حكايات من اللجوء الفلسطيني
مهند طلال الاخرس

كتاب من القطع المتوسط يقع على متن ٣٠٢ صفحة وهو من اصدار مؤسسة الدراسات الفلسطينية سنة ٢٠١٧.

الكتاب يتضمن ١١ حكاية من حكايا ابناء مخيمات لبنان خُطت بقلمهم وبتجاربهم المباشرة، والحكايا تلخص واقع المخيمات والنكبة واللجوء في فترات واحداث عدة، ففي كل حكاية صورة حقيقة وحية عن واقع لامسوه وعايشوه او سمعوه من اسرتهم او احتفظت به زواريب المخيم وحان اوان البوح به.

في هذا الكتاب نجد تنوعا كبيرا في النصوص، فكل نص يروي حكاية مختلفة تروي حكاية صاحبها ووجهة نظره. النصوص والحكايات تناولت مواضيع عدة، فكتب احدهم عن فترة المراهقة وكتب اخر عن التغير الحاصل في المخيم وعن الاستثنائي الذي اصبح اعتيادي، ويتحدث آخر عن الماضي والحاضر وعن الطفولة والرشد ليروي تجارب عدة بصراحة تامة وبدون تنميق او تزويق وتلك قد تكون احدى اهم صفات حكايا ابن المخيم، وتضيف اخرى رونقا لهذه الحكايا عندما تتحدث عن التحديات اليومية للحياة وعن التقاطها لصورة تبث الحياة والروح في الحكاية كقصة المطر وضيق الزواريب والموتور والخجل وحملها للطفل الصغير وعرباية الطفل وما الى ذلك، اضافة الى قصة يوسف مع حي الداعوق وحكاية ذلك الحي.

بعض تلك الحكايا لم يبدأ من المكان او المخيم، بل ابتدا من عند اسمه كيافا، فلكل صاحب اسم من اسمه نصيب، فأبدعت واجادت بما قدمته، ونجحت بتقديم صورة اخرى للمخيم وابنائه وذاكرتهم ومستقبلهم وبما يطمحون ويسعون. وعلى نفس المنوال سارت حنين وسبرت كل اغوار الحنين تجاه فلسطين، فأوجعتنا وهزتنا بعنف ونجحت باسقاط كل ما فينا من دموع.

اما بالنسبة لحكاية وداد فكتبت عن غربتها عن المخيم وتواجدها في الامارات لغايات عمل اهلها، وتروي انتصار حكاية جدتها لامها التي تحصلت على الجنسية اللبنانية ثم عادت لتكتشف مجددا انها فلسطينية، بينما اختارت ربا في حكايتها ان تعيدنا الى صورة حية ومتجددة من صور النكبة ألا وهي صورة اللجوء الفلسطيني من سوريا الى لبنان وما رافق ذلك من صور مؤلمة وجارحة لمعاناة الناس ناهيك عن فقدان الكثيرين في تلك المأساة.

في نهاية الكتاب ينجح محمود زيدان في تقديم شهادة حية من خلال سيرة ذاتية يختلط فيها العام والخاص فيقدم صورة تتلائم مع صورة وجود الفلسطيني في لبنان، تلك الصورة المرتبطة بالفدائي والاجتياح والخروج وظلم ذوي القربى من اللبنانيين والكتائب والميليشيات والمقنعين والملثمين وكل قطاع الطرق وتجار الاوطان، صورة موجعة ومفعمة بقيم الاباء والانفة والعزة والشهامة، دون ان يغفل عن تقديم صور الخسة والنذالة لمن اطعمتهم خبزا ليسد جوعهم ويسند رجولتهم التي ضاعت عند بسطار المحتل، ليطعموا لحمك لجنازير الدبابات فيما بعد، لا لشيء كثير، إلا لانك فلسطيني صاحب قضية وفكرة سامية تدعوا للحرية باجمل صورها، بينما هم لم يكونوا في يوم من الايام إلا عبيدا امتهنوا واحترفوا اقدم واعرق مهنة في الكون، القوادة!.

في هذا الكتاب سنقرا عن ماضي المخيم، وعن تشعب حاراته وحتى تشعب تلك الطرق والدروب المؤدية الى كل بلاد العالم، في هذا الكتاب سنقرأ عن زقاق المخيم والاولاد الذين يلعبون فيه وامنياتهم واحلامهم وعن مستقبلهم المسروق، في هذا الكتاب سنقرا عن العوز والجوع والحرمان والتكافل ايضا في هذا الكتاب كثير من الصور المتناقضة والمتنافرة والصارخة حد الجنون. في هذا الكتاب ستقرأ عن المخيم من ابناء المخيم أنفسهم وبأقلامهم دوم تنميق او تزويق، لذا ستسمع وسترى كل ما لا يأتي على ذكره في الكتب والافلام ونشرات الاخبار.

في هذا الكتاب ستقرا عن ذكريات الاباء والاجداد في مسقط رأسهم في فلسطين، ستقرأ عن تلك الايام واجمل ما فيها، في هذا الكتاب ستقرأ عن جدران المخيم وما تكتنزه فيها ومت يخط عليها من شعارات وما يعلق عليها من صور الشهداء، وفي هذه الزقاق ستشهد المطر واسلاك الكهرباء ومواسير المياه وستسير في المياه العادمة، في هذا الكتاب ستدخل بيوت متلاصقة ضيقة في كل شيء إلا من احلام ساكنيها بالعودة والتحرير.

في هذا الكتاب ستشاهد الفدائي في عين الحلوة يصول ويجول ويقنص الدبابات ويعيق تقدم الاحتلال، في هذا الكتاب ستشهد اجتياح بيروت واسطورة الصمود، في هذا الكتاب سترى الفرق بين من يقدم روحه للوطن وبين من يببع شرفه بثمن بخس، في هذا الكتاب ستجد كثيرا من الظلم الذي لحق ولازال بمخيمات لبنان، سترى ذلك الظلم وتبكي بحرقة، لا لشيء كثير ، بل لان اقسى انواع ذلك الظلم واشدها ضراوة تلك المرتكبة من قبل الاشقاء اللبنانيين انفسهم، سترى مشاهد حية من ذلك الظلم وتلك الخسة.

احدى عشرة حكاية؛ بدلاتها الرمزية الواردة في الاية القرانية الشهيرة في سورة يوسف ما يلخص ذلك المجاز الوارد في ذلك الكتاب، وقد احسنت مؤسسة الدراسات الفلسطينية والقائمين على هذا العمل هذه التسمية وهذه الدلالة، واراها واضحة الاشارة والهدف والمضمون، دون اغفال تلك الاشارة الواردة ايضا على متن الصفحة ٢٨٤ والتي تشير الى هؤلاء الاشبال الاحدى عشر الذين تفتخر بهم قصص البطولة، والذين سطروا في مخيم عين الحلوة اروع قصص المقاومة والصمود، حتى انهم اعادوا تكوير النص وتدوير الحكاية، واصبحوا عبر التاريخ احد عشر كوكبا يدورون ليس حول الشمس بل حول النار والبارود، انهم فتية من الزمن الفدائي الجميل استطاعوا ان يوقفوا زحف دبابات المحتل على ابواب المخيم، هؤلاء الفتية الاحدى عشر استطاعوا ان يقولوا للاحتلال ما لم تستطعه جيوش الدول العربية مجتمعة.

هؤلاء الفتية واصحاب تلك الحكايا الاحدى عشر، كانوا يحفظون عن ظهر غيب تلك الحكمة الدرويشية القائلة “من يكتب حكايته يرث ارض الكلام”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق