حل السلطة الفلسطينية يشق الطريق لعودة “روابط القرى”

السياسي – تؤكد دراسة صادرة عن مركز “مدى الكرمل” للدراسات الاجتماعية التطبيقية، في حيفا داخل أراضي 48، أن النتيجة المتوقعة في حال حل السلطة الفلسطينية هي غياب سلطة مركزية في الأراضي الفلسطينية، محذرة بالتالي من انعكاسات خطيرة على الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ويستعيد “مدى الكرمل” في دراسة جديدة بعنوان “حل السلطة الوطنية الفلسطينية في حال ضم إسرائيل أراضيَ الضفة الغربية: مقاربات وخيارات” منابع فكرة حل السلطة الوطنية الفلسطينية وتقول إنها ظهرت لأول مرة عند محاصرة الرئيس “ياسر عرفات” عام 2002 داخل مقر المقاطعة في رام الله.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

وتنوه أن المقصود بحل السلطة هو: “نزع صفة الولاية عنها وعن مؤسساتها”، وذاك يشمل الولاية الإقليمية والوظيفية والشخصية المحددة لها بموجب اتفاقية أوسلو، وهذا يُفضي إلى أمور عدة، أهمها إلغاء إلزامية اتفاقية أوسلو وما تمخض عنها من اتفاقيات لاحقة، والتحلل من أي التزامات سياسية ارتبطت بها السلطة، وإلغاء وحل جميع المؤسسات التابعة للسلطة والمنبثقة عنها، بما فيها مؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراء والمجلس التشريعي، والعودة إلى مربع ما قبل اتفاقية أوسلو، وتحمل إسرائيل مسؤولياتها القانونية، كدولة محتلة، تجاه سكان الأراضي المحتلة في الضفة الغربية وقِطاع غزة.

وفي ضوء ما سبق تتناول الدراسة في محورها الأول بداية ظهور فكرة خيار حل السلطة الوطنية الفلسطينية بالتزامن مع العدوان الإسرائيلي “السور الواقي” عام 2002، الذي أدى إلى احتلال مناطق الضفة الغربية، وتدمير مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، وبنْيتها التحتية، بالإضافة إلى محاصرة الرئيس “ياسر عرفات”.

السور الواقي

وقد توالت بعد عملية “السور الواقي” الطروحات التي تنادي بحل السلطة على أثر انسداد الأفق السياسي لعملية السلام، واستمرار تعنت إسرائيل في تنفيذ التزاماتها المنصوص عليها في الاتفاقيات المبرَمة بينها وبين السلطة. وتذكر بأن الفكرة طُرحت مرة أخرى عام 2010، وذلك في أعقاب فشل حكومة باراك أوباما في الضغط على حكومة إسرائيل لتجميد بناء المستوطنات أو قبول شروط مرجعية لمحادثات السلام الدولية للمفاوضات.

وتستعيد تصريح الرئيس “محمود عباس” -خلال مقابلة متلفزة في ديسمبر/كانون الأول عام 2010- أنه إذا استمرت إسرائيل في بناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية، سيجري حل السلطة الوطنية الفلسطينية، وأضاف قائلًا: “لا يمكن أن أقبل أن أبقى رئيسًا لسلطة لا وجود لها”. كما هدد الرئيس “محمود عباس” لاحقا في خطاب ألقاه أمام اجتماع الدورة الثانية والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في الـ20 من سبتمبر/ أيلول عام 2017 بحل السلطة، إذ قال: “لا يمكن استمرار الوضع القائم، ومع ذلك فقد ازداد هذا الوضع سوءًا”.

كذلك تستذكر الدراسة قيام الرئيس “محمود عباس” بالتلويح مرة أخرى بفكرة حل السلطة الوطنية الفلسطينية في الـ14 من كانون الثاني عام 2018، في كلمته التي ألقاها خلال الجلسة الافتتاحية للدورة الثامنة والعشرين للمجلس المركزي الفلسطيني في مقر الرئاسة في مدينة رام الله، إذ ذكر أن إسرائيل أنهت اتفاقية أوسلو، مضيفًا قوله: “إننا سلطة من دون سلطة وتحت احتلال من دون كلفة ولن نقبل أن نبقى كذلك”.

مقاربات إجرائية

أما في محورها الثاني، فهي تناقش أربع مقارَبات إجرائية رئيسية تتعلق بهذا الخيار إن ضمت إسرائيل مناطق في الضفة الغربية. وتدعو المقارَبة الأولى إلى حل السلطة الوطنية الفلسطينية وتسليمها للسلطات الإسرائيلية وإلقاء مسؤولية إدارة المناطق المحتلة على عاتق الاحتلال، ليتحمل مسؤولياته القانونية تجاه سكان الأراضي المحتلة، مع الاستمرار في بناء مقومات الصمود الذاتية، ومقاومة الاحتلال بكل السبُل المتاحة.

وتستند الآراء المؤيدة لحل السلطة الوطنية الفلسطينية إلى فكرة أساسية مفادُها أن السلطة لا تمتلك سيادة حقيقية لإدارة شؤون الأراضي الفلسطينية، ولم يعد بمقدورها تطوير المشروع الوطني، وتحقيق إنجازات إضافية على مختلف الصعُد. وترى هذه المقارَبة أن هناك أسبابًا عديدة ترتكز عليها، أهمها: عدم قدرة السلطة الوطنية الفلسطينية على التحرر من القيود المفروضة من قِبل إسرائيل بهذه الالتزامات، والتحرك بحرية على المستوى الدولي، عدم تطوير الحركة السياسية الفلسطينية الداخلية، عدم المقدرة على إنهاء الانقسام الفلسطيني، وجود شروط اقتصادية ومعيشية قاسية لا تملك السلطة حلا لها. أضف إلى كل هذا مشروعَ إسرائيل لضم منطقة الأغوار، وأن هذه الأسباب تتزايد وتتفاقم. كذلك ترى هذه المقارَبة أن السلطة مشروع قد استنفد كل ما يمكن، وأخذ أكثر من وقته، وأنه ينبغي الإعلان عن حل السلطة وعدم الالتزام باتفاقيات التسوية؛ إذ إن المطالَبات بحل السلطة مع استمرار التأزم الراهن آخذة في الاتساع.

حل السلطة.. قفز للمجهول

بينما تدعو المقارَبة الثانية إلى عدم حل السلطة بأي حال من الأحوال وهي تنظر إلى السلطة الوطنية الفلسطينية باعتبارها “منجَزًا وطنيًا كبيرًا” يجب الحفاظ عليه وترسيخه وتعزيزه وتقويته، وأنها حصيلة نضال فلسطيني سياسي طويل وشاق نحو تفعيل الهُوية وبناء الكيانية السياسية الفلسطينية، وأنها خلاصة تطور تجربة الثورة الفلسطينية، وأنها أُنشِئت بقرار من المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1994، بموجب اتفاقية أوسلو الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1993.

إجمالًا، وَفق هذه المقارَبة، خيار حل السلطة دون إيجاد بديل واقعي قابل للتحقق في مواجهة إسرائيل، التي لا تزال تتنكر للحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، لا يمثل الخيارَ الأنجع والأفضل محذرة من أن هذا الخيار يَفتح الطريقَ أمام بدائل وخيارات أخرى قد لا تخدم الشعب الفلسطيني. لذا، تنظر هذه المقارَبة إلى اعتبار أن خيار حل السلطة بمثابة خطوة قفز في المجهول، وأن الحالة الفلسطينية لا تتحمل كلفة هذه المغامرة، وتبعات مخاطرها، وأن الاستمرار في ظل السلطة أفضل من الانكشاف للمتغيرات الدولية والإقليمية.

تغيير وظيفة السلطة لا حلها

تنظر المقارَبة الثالثة إلى خيار حل السلطة الوطنية الفلسطينية بطريقة انتقائية، حيث تطرح مقارَبة تحاول التوفيق بين المقاربتَيْن السابقتَيْن؛ فبدلًا من العودة إلى حل السلطة، يُبحث في تغيير وظيفة السلطة على الأرض تدريجيا، بما يجعل من وجودها مصلحة وطنية حولها توافُق وطني وفي الوقت نفسه اعتراف رسمي دولي بها.

وترى دراسة “مدى الكرمل” أنه من وجاهة هذه المقارَبة أنها تعترف بالنتائج الكارثية التي أفضى إليها مشروع التسوية السياسية، وتعترف بأدوار السلطة المتناقضة مع المشروع الوطني التحرري، وتعلن رفضها التام لتقديم أي تعاون أمني مع الاحتلال في ظل وقف المفاوضات. تركز هذه المقارَبة على منظمة التحرير باعتبارها ذات شرعية تاريخية وثورية وتمثيلية أوسع للفلسطينيين كافة في أماكن تواجدهم، وتَعتبر أن السلطة الوطنية الفلسطينية هي إحدى مؤسسات المنظمة، وأن السلطة العليا هي للمجلس الوطني الفلسطيني التابع للمنظمة، لا للاتفاقيات مع إسرائيل، وبالتالي المجلس الوطني الفلسطيني هو الذي يقرر هذا الدوْر.

إعادة تشكيل السلطة من قِبل منظمة التحرير الفلسطينية وضم فلسطينيي الداخل

يتمثل جوهر المقارَبة الرابعة في إعادة النظر في بنْية السلطة ودَوْرها ووظائفها خلال مرحلة انتقالية يجري خلالها بناء البديل الوطني لاستمرار قيادة المجتمع الفلسطيني، وإدارة شؤونه على قاعدة إعادة الاعتبار لدَوْر حركة فتح التي تقود السلطةَ الوطنية الفلسطينية وبرنامجها، استعدادًا لخيارات قد يكون من بينها انهيار السلطة أو حلها نهائيا، ولكن مع تسليم مفاتيحها لمنظمة التحرير الفلسطينية لا للسلطات الإسرائيلية.

وتشمل هذه العملية -في ما تشمل- إعادة بناء التمثيل الوطني في إطار منظمة التحرير الفلسطينية بما يشمل الفلسطينيين في مناطق الـ48، وإعادة النظر في شكل ودَوْر ووظائف والتزامات السلطة الوطنية الفلسطينية وعلاقتها بالمنظمة، في سياق تصحيح مسار المصالحة الوطنية، بالاستناد إلى تسوية تاريخية بين التيار الوطني الديمقراطي العلماني والتيار الإسلامي. وترى هذه المقاربة أن إعادة بناء المشروع الوطني يجب أن تكون انطلاقًا من إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، باعتماد خطاب الحقوق التاريخية ضمن ميثاق وطني يتضمن ركائز المصلحة الوطنية العليا، إضافةً إلى البرنامج الوطني التوافقي، مع مراعاة خصائص التجمعات الفلسطينية في الوطن والشتات.

ورغم الطابع التوفيقي الذي يجمع بين خيارات إستراتيجية يُترَك الحسم بشأنها للإجماع الوطني خلال المرحلة الانتقالية في سياق إعادة الاعتبار لمكانة ودَوْر ووسائل كفاح حركة التحرير الوطني الفلسطينية، وإنهاء الانقسام، فإن أصحاب هذه الرؤية يرجحون عمليا انسداد الأفق أمام إمكانية تحول السلطة إلى دولة مستقلة ذات سيادة، لكنهم يطرحون إعادة تشكيل السلطة، أو لنَقُل إعادة بناء نموذج جديد للسلطة، انطلاقًا من رفض انسحاب الحركة الوطنية من تحمل مسؤوليتها في إدارة شؤون شعبها.

مخاطر ومحاذير متنوعة

وفي الخاتمة تحذر الدراسة أنه من الناحية السياسية فإن حل السلطة دون إعادة بناء الحركة الوطنية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية من شأنه أن يخلق فراغًا في إدارة شؤون المجتمع الفلسطيني تملأه إسرائيل بأجهزتها العسكرية والأمنية، فضلًا عن إشرافها على القِطاعات المدنية التي تشرف عليها وزارات السلطة ومؤسساتها حاليا، ولا سيما التعليم والثقافة والآثار، وهو ما يتيح أن تطلَق يد إسرائيل تخريبًا لِمَا أُنجِزَ في بعض القِطاعات (كالمنهاج الفلسطيني -على سبيل المثال).

هذا مع التذكير بأن منظمة التحرير الفلسطينية خاضت قبل قيام السلطة معارك لترسيخ شرعية قيادتها للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقِطاع غزة، وسعت إلى إدارة شؤونه في مختلف القِطاعات، بدءًا من البلديات والنقابات وليس انتهاء بالجامعات، ولم تنسحب قَط من تحمل مسؤوليتها حيال الشعب الفلسطيني. أما من الناحية الاجتماعية، فإن غياب السلطة دون تنظيم الوضع الفلسطيني معناه العودة إلى الحكم العشائري، وأسلوب القوة في استرداد الحقوق داخل المجتمع الفلسطيني، وعودة أعوان إسرائيل و”روابط القرى”، كما سيعمل على انتشار الفوضى في المناطق التي كانت السلطة الوطنية الفلسطينية تسيطر عليها؛ بسبب عدم وجود قوات أمنية تحمي المجتمع من الجرائم.

ومن الناحية الاقتصادية، البنْية الاقتصادية التي تشكلت على مدى عمْر السلطة الوطنية الفلسطينية، وإنْ كانت متواضعة، ستشهد انهيارًا بمجرد حل السلطة.

خلاصة

ترى الدراسة أن قرار الرئيس الأمريكي “دونالد ترامـب” اعتبار مدينة القدس عاصمة لإسرائيل جاء كاشفًا لحقيقة سياسية واضحة منذ بدايتها، وإن التغيرات الدولية والإقليمية باتت تشكلُ تهديدًا بمصادرة الحقوق الفلسطينية، وتصفيتها لصالح إسرائيل.

وتخلص للقول إنه في ظل استنزاف الحالة الفلسطينية في صراع على السلطة، تضعف إلى حد كبير الخيارات الفلسطينية، وقدرة تأثير الفعل الفلسطيني في ظل حالة الانقسام الراهنة. من هنا تقول دراسة “مدى الكرمل” إنه بحال كان قرار حل السلطة سيشكل رد فعل سياسيا على تأزم مشروع التسوية السياسية، يجب أن يكون ذلك في إطار توافقي، دون مصادرة المكتسبات الوطنية، وتتابع: “ولكن هذه المنجزات يجب أن تؤسس وتجدد شرعيتها، كما أن التحرك على المستوى الدولي يجب أن يكون مبنيا على شرعية داخلية”، منوهة أن أقوى السياسات الخارجية هي السياسة الداخلية القوية، و”إذا كان إطلاق الشعار أن الوحدةَ مَدخلٌ للتحرير، ففي الإمكان القول -كذلك- إن الوحدةَ مَدخلٌ للتدويل”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى