حاشية في “إخراج أميركا من العراق”
عبد اللطيف السعدون

في ظرف إقليمي ملتبس وشائك، اخترقت الولايات المتحدة خطّا إيرانيا أحمر، باستهدافها رجل إيران القوي، ذا المهمات الخارجية الصعبة، قاسم سليماني، في عملية “برق أزرق” متفرّدة لا تشبه سواها، أعقبتها أيام متشنجة حافلة بالأحداث والأسرار والخطط، جعلت كثيرين من مدمني مواقع التواصل يكرّرون تغريدة، تكرارها لم يصبح مملا بعد: “لا يمكنني النوم هذه الليلة.. خدمة الخبر العاجل مستمرّة”. أضاف أحدهم: “الحرب العالمية الثالثة على الأبواب.. كونوا في انتظارها”، آخر أورد جردا بالضروريات التي يمكن أن يختزنها المواطن في منزله قبل أن تدقّ ساعة الصفر.
هل حقا نحن في ربع الساعة الأخير الذي يسبق الحرب؟ ما هي الإرهاصات التي تجعل حربا كهذه ماثلةً للعيان، أو مستبعدة؟ لماذا اختار الأميركيون بغداد لإطلاق النار على خصمهم العنيد؟ ولماذا لم يفعلوا ذلك في موطنه؟ وماذا عن تبعات “البرق الأزرق” على العراق، وعلى طبقته السياسية الحاكمة المشدودة من أرجلها إلى طرفي الصراع، وماذا أيضا بخصوص انتفاضته التي تخطّت مكائد الأعداء بعزيمةٍ وحماسة، ولكن أحاطتها في آخر الشوط مناكفات “الأصدقاء ذوي القبّعات الزرق” الذين يبغون سلب قرارها، واحتكار محصلتها النهائية لهم، خصوصا بعد إعلان المنتفضين/ الثوار رفضهم أن تكون بلادهم ساحةً للصراعات الدولية والإقليمية، وتصميمهم على “الوقوف ضد الاحتلالين الأميركي والإيراني معا”، وهل صحيحٌ ما تردّد في الأروقة السرية من أن طهران هي التي اختارت ساعة إجهاض الانتفاضة، وأوصت وكلاءها بالتنفيذ، وهم بهذه الخطوة افتعلوا تعاطفهم مع المنتفضين، فيما خططت طهران لوضعهم تحت عباءتها، أو قل تحت عمامتها؟
أسئلة، أسئلة، أسئلة، ولا شيء غير الأسئلة في مناخٍ محتقنٍ خلفته تلك القفزة الدراماتيكية التي نفذتها أميركا، وجدّدت المخاوف من أن تكون المنطقة قد دخلت في أجواء تشبه التي سبقت الحرب على العراق، حيث تغيّرت معادلاتٌ كثيرة كانت قائمة، وتمت إعادة ترتيب الأوراق لدى مختلف الأطراف اللاعبة.
نحن اليوم أمام حقبةٍ مشابهة، معادلات جديدة ولدت للتو وما تزال في طور السيلان وعدم الاستقرار. الأميركيون بتعبير المرشح للرئاسة جو بايدن، “ألقوا إصبع ديناميت في برميل بارود”، إيران تهدّد بالانتقام الشديد لسليماني، و”الوكلاء” يعلنون أنهم جاهزون، ولن ينتظروا طويلا، والأميركيون يعلنون صراحة أنهم حدّدوا 52 مركزا وموقعا إيرانيا لقصفه إن أصيب مواطن أميركي، إشعال النار من هذا الطرف أو ذاك يعني إدخال المنطقة كلها في حربٍ لا تبقي ولا تذر، خصوصا إذا ما تدخلت قوى دولية أخرى حمايةً لمصالح، أو بحثا عن أمنٍ مفقود.
في هذا المناخ المحتقن، وجد الإيرانيون فرصتهم سانحةً للضغط باتجاه إخراج الأميركيين من العراق والانفراد به، وهذا ما فعله البرلمان في ما يشبه عرضا باهتا في مسرحٍ شعبي تخللته هتافاتٌ وصيحاتٌ معاديةٌ للشيطان الأكبر، لكن ما رآه خبراء وقانونيون أن قرار البرلمان لن يكون له أثر قانوني أو سياسي، كونه لم يستكمل الإطار المطلوب، وهو، قبل ذلك وبعده، لا يحقّق استقلالا حقيقيا للبلاد، في ظل وجود هيمنةٍ إيرانية مباشرة ونافذة في كل الفضاءات السياسية والاقتصادية، وتقترب من أن تشكّل، هي الأخرى، “احتلالا” بالمنظور الوطني. وهذا ما يقول به ناشطون مستقلون، يتبنّون موقفا وطنيا خالصا، ينحاز للعراق وطنا وشعبا وهوية، يضيف هؤلاء أنهم لا يريدون أن تتحوّل عملية إخراج الأميركيين إلى توغل إيراني يشكل احتلالا جديدا يكرّس هيمنة دولة “الولي الفقيه” على القرار العراقي والثروات العراقية، ويضع مصائر العراقيين بيدها.
وفي ضوء هذه المعطيات، قد لا يمثل “الخروج” الأميركي من العراق بداية النهاية للنفوذ الإيراني في العراق، كما يأمل بعضهم، بل قد يحفّز دولة “الولي الفقيه” للاندفاع أكثر نحو تمكين وكلائها من رجال “المليشيات الولائية” من القبض على السلطة، بعد أن يكون الإشكال الممنهج بين انحياز قادة عراقيين إلى طهران وانحياز آخرين إلى واشنطن قد انتهى، وهذا “الحلم” البانورامي هو الذي يدور في أذهان القادة الإيرانيين وتابعيهم من العراقيين الآن.
هكذا يزداد الظرف بعد قرار “إخراج الأميركيين” المسرحي التباسا وغموضا، وتبقى المعادلات المستجدّة في حالة سيلان وعدم استقرار فترة أطول، وهذا كله يمنع العراقيين من الخلود إلى النوم، ويُبقيهم في حالة انتظار وترقب لما يرد إليهم من أخبار عاجلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى