحد عن حاله أجيبه بلا أعرف، فلم أعلم كيف سأشرح لأحد كيف أن الشخص الذي رأيته لا يشبه زوجي أبدا”.

وبعد 40 يوما من التحقيق القاسي تم نقل الأسير إلى أقسام الأسرى في سجن عوفر لتتمكن العائلة والمحامون من زيارته، وخلال ذلك أبلغهم بما تعرض له من أساليب تعذيب صعبة.

وتتابع الزوجة:” تعرض جميل لكسر في فكه السفلي حيث لكمه المحقق عليه لكمة قوية سقط منها أرضا وبعدها داس عليه بحذائه العسكري بشدة فتسبب بحالة خلع فوق الكسر للفك، كما تعرض للصعق الكهربائي في مختلف أرجاء جسده ووصل الصعق إلى عينه التي تسبب فيها بنزيف وانعدام الرؤية، إضافة إلى تعمد المحققين إطفاء السجائر في ذراعيه وضربه على رأسه من الخلف وأعلى الأكتاف ما تسبب بالارتجاف غير الإرادي نتيجة خلل في الأعصاب، بينما تعرضت لحيته للنتف وتم شبحه لساعات طويلة بطرق مؤلمة رغم الحالة الصحية الصعبة التي عانى منها”.

وفي مرحلة ما خلال التحقيق ومن شدة التعذيب فقد الأسير وعيه؛ فنقل إلى مستشفى “هداسا” ليوم واحد فقط إلى أن استعاد وعيه وتم إعطاؤه نوعا من المسكنات، وبعدها أعيد إلى التحقيق من جديد.

وما زال الأسير جميل موقوفا حتى الآن بعد توجيه لائحة اتهام بحقه، وهي التي تصفها زوجته بأنها لا تحتوي تهما تستدعي كل هذا التحقيق القاسي الذي تعرض له، مؤكدة أن الأسير وعائلته بصدد رفع قضية ضد المحققين بمساعدة المؤسسات الحقوقية رغم علمهم المسبق أن الاحتلال لا يحاسبهم على هذا النوع من التحقيق لأن محاكمه تشرعنه وتعطيهم الغطاء القانوني اللازم لاستخدامه.

ورغم ما تعرض له الأسير إلا أن الاحتلال يمارس الإهمال الطبي بحقه فيمنع عنه العلاج أو حتى النقل للعيادات التي تخص الأسرى، ويحرمه كذلك من الحصول على نظارة طبية من خلال عائلته أو الملابس الدافئة.

وتختتم زوجته بالقول:” كل صحته فقدها وأصبحت حالته في وضع مأساوي، والآن يحتاج للعلاج والمتابعة والاحتلال يرفض ذلك ويضعه في ظروف لا تراعي الحياة الإنسانية كما كل الأسرى، وهذا الأمر يتطلب تحركا رسميا وشعبيا ودوليا من أجل الدفاع عن حقوقهم التي باتت تصارع للبقاء”.

وتفتح قصص الأسرى الذين اعتقلوا خلال الأشهر الأخيرة ملف التحقيق العسكري من جديد في سجون الاحتلال، حيث عانى منه العشرات منهم بينهم أسيرات وسط الضرب والشبح والإساءات النفسية، بينما اعتبرت المؤسسات الحقوقية عام 2019 عاما حمل معه عودة هذا النوع من التحقيق القاسي دون أي رادع دولي.

وكان الأسير الدرعاوي أمضى 14 عاما متواصلة في سجون الاحتلال من عام 2002 إلى عام 2016، ثم أعيد اعتقاله لعامين وأفرج عنه في شهر أبريل/ نيسان من عام 2019، ليعاد اعتقاله في المرة الأخيرة قبل شهرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى