“حكومة عموم فلسطين”.. أفشلتها الحكومات والجامعة العربية!

السياسي – نشأت فكرة تشكيل حكومة عموم فلسطين عندما أعلنت حكومة الانتداب البريطاني على فلسطين عن نيتها إنهاء انتدابها وأحالت القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة. وأدركت القيادة الفلسطينية عندئذ، ممثلة آنذاك بالهيئة العربية العليا لفلسطين بزعامة الحاج أمين الحسيني، أهمية الاستعداد لهذا الحدث واستباقه بإيجاد إطار دستوري يملأ الفراغ الناجم عن انتهاء الانتداب البريطاني وكان هذا الإطار هو إقامة حكومة عربية فلسطينية.

قدم المفتي الحسيني اقتراحه إلى الجامعة العربية في تشرين الأول (أكتوبر) عام 1947 على مستوى رؤساء الحكومات، والذي لم يكن أمين الحسيني مدعوا له. وتقدم الحسيني ببيان حاول فيه أن يقنع المؤتمرين بإقامة حكومة عربية فلسطينية.

عارض العراق والأردن ومصر الاقتراح “بدعوى أن زعامة المفتي ستواجه بمعارضة واسعة النطاق في العالم”.

وكان فولك برنادوت (وسيط الأمم المتحدة في فلسطين والذي اغتالته العصابات الصهيونية) قد أعلن في تقرير له في 16 أيلول/ سبتمبر 1948 أن العرب لم يبدوا أي رغبة في تشكيل حكومة في القسم العربي من فلسطين مما قد يؤدي إلى ضمه إلى الأردن.

استاءت الحكومة الأردنية من خطوة الحسيني وأجرى الملك عبد الله بن الحسين اتصالات سريعة بالملوك والرؤساء العرب، معترضا على إنشاء الحكومة الفلسطينية وهدد بالانسحاب من الجامعة، إن أنشئت هذه الحكومة، وعلى الرغم من إيفاد الجامعة العربية رياض الصلح إلى عمان لإقناعه، فإنها اضطرت إلى تعديل قرارها إذ ارتأت إنشاء حكومة فلسطينية، وقصرته على أهالي فلسطين أنفسهم وحصرت مهمة الدول العربية في الاعتراف بتلك الحكومة ودعمها، ماديا وأدبيا ومعنويا.

تشكلت حكومة عموم فلسطين بغزة في 23 أيلول / سبتمبر عام 1948 برئاسة أحمد حلمي عبد الباقي. وقام جمال الحسيني بجولة عربية لعرض إعلان الحكومة إلى كافة الدول العربية والإسلامية وجامعة الدول العربية.

وجاء نص مذكرة الإعلان على النحو التالي: “أتشرف بإحاطة معاليكم علما، بأنه بالنظر لما لأهل فلسطين من حق طبيعي في تقرير مصيرهم واستنادا إلى مقررات اللجنة السياسية ومباحثاتها، تقرر إعلان فلسطين بأجمعها وحدودها المعروفة قبل انتهاء الانتداب البريطاني عليها دولة مستقلة وإقامة حكومة فيها تعرف بحكومة عموم”.

وأعلن أحمد حلمي عبد الباقي رئيسا وبعضوية كل من: جمال الحسيني، رجائي الحسيني، عوني عبد الهادي، حسين فخري الخالدي، علي حسنا، ميشيل أبيكاريويس، يوسف صهيون، وأمين عقل.

واصل معارضو المفتي الحسيني رفضهم للحكومة وعقدوا مؤتمرا في عمان برئاسة الشيخ سليمان التاجي الفاروقي، أحد معارضي المفتي. وأرسلوا معارضتهم إلى جامعة الدول العربية وأقر المؤتمر الملك عبد الله ممثلا لشعب فلسطين.

وعقد مؤتمر ثانٍ في أريحا برئاسة الشيخ محمد علي الجعبري رئيس بلدية الخليل تم الإعلان فيه عن وحدة الأراضي الفلسطينية والأردنية، ومبايعة عبد الله ملكا على فلسطين.

وعقد مؤتمر ثالث في رام الله أيد فيه المؤتمرون قرارات مؤتمر أريحا كما دعوا إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتنفيذ تلك القرارات. وقد صاحب المؤتمرات التي جمعها الملك عبد الله، جولات قام بها الملك في أنحاء من فلسطين أخذ خلالها البيعة لنفسه، وبلغت الحكومات العربية والأمانة العامة للجامعة العربية، نتائج تلك المؤتمرات.

وكانت الهيئة العربية العليا والحكومة الجديدة، قررت الدعوة إلى مجلس وطني فلسطيني لتأكيد شرعية الحكومة وإظهار تأييد الشعب العربي الفلسطيني لها. وقد انعقد المؤتمر في تشرين الأول/ أكتوبر عام 1948 في غزة برئاسة الحاج الحسيني، أعلن عن شرعية الحكومة الجديدة، كما تقرر إعلان استقلال فلسطين وإقامة دولة حرة ديمقراطية ذات سيادة. ورسم الإعلان حدود فلسطين، وهي الحدود الدولية مع سورية ولبنان شمالا، ومع شرق الأردن شرقا، والبحر المتوسط غربا، ومع مصر جنوبا. وشجب المؤتمر محاولة اليهود إنشاء دولة في الأراضي المغتصبة، وأقر أيضا دستورا مؤقتا لفلسطين، وعقد قرض لا يزيد عن خمسة ملايين جنيه.

إلا أن حماس الدول العربية لحكومة عموم فلسطين سرعان ما فتر بسبب ضغوط أجنبية قيل إنها مورست عليها. كما أن مصر التي تحمست لقيام هذه الحكومة واعترفت بها لم تلتزم بما تعهدت به نحوها، فلم تسمح لها بممارسة أي دور في غزة التي كان الجيش المصري مرابطا فيها وتخضع لإدارتها، ووجد وزراء حكومة عموم فلسطين أنفسهم غير قادرين على أداء وظائفهم لأن اختصاصاتهم كانت تقع تحت سيطرة الإدارة العسكرية المصرية.

واستدعى رئيس وزراء مصر محمود فهمي النقراشي باشا آنذاك رئيس المجلس الأعلى لحكومة عموم فلسطين أمين الحسيني إلى القاهرة، وحينما امتنع أجبره على ذلك بالقوة وبما يشبه الإبعاد. وبعد ذلك لم تسمح النشاطات المصرية لحكومة عموم فلسطين بالبقاء في غزة وطلبت منها الرحيل إلى القاهرة، ولم تمكنها من مزاولة مهامها وحجبت عنها الأموال والصناعات التي كانت قد وعدتها بها من قبل، ولم تكن حريصة على دعوتها لحضور دورة مجلس الجامعة في عام 1949 أي بعد عام واحد من تشكيلها مما أدى إلى تفرق أعضائها بعد تأكدهم من عدم جدية الدعم المصري لها، باستثناء التأييد الذي لم يتجاوز بضعة أشهر.

ومن ناحية أخرى قامت جامعة الدول العربية بالتضييق على حكومة فلسطين ماليا مما أجبرها على تسريح القوات المتبقية من الجهاد المقدس التي كانت تعمل في المنطقة المصرية من فلسطين، وتحت إشراف الجيش المصري. أما القوات التي كانت تعمل في المناطق التي يسيطر عليها الجيش الأردني قبل ذلك فاستلم الجيش الأردني مواقعها.

وكان عدم توفير الجامعة العربية الموارد المالية لحكومة عموم فلسطين الضربة القاضية التي قضت عليها في النهاية مما أدى إلى صدور قرار بإلغاء وزارات الحكومة وتقليص أعمالها في أيلول/سبتمبر 1952.

وقبل ذلك كانت حكومة عموم فلسطين تعتمد في مواردها على كل من الهيئة العربية العليا لفلسطين التي كان يرأسها الحاج أمين الحسيني وأموال صندوق الأمة العربية، ومبلغ 25 ألف جنيه مصري يقال إن جامعة الدول العربية رصدتها أثناء الإعداد للمؤتمر الوطني في غزة، وتذكر مصادر الهيئة العربية العليا أنها تكفلت بنفقات الحكومة في الفترة ما بين تشكيلها وحتى نهاية عام 1949 ومقدارها 5421 جنيها. وتبين رسائل حكومة عموم فلسطين للجامعة العربية على أن الجامعة لم تف بتعهداتها المالية للحكومة بعد إنشائها حسب ما أعلنت عنه من قبل، وتعترف الحكومة باستلامها مبلغ عشرة آلاف جنيه مصري، وأرسلت كيفية إنفاق هذا المبلغ بناء على طلب الجامعة.

ثم تقرر تقليص حكومة عموم فلسطين إلى مجرد شخص أحمد حلمي وسكرتيرها العام جميل السراج وبضعة موظفين وتخفيض مخصصاتها إلى 1500 جنيه مصري، وعلى الرغم من تواضع هذا المبلغ إلا أن الحكومة كانت تجد مشقة في الحصول عليه من الجامعة، وقد بلغت أعلى موازنة للحكومة في العام المالي 1962/1963 ما قيمته 5700 جنيه مصري أي ما يعادل 475 جنيها شهريا وكانت الحكومة تعتمد في تغطية نفقاتها على رسوم جوازات السفر التي كانت تصدرها بمعدل جنيه واحد على كل جواز تصدره. وما زاد عن ذلك كانت تقدمه إعانات رمزية للأسر الفلسطينية المحتاجة.

ورغم أن حكومة عموم فلسطين كانت غير قادرة على الإيفاء بالتزاماتها السياسية والعسكرية، فإنها استغلت الهامش الضيق الذي منحته لها بعض الدول العربية، فأصدرت 60 ألف جواز سفر باسمها للفلسطينيين في بعض الدول العربية، ما بين عامي 1948 و1961، كما سمح لها بالعمل في بعض المجالات كمجال التعليم والصحة والشؤون المدنية وغيرها.

وعلى الرغم من كل هذه العقبات والعراقيل ظلت هذه الحكومة قائمة إلى أن غادر رئيسها أحمد حلمي القاهرة في أواخر عام 1962 إلى لبنان حيث اشتد به المرض وتوفي في عام 1963 فانتهت بانتهائه.

المراجع:

*أنيس صايغ: الهاشميون وقضية فلسطين، بيروت 1966.
*جامعة الدول العربية: قرارات مجلس جامعة الدول العربية الخاصة بقضية فلسطين منذ الدورة الأولى وحتى الدورة الخمسين، القاهرة، 1970.
*خيرية قاسمية، عوني عبد الهادي، أوراق خاصة، بيروت 1974.
*عبد الله التل: كارثة فلسطين، القاهرة 1959.
*محمد عزة دروزة: القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها، بيروت 1960.
* محمد خالد الأزعر: حكومة عموم فلسطين في ذكراها الخمسين، دار الشروق، 1998.
*عارف العارف: نكبة فلسطين والفردوس المفقود 1948 ـ 1952

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى