حرب 73: قصة الجاسوس الاسرائيلي الذهبي في الجيش المصري

تحرير: بلال ضاهر

اقترح ضابط مصري بشكل طوعي، في أواخر ستينيات القرن الماضي، أن يكون جاسوسا لإسرائيل في بلاده، وأطلقت الاستخبارات الإسرائيلية عليه اسما مستعارا، “جوليات” (جالوت بالعربية) إذ قدم معلومات مهمة ومصيرية غيرت وجهة حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، بحسب شهادات إسرائيلية.
وقال الضابط السابق، برتبة عميد، في دائرة الأبحاث التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، أهارون لافران، في مقابلة نشرتها صحيفة “يديعوت أحرونوت” اليوم، الجمعة، إنه استجوب الضابط المصري في منشأة عسكرية في إسرائيل، بعدما كُلّف باستخراج معلومات منه حول الجيش المصري، ودون أن يشير إلى أسباب تواجد هذا الضابط في إسرائيل.

وقال لافران إن الضابط المصري كان “متعاونا” معه، “ولذلك اعتقدت أنه ربما بالإمكان تحقيق شيء ما هنا، وليس الحصول على معلومات فقط. وكانت فكرتي أن يبقى هنا، وتحويله إلى سلاح دعائي ضد المصريين”، من خلال دعاية موجهة إلى الجنود المصريين “باللهجة المصرية”، يتحدث فيها عن “قوة إسرائيل” ويطالبهم “بألا يضحوا بحياتهم عبثا”، وأن “يكون صوتنا مقابل مصر والدول العربية، وهذا صوت يتحدث إليهم بلغتهم، ولكنه يبث واقعا معقدا ومتنوعا”.

وأضاف لافران أنه من أجل تحقيق ذلك، اصطحب الضابط المصري إلى جولات في أنحاء إسرائيل وعند المناطق الحدودية، ودعاه إلى منزله الخاص لتناول الطعام، وبذلك توثقت العلاقات بينهما. وبعد أسابيع، أراد لافران أن يطرح خططته على الضابط المصري. لكن قبل أن يبدأ بالحديث، قال الضابط المصري بصوت يرتجف، “إنني مستعد للعمل معكم بعد عودتي إلى مصر”.
وحسب لافران، فإن دوافع الضابط المصري بالتطوع أن يكون جاسوسا لإسرائيل، إضافة إلى المال، هي “تذمره الشديد من الضباط المسؤولين عنه ومن جهات أخرى في بلاده. وأدركت أنه استوعب التفوق الإسرائيلي المطلق، وأن الجيش والاقتصاد المصريين لن يتمكنا من هزيمتنا. وأعتقد أنه أراد، بقدر كبير، الوقوف إلى جانب الأقوياء”.
بعد ذلك بثلاثين عاما، في العام 1998، قررت “أمان” إعادة فتح ملفات حرب تشرين العام 1973، وأحدها عبارة عن دراسة سرية لدائرة الأبحاث في “أمان”، كتبها الضابط السابق في هذه الدائرة، البروفيسور أوري بار يوسف، وكتب فيها أنه “واضح أنه منذ بداية العام 1973 على الأقل، كانت هناك تغطية جمع معلومات جيدة حول الخطوات المصرية، وذلك بالأساس من مصدرين في تسوميت”.
“تسوميت” هي شعبة تفعيل الجواسيس في الموساد. وأشارت الدراسة إلى وجود “مصدرين”، أي جاسوسين، بينما المعروف حتى اليوم هو أنه كان لإسرائيل جاسوس واحد، هو أشرف مروان (وكنيته في الموساد “الملاك”)، وهو صهر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي أبلغ رئيس الموساد في حينه، تسفي زامير، بأن مصر ستشن حربا، وذلك قبل يوم واحد من نشوب الحرب في 6 تشرين الأول/ أكتوبر 1973.

وحسب الصحيفة، فإن عددا قليلا جدا في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية الذين علموا بوجود الجاسوس “جوليات”، وهو في قلب الجيش المصري. وقد حذر إسرائيل من حرب قريبة قبل مروان، بينما لم يصدقه ضباط “أمان”. إلا أنه بعد أسبوع على نشوب الحرب، أرسل “جوليات” معلومات إلى إسرائيل “غيرت وجه الحرب”، بعدما كانت إسرائيل في حالة يأس، إثر تقدم القوات المصرية في سيناء، وكان وزير الأمن، موشيه ديان، قد دخل إلى مكتب رئيسة الحكومة، غولدا مئير، ليبلغها بـ”خراب الهيكل الثالث”.
وكان “جوليات” قد أرسل خلال السنوات 1971 – 1973، رسائل إلى إسرائيل بأن مصر توشك على شن حرب، وأدى ذلك إلى عدم التعامل بجدية مع المعلومات التي يرسلها. ورغم ذلك، جرى في مرحلة معينة نقل المسؤولية عنه من “أمان” إلى الموساد، خاصة بعد أن أبلغ الجاسوس أن بإمكانه الخروج من مصر إلى أوروبا مرات عديدة.

“معلومة ذهبية”
عقدت مئير، في 12 تشرين الأول/أكتوبر 1973، اجتماعا لما يسمى “المطبخ”، أي الهيئة التي تتخذ القرارات العسكرية – السياسية. وتمحورت المداولات حول مسألة بالغة الأهمية، تتعلق بعبور القوات الإسرائيلية قناة السويس في مساء اليوم التالي، وذلك بعد أن صد الجيش الإسرائيلي هجوم الجيش السوري في هضبة الجولان المحتلة.
وعُقد الاجتماع في مكتب مئير بهيئة موسعة، دُعي إليه رئيس الموساد زامير، وقائد المنطقة الجنوبية في الجيش، حاييم بار ليف، وقائد سلاح الجو، بيني بيلد. وقال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، دافيد إلعزار، خلال الاجتماع، أنه يخشى من “استنزاف دون حسم” وأن يزيد هذا الأمر من تراجع معنويات القوات الإسرائيلية، واقترح أن تطلب إسرائيل وقفا لإطلاق النار، وفقا لصحيفة “يسرائيل هيوم” التي نشرت تقرير حول الموضوع نفسه، اليوم.
وقال بيلد إن سلاح الجو فقد عددا كبيرا من الطائرات ويقترب من “الخط الأحمر”، الذي يعني بقاء 220 طائرة للاستخدام، وبعد الوصول إليه لن يتمكن من مساعدة القوات البرية.
في غضون ذلك، كان الجيش الإسرائيلي ينتظر انسحاب فرقتي المدرعات 4 و12 المصريتين، حيث كانت تنتشر غربي قناة السويس. إذ أن بقاءها هناك يمنع تنفيذ الخطة الإسرائيلية بعبور القناة. ورغم ذلك، أيد بار ليف وبيلد العملية. وفي هذه الأثناء، دُعي رئيس الموساد زامير إلى محادثة هاتفية ملحة، وكان المتحدث رئيس مكتبه، فريدي عيني، والمسؤول عن المجال التكنولوجي في الموساد، يوئيل سلومون.
وعندما عاد زامير إلى غرفة الاجتماع أبلغ الحاضرين بأنه بحوزته “معلومة ذهبية”، مفادها أن الجيش المصري يعتزم تنفيذ عملية إنزال قوات عند خط المعابر (حوالي 20 كيلومترا شرقي القناة) في غضون يوم أو اثنين. ويعني ذلك أن فرق مدرعات ستتبع هذه القوات.
وقالت مئير إثر ذلك “أفهم أن تسفيكا (زامير) أنهى النقاش”، وعندها تقرر عدم تنفيذ خطة عبور القناة، وأن ينتقل الجيش الإسرائيلي إلى حالة صد القوات المصرية واحتواء هجومها، قبل أن يعود إلى خطة عبور القناة.

وجرى في السنوات الماضية النشر عن وصول هذه المعلومة، لكن لم يُنشر عن مصدرها. ولا تزال الرقابة العسكرية الإسرائيلية تمنع حتى اليوم نشر أي تفاصيل حول هوية الجاسوس “جوليات”.
وقال الباحث في حرب تشرين، موشيه شفاردي، إن “الجميع يتحدثون عن مروان، ولا أحد يتحدث عن ’المصدر الذهبي’، الذي يستحق الجلوس إلى جانب مقعد الجاسوس الأفضل. وقد قدم معلومتين ذهبيتين وليس واحدة. ففي 30 أيلول/سبتمبر 1973، أبلغ المصدر (“جوليات) الموساد بأن مصر وسورية توشكان على شن هجوم مشترك ضد إسرائيل، لكن القيادة الإسرائيلية لم تتعامل مع المعلومات بالشكل المناسب”.

جاسوس ثالث
قال لافران إنه بعد نقل المسؤولية عن “جوليات” إلى الموساد، حصل على تسميات أخرى، “وأحيانا يعطون الجاسوس أكثر من اسم واحد من أجل الحفاظ عليه. وإذا كان يزود معلومات عسكرية يسمونه X، وإذا كانت المعلومات عن القيادة المصرية، يسمونه Y”.
وأضاف أنه كان يتم دفع مبلغ من المال للجاسوس بين حين وآخر، “وهذا منوط بنوعية المعلومات التي يزودها. وأقول بكل مسؤولية أن هذا المصدر استحق كل فلس أخذه، وأعتقد أنه حصل على مبلغ جيد مقابل المعلومة الذهبية. وفي تلك الفترة كان لدينا ثلاثة عملاء بقامته: أشرف مروان، هو، وواحد آخر لن نتحدث عنه”.
وحسب لافران، فإنه “لا علم لدي أن الضابط المصري كان يواجه خطر كشفه، ليس في السنوات التي كنت فيها على اتصال معهن ولا في السنوات التي تولى فيها الموساد المسؤولية عنه. وترددت شائعة أنه مات في الهجوم المصري، في 14 تشرين الأول/ أكتوبر 1993، لكنها ليست صحيحة. وقد مات في ظروف طبيعية، بعد الحرب بعدة سنوات. وقد أبلغني نائب رئيس الموساد بموته. وأعتقد أنه أخذ السر معه إلى القبر”.

عرب ٤٨

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى