جندي اسرائيلي ازهق حياته عبثا، لماذا؟

هآرتس – بقلم  جدعون ليفي

“ اللغة هي فقط وسيلة. فالجندي الذي يغني بصورة هستيرية انا مجنون هو مقاتل، في حين أن من رشق الحجر عليه وقتله هو مخرب. ولكن السؤال هو لماذا كان يجب على هذا الجندي أن يكون هناك “.
​إنه فيلم قصير تصعب مشاهدته. جنود مسلحون يقفزون ويصرخون بنشوة كأنها دينية. يحيطون بشكل دائري زميلهم، يتحركون حوله وكأنهم في طقس ديني. “من هو المجنون؟ أنا مجنون”، يصرخون بقيادة الجندي الذي يوجد في الوسط واصواتهم تشخر. مغسولي ادمغة وهرمونات و”مسممين” مثلما يسمون هذا لسبب ما للتحبب في اسرائيل، رقصهم عنيف وكذلك ايضا النص الذي يرددونه.

​من هو المجنون، أنا مجنون. ما بين السطور واضح، لا تجربونا، نحن مجانين، الموقف مخيف، ليس من الصعب تصور كيف تعمل هذه الجماعة. دورية غولاني، في المناطق المحتلة. لهذا الامر تم اعدادهم، ليس لهم سبيل آخر للعمل سوى عن طريق العنف وفرض الرعب، ليس هناك مثل ركض متوحش لزيادة دافعيتهم من اجل تجنيدهم للمهمة. الجندي الذي يوجد في وسط الدائرة هو الرقيب عميت بن يغئال، المتوفى. أول أمس قتل في يعبد. فلسطيني رشقه بحجر من سطح بيته تحت جنح الظلام وقتله. وسائل الاعلام امتلأت فورا بموجة مفهومة من التضامن الانساني والوطني مع العائلة الثكلى – مقابلات تمزق القلب مع الوالدين وبث مباشر للجنازة، بعد اكثر من عام لم يقتل فيه أي جندي في نشاط عسكري. المصطلحات المستخدمة مأخوذة كما هي الحال دائما من قاموس الدعاية: الجندي هو “مقاتل” والشاب الذي رشق الحجر عليه هو “مخرب”؛ القرية هي “معادية”، والعمل هو “قتل”.

​محظور ان نستسلم لوسائل الاعلام البائسة التي هي في خدمة الدعاية: الجندي هو ربما يكون مقاتل، لكن ليس عندما يأتي في منتصف الليل كي يخطف شباب من الأسرة. العملية هي عملية من اجل الحفاظ على الأمن، التي في حالات كثيرة تستهدف تدريب القوات واستعراض القوة اكثر من أي هدف آخر. “المخرب” هو شاب يدافع عن بيته وعن اصدقائه ويحاول بالوسائل الهزيلة أن يطرد الغازي. والحجر هو سلاح مثلما قالوا في اليمين وبحق، لكن البندقية، الرشاش والقنبلة التي توجد في أيدي الجنود هي سلاح أكثر.

​القرية هي “معادية”، لا توجد قرية غير معادية في كل ارجاء الضفة الغربية. ولا يمكن أن يكون هناك قرية كهذه باستثناء قرى العملاء سيئة الصيت. هناك قرى اكثر تصميما وهناك قرى اقل تصميما على مقاومة الاحتلال. ولكن كلها وبحق معادية. وفي النهاية هذا ليس قتل. اذا كان الرقيب يغئال قتل فبالتأكيد زياد فضل قيسية (15 سنة) الذي اطلقت النار عليه أمس وقتل على أيدي الجنود في مخيم الفوار قتل ايضا. اذا كان المخرب الذي رشق الحجارة هو قاتل فالمقاتل الذي يطلق النار على الشباب هو قاتل أيضا.

​في السنة والشهرين التي لم يقتل فيها أي جندي اسرائيلي، قتل نحو 150 فلسطيني على أيدي الجنود؛ معظمهم لم يعرضوا للخطر حياة الجنود. في كل وقت آخر في التاريخ كان عمل رشق الحجارة، حتى في نظر الاسرائيليين، عمل بطولي ضد الغازي، أما في “يديعوت احرونوت” فهو عملية قتل.

​ولكن للغة هي فقط وسيلة. السؤال هو لماذا كان يجب أن تحدث هذه الكارثة، لماذا ازهق جندي اسرائيلي حياته عبثا، ايضا في هذه المرة جاء الجنود لاعتقال راشقي الحجارة. في يعبد يرشقون الحجارة على الشارع المؤدي الى مستوطنة مفو دوتان التي تخنق القرية والتي هي غير قانونية مثل كل المستوطنات. راشقو الحجارة كان يمكن اعتقالهم حتى بطرق اخرى. وعلى أي حال هذه الاعتقالات لم توقف في أي يوم رشق الحجارة، بل فقط زادته.

​اقتحامات الشجاعة الليلية هذه للجيش الاسرائيلي هي اجرامية وزائدة. بن يغئال واصدقاءه ما كان يجب أن يكونوا في يعبد، فلم يكن لهم ما يبحثون عنه هناك.

​في المرة الاخيرة التي كنت فيها في يعبد كانت في رمضان 2017. احدى فتيات القرية، نوف انفعات (15 سنة) حاولت طعن جندي على حاجز مفو دوتان، الجنود اطلقوا النار عليها. هناك فيلم قصير تصعب مشاهدته اظهرهم وهم يحتفلون حولها في دائرة وهي لا تزال ملقاة على الشارع، تنزف حتى الموت، ويشتمونها: “موتي، تعذبي، يا عاهرة”. ايضا في حينه هم كانوا مقاتلين وهي مخربة، ايضا في حينه هم بالتأكيد غنوا “من هو المجنون؟ أنا مجنون”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق