تهديدات إيران بالحرب مجرد خدعة

لدى إيران طموحات لا يمكن التخلي عنها بسبب أيديولوجيتها. وتشمل هذه الطموحات الانضمام إلى النادي النووي العالمي واكتساب مكانة كقوة إقليمية. لكن برنامجها النووي وسياساتها الإقليمية العدوانية أدت إلى فرض عقوبات غربية صارمة شلت اقتصادها وأبطأت أنشطتها الإقليمية، وأفقرت الشعب الإيراني، واستنزفت الاحتياطيات المالية، وتركت البنية التحتية بالية وبحاجة إلى إصلاح شامل.

وأدى خطاب إيران العدائي وتلاعبها بالدول الغربية والشرق أوسطية إلى عزلها وعدم الثقة في نواياها. في المقابل، تبنت إيران بذكاء سياسة خارجية تعتمد على تهديدات متكررة بإشعال الحرب، بالرغم أنها تجنبت النزاعات المسلحة المباشرة، وفضلت الاعتماد بدلا من ذلك على وكلائها الإقليميين.

أدوات التخريب الإقليمي

وبعد انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، أسس “الخميني” ليوم القدس العالمي في ذكرى احتلال إسرائيل للبلدة القديمة في القدس عام 1967، للتعبير عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني. وكان الحدث السنوي، الذي أقيم في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان، حجر الزاوية في سياسة إيران التي تهدف إلى تصدير الثورة الإيرانية إلى جميع أنحاء المنطقة.

ومنذ عام 1979، استفادت إيران من الأزمات السياسية والاقتصادية والدينية وتلك المتعلقة بالهوية في الشرق الأوسط، ما خلق جوا ثوريا مكثفا حيثما أتيحت الفرصة.

وحثت إيران الشيعة في العراق والسعودية والبحرين على التمرد ضد الاضطهاد الديني والإقصاء السياسي والحرمان الاقتصادي. وقدمت طهران مساعدات مادية وسياسية للزيديين في اليمن، وهم فرع من الشيعة، ودعمت تمردهم الحوثي عندما بدأ عام 2004، والذي انتهى بالاستيلاء على العاصمة اليمنية صنعاء عام 2014.

وفي عام 1982، استفادت إيران من الغزو الإسرائيلي للبنان من خلال إرسال قوات من الحرس الثوري إلى لبنان لتأسيس “حزب الله” الذي نما وأصبح وكيلها الإقليمي الرئيسي.

وتعتمد الأسس الأيديولوجية لثورة “الخميني” على الأنشطة الإقليمية للحرس الثوري. ويسعى رجال الدين المحافظون في إيران إلى إضفاء الشرعية الدولية على الحرس الثوري عبر اشتباك إيران مع كافة التطورات في الشرق الأوسط.

لكن الحصول على دعم الجمهور العربي أصبح أمرا صعبا. وفقد اليوم العالمي للقدس جاذبيته في عيون العرب بعد أن بدأت طهران في تهميش السنة في العراق وسوريا ولبنان.

وكشفت الثورة الإيرانية عن توجهها الطائفي في عام 1980 عندما أقامت طهران تحالفا مع العلويين (في سوريا) الذين دعموا إيران خلال حربها التي استمرت 8 أعوام مع العراق. وبعد وفاة الرئيس السوري “حافظ الأسد” عام 2000، ازداد النفوذ الإيراني في سوريا في ظل حكم نجله “بشار”، خاصة بعد الدعم الإيراني للنظام السوري في أعقاب انتفاضة 2011.

وتجد إيران نفسها الآن معزولة بشكل متزايد في ديناميكية إقليمية سريعة التغير بدأت قبل عامين عندما وقعت إسرائيل اتفاقيات تطبيع مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان. وسمحت السعودية لإسرائيل باستخدام مجالها الجوي ووصفتها بالحليف المحتمل.

في غضون ذلك، أصلحت تركيا العلاقات مع إسرائيل والدول العربية المهمة مثل السعودية والإمارات ومصر، الأمر الذي زاد من شعور إيران بالعزلة والتهميش. وبعد أن شعرت بالفزع من التحول في سياسة أنقرة الإقليمية، أصدرت طهران تعليماتها لحلفائها الحوثيين في اليمن بتدمير نصب تذكاري في صنعاء يكرم شهداء الدولة العثمانية.

وبينما تواصل إيران إظهار العداء في الشؤون الدولية، رأت معظم دول الشرق الأوسط الأخرى أن تعزيز السلام والاستقرار والتجارة يخدم مصالحها الوطنية على أفضل وجه. في غضون ذلك، كشفت العقوبات، والقصف الإسرائيلي المستمر للأصول الإيرانية في سوريا، واستهدافها المستمر للمنشآت النووية الإيرانية، نقاط الضعف الأمنية لطهران.

وسمح الاتفاق النووي لعام 2015 لإيران بتطوير برنامجها للصواريخ الباليستية وتوسيع أنشطتها الإقليمية عبر الاعتماد بشكل أكبر على وكلائها الذين زودتهم بالدعم المالي والعسكري للتصرف نيابة عنها. لذلك تواجه إدارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن” ضغوطا متزايدة من الكونجرس للامتناع عن إحياء الاتفاق النووي مع إيران.

وأرسل 46 من الجنرالات والأدميرالات المتقاعدين رسالة مفتوحة إلى “بايدن” والكونجرس يحذرون فيها من توقيع اتفاق نووي مع إيران، معتبرين أن الاتفاق الجديد أخطر من اتفاقية 2015. في المقابل، أصر البرلمان الإيراني على ضمانات مكتوبة بعدم انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق مرة أخرى، لكن الولايات المتحدة لا يمكنها إصدار التزام مكتوب بهذا المعنى لأن الاتفاقات السياسية، وفقا للقانون الأمريكي، ليست ملزمة قانونا.

وتدرك إيران الانقسام داخل إدارة “بايدن” بشأن إزالة الحرس الثوري الإيراني من القائمة الأمريكية للمنظمات الإرهابية الأجنبية. ويشير إصرار طهران على هذا المطلب إلى رغبتها في إضفاء الشرعية على أنشطتها. وتعتقد طهران أن انشغال الولايات المتحدة بالغزو الروسي لأوكرانيا سيجبر واشنطن على الرضوخ لمطالبها، خاصة أن اتفاق 2015 واجه معارضة أكثر من المفاوضات الحالية.

وبالنسبة لإدارة “بايدن”، تبدو المعارضة الحزبية لاتفاق لا يوقف طموحات إيران الإقليمية ومحاولاتها النووية مخاطرة كبيرة قبل الانتخابات النصفية الحاسمة.

السياسة الديماجوجية

وللدفاع عن طموحاتها كقوة إقليمية، تنخرط إيران في خطاب عدواني، بعد أن كانت تحاول إغراء العرب والمسلمين الذين رأوا الثورة الإيرانية مدافعا قويا عن قضاياهم ذات مرة. لكن السياسات الإيرانية التي انحازت لمصالح الشيعة وإيران أبعدت السنة (وقطاعات شيعية أيضا) الذين فقدوا الثقة في وعودها.

وعلى مدى الأيام الماضية، تسارع الخطاب الإيراني المناهض لإسرائيل وما يصاحبه من تهديدات بالحرب. وفي 29 أبريل/نيسان، تحدثت إيران ووكلائها بتحدٍ ضد إسرائيل في احتفالات يوم القدس العالمي. وركز الأمين العام لـ”حزب الله”، “حسن نصرالله” على بداية مرحلة جديدة في المواجهة مع إسرائيل، وأشار إلى أن حربا جديدة تلوح في الأفق.

وأكد “نصرالله” أن إيران و”حزب الله” سيردان على أي ضربة إسرائيلية ضد المواقع الإيرانية في سوريا، كما حذر إسرائيل من أن انتهاك حرمة دور العبادة الإسلامية والمسيحية سيؤدي إلى تدميرها.

وقال الرئيس الإيراني “إبراهيم رئيسي” إن بلاده مستعدة لمواجهة إسرائيل إذا حاولت اختبار عزمها. في غضون ذلك، وعد زعيم حركة “حماس” في غزة “يحيى السنوار” بكسر الحصار الإسرائيلي على غزة وإعادة فتح منفذها البحري من خلال العمل مع محور القدس، في إشارة إلى إيران.

كما حيا “السنوار” المرشد الأعلى الإيراني “علي خامنئي” لدعمه الثابت للفلسطينيين، كما ردد قادة الحرس الثوري و”حزب الله” و”حماس” التوقعات باندلاع حرب مع إسرائيل قريبا.

ولا يعد التصعيد الخطابي أمرا جديدا على الشرق الأوسط، لكن التصريحات الأخيرة المنسقة بوضوح من طهران إلى غزة قد تكون مرتبطة بالمأزق الحالي في محادثات فيينا النووية.

وكثيرا ما تنظم إيران مناورات عسكرية واسعة النطاق لإثبات إنجازاتها. وعندما واجهت المحادثات عقبة في ديسمبر/كانون الأول، أجرى الجيش الإيراني تدريبات مكثفة لإظهار استعداده للحرب.

وتفاخر قائد القوة الجوية بأن الطائرات المسيرة التابعة للحرس الثوري كانت “أشواكا في عيون أعداء إيران”. لكن إيران تعرف حدودها العسكرية ولن تدخل في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة، كما أنها حريصة على تجنب المواجهة مع الإسرائيليين.

وبالرغم أن واشنطن لن تسمح بشن هجوم إسرائيلي كبير على المنشآت النووية الإيرانية، فإن إدارة “بايدن” لن تعرقل الهجمات الإسرائيلية المتزايدة على سوريا لإضعاف الحرس الثوري والميليشيات الشيعية التابعة له. ويبدو أن إيران لن تخاطر بالرد المباشر على الهجمات الإسرائيلية المستمرة منذ 9 أعوام.

وبالفعل، لا تتماشى شدة خطاب إيران مع الضربات التي تشنها. وفي مارس/آذار، أعلن الحرس الثوري مسؤوليته عن إطلاق وابل من الصواريخ الباليستية على مكتب للموساد الإسرائيلي في أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق. وسقطت الصواريخ بالقرب من القنصلية الأمريكية في وقت متأخر من الليل لتجنب إلحاق خسائر بشرية. وقالت إيران إنها نفذت الهجوم ردا على غارة جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل اثنين من ضباط الحرس الثوري في دمشق.

وأطلقت إيران عشرات الصواريخ الباليستية على قاعدتين جويتين عراقيتين تضمان جنودا أمريكيين في يناير/كانون الثاني 2020، ردا على اغتيال قائد فيلق القدس “قاسم سليماني”، لكن الهجوم كان محسوبا وتجنبت فيه إيران إلحاق إصابات. وأكد وزير الخارجية الإيراني أن بلاده كانت تدافع عن نفسها ولا تريد حربا أو تصعيدا مع الولايات المتحدة، لا سيما أن هذا الهجوم مع هجوم أربيل يمثلان خروجا عن السياسة الإيرانية المتمثلة في استخدام البيادق الإقليمية لضرب أعداء إيران.

نفذت إسرائيل مئات الهجمات على منشآت إيرانية في سوريا، واستهدفت بعض منشآتها النووية، وقتل هجوم إسرائيلي أكبر عالم نووي إيراني. وبالرغم من التصريحات العدائية، لم يجرؤ أي من إيران أو “حزب الله” على مهاجمة إسرائيل. وفي عام 2018، راقب “حزب الله” إسرائيل وهي تدمر 6 أنفاق عابرة للحدود كان الحزب قد حفرها لاقتحام الجليل في حالة الحرب.

كما أن وكلاء إيران الإقليميين، سواء كانوا في غزة أو لبنان، غير مهتمين أيضا بمواجهة عسكرية مع إسرائيل، وهو ما يتضح من عدم استعدادهم لمواجهة سياسة إسرائيل تجاه المسجد الأقصى. في المقابل، فإن الإسرائيليين ليسوا متحمسين أيضا لخوض حرب مع إيران.

وقبل شهرين، أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي “نفتالي بينيت” إلى أنه سيتعين على بلاده التعامل مع قدرات الأسلحة النووية الإيرانية في العامين ونصف العام المقبلين، ملمحا إلى أنه ليس من الوشيك اندلاع حرب عامة.

ويبدو أن إيران منهكة، وتحتاج إلى فترة راحة من الصراع، لذلك تعمل بجد للتوصل إلى اتفاق شامل مع العرب، حتى لو كانت البداية إقناع الحوثيين بالتوقيع على هدنة لمدة شهرين قابلة للتجديد. وردت السعودية والكويت بإعادة سفيريهما إلى بيروت، منهيتين مقاطعتهما للنظام السياسي اللبناني الذي يهيمن عليه “حزب الله”.

ويعتقد رئيس الوزراء العراقي “مصطفى الكاظمي”، الذي يتوسط في محادثات التطبيع بين إيران والسعودية، أن البلدين قريبان من استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد 5 جولات من المفاوضات منذ أبريل/نيسان 2021. لكن مساعي إيران الإقليمية قد تنتظر حتى يعيد النظام العالمي تشكيل نفسه.

ومن غير المرجح أن تعدل إيران سلوكها وتوافق على أن تصبح دولة شرق أوسطية طبيعية، لكنها في الوقت الحالي تحتاج إلى التركيز على الجبهة الداخلية، وتهدئة سكانها المضطربين، وإعادة إطلاق اقتصادها، ومراجعة نهجها في الحكم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى