حمامة تصعد الى السماء
بقلم: مهند طلال الاخرس

حسين غورو دلكي، احمد موسى الدلكي، حسن حميدي دلكي، وحش شحاده دلكي، محمد عبدالله دلكي، هذه اسماء الابطال الذين دشنوا انطلاقة الثورة الفلسطينية في 1/1/1965، فهذه المجموعة هي التي نفذت “عملية عيلبون”، وخلف هذه المجموعة كانت هناك سنين من التفكير والتخطيط والاعداد والتجهيز، وخلف اسماء ابطال هذه العملية كان هناك اسماء اخرى وابطال اخرين ساهموا في التخطيط والتنفيذ ايضا ومنهم الفدائية والمناضلة حمامة وهي شقيقة قائد المجموعة حسين غورو الدلكي.
والحاجة حمامة هي من حملت على رأسها المتفجرات لعملية عيلبون لمسافة امتدت اكثر من 2 كم، حملت على راسها المتفجرات للتتجاوز نقاط التفتيش الممتدة حتى النهر، حملتها بجسارة واقتدار، حملتها كمن يحمل الروح على كفه، حملتها ولم تهب، وحين حاول جنود نقطة التفتيش ارغامها على الوقوف لتفتيش تلك الحمولة نهرتهم واخبرتهم انه طعام لاهلها الذين يعملون في اراضيهم الزراعية بمحاذاة النهر.
وحمامة هي من ساهمت بعملية التمويه والتخفي وفي تشتيت الانظار عن كل المترصدين والحاقدين بالاضافة الى دورها في التحفيز والتجهيز والمراقبة والدعم.
الحاجة حمامة توفيت اليوم في منزلها الكائن في الشونة الشمالية في الاردن، توفيت في نفس ذلك البيت الذي شهد الاعداد والتجهيز لعملية عيلبون، وهو ذلك المنزل الذي هاجمه الاحتلال وطيرانه في غاراته المتعددة بعد نجاح تلك العملية.
بقي المنزل صامدا كأصحابه، غادره شهداء كثر ، لكن بقيت ارواحهم تجوب المكان وترقب البلاد وتحفز على النضال والفداء والتضحية.
بقي المنزل صامدا رغم زخات الرصاص والقذائف التي ترسم واجهته الامامية، بقي المنزل عامرا بأنفاس حمامة وبقي لسانها لاهجا بذكر افضال واعمال هؤلاء الابطال من الرواد الاوائل.
في بلدة الشونة الشمالية حيث يقع منزل حمامة، ترى من هناك وبالعين المجردة، اجمل ما يمكن ان ترى العين فلسطين…
ان حصل وزرت تلك البلدة لا تنسى حمامة وعائلة الدلكي الكرام، اسأل عنهم، لن تغلب ولن تتعب، اطلق لخطواتك العنان، ستقودك اليهم سريعا، لكن سر على مهل وتجول ببطء، ويفضل ان تخلع نعليك، فتحت اقدام خطواتك سيرة الانطلاقة الاولى، فتمهل وسر برفق كي لا تدوس على خطواتهم الاولى…
هناك وفي تلك البُقعة في الشونة الشمالية ستخرج من منزل حمامة تستطلع الجدران المليئة بزخات الرصاص والظاهر عليها اثر القذائف الى الان، ستناظر تلك الجدران بعمق واسى، هناك يسمح لك التاريخ بأن تسترجع الاحداث، ستحتاح لكثير من الوقت لتدرك انك تعيش خارج ذلك العصر وانك اسير تلك الذكريات.
في حارة الدلايكة يستثيرك الفضول للتجوال في حضرة الشهداء، تتعبك الذكريات ويثور الحنين ويضنيك الشوق لفلسطين، امتار معدودة ستصل الشارع الرئيسي، تقف واضاعا يدك على خصرك والاخرى على رأسك لتحجب اشعة الشمس التي تغرب في فلسطين، حتى الشمس تشعر هناك انها تشرق على كل الدنيا لكنها لا تغرب إلاّ في فلسطين، في تلك اللحظة عند المغيب تشعر ان الشمس تزور الجميع لكنها لا تبيت إلاّ في فلسطين.
في تلك اللحظة بالذات لا يكتمل المشهد إلاّ وانت تسمع المحتسب وهو يردد على مسامع كل من -ابو عاصم وميلاد والكرمي وزياد وابو علي وسليم- حكاية بيان العاصفة الاول، كان المحتسب يستذكر كل كلمة في تلك البيان، رد عليه ميلاد بقوله، تصور يا محتسب بأننا كنا في البيت الذي ذكره ذلك البيان حين قال: “وعادت الى قواعدها سالمة” واكمل ميلاد بقوله: تصوروا يا جماعة اننا على خطواتهم نمشي… فتزهر الدنيا … تصوروا…وبكى.
لم يستطع ميلاد ان يكمل، كان الجو مشحونا بالعواطف وبالروائح كذلك، كان اريج بيارات فلسطين يتسلل الى انوفنا حُباً وطواعية، كانت صدورنا تمتليء بكل ذلك الاريج والشذى القادم من عند خيوط الشمس، كانت صدورنا تكتنز الانفاس ولا تخرجها، صعدنا السيارات وتجهزنا للرحيل، لم يعط المحتسب لدموعنا فرصة ان تتوارى بعد وداع المضيفين، كان المحتسب قد ادار مفتاح مسجل سيارته على تلك الاغنية التي تفتحت معها كل الجروح ولم يعد يجدي معها نفعاً اي محاولة لايقاف ذلك السيل من الدموع، كان المحتسب قد نجح في هزنا واسقاط ما تبقى فينا من دموع.


على مهل انطلقنا ونحن نودع حمامة وحارة الدلايكة، وعلى مهل كانت كلمات تلك الاغنية تودع اصحابها وتقول:
“الليلة عيد راس السنة
الليلة مروا من هنا
وصلوا النفق
احمد سبق
أحمد زحف تحت الجسر
أعطى الإشارة للرفق
خمس دقائق باقية على ساعة الصفر
خمس دقايق باقية ويطوف بالنهر
يغسل جراح أيوب
ويا دروبنا يا دروب
باقي ع خمس قلوب
قتلت صبر أيوب…”
تلك الاغنية سمعتها مرارا وتكرارا، لكني اشهد الله ان في ذلك اليوم كان لها طعما ومذاقا اخر، طعما تسبب به المحتسب وحمامة.
توفيت حمامة وفي جعبتها امنية لم تتحقق، كانت تتمنى حج بيت الله الحرام وان تُكمل حجتها بزيارة الاقصى وتقديس حجتها، توفيت حمامة وبقيت سيرتها العطرة والطيبة والناصعة، تلك السيرة التي تختزل مسيرة شعب مناضل مكافح واجه الكثير من الصعاب ليشق طريه نحو التحرير والنصر بكل عزة وكرامة.
توفيت حمامة وفي جعبتها الكثير من الشهادات على عصر كان العنفوان فيه سيدا…
توفيت حمامة وفي اعناقنا امانة لها ولامثالها بأن تستمر المسيرة…
توفيت حمامة واخذت معها كثير من الاسرار والحكايات التي كنّا بأمس الحاجة كي تسجل وتوثق ولكي تأخذ حقها في التاريخ، نجحنا في امر ولم نوفق في كثير من الامور الاخرى، لعل بوفاة حمامة ندق ناقوس الخطر تجاه ذاكرتنا وتاريخنا الذي لا يريد له الكثيرون ان يروى او يبقى، هؤلاء يريدونه نسيا منسيا؟!؟.
توفيت حمامة ابنة الثمانين عاما ومن قبلها كل افراد مجموعتها، توفيت حمامة وفي القلب غصة؛ لانها كسائر افراد شعبها لم تنل حظها من الحياة، رغم انها كانت كنجمة الصُبح اعطت كل شيء لوطنها وشعبها ولم تأخذ حصتها من الوفاء والتكريم، فأمثال حمامة وافراد مجموعتها كان يجب تكريمهم من اللجنة المركزية للحركة وبأرفع الأوسمة، فهؤلاء هم من صنعوا المجد لشعبنا ولم تذكر روايتهم بما يجب، امثال حمامة وافراد مجموعتها هم من صنعوا مجد شعبهم وهم من اسهموا ببناء المداميك الاولى لقوات العاصفة، تلك العائلة “الدلكي” لم تكن من ضمن صفوف العائلات الحاكمة او المالكة التي نهبت وسلبت وطنها العربي، تلك العائلة حفظت نفسها وحفرت اسمها على جدران الذاكرة وعلى كل الاسلاك الشائكة التي تمزق حدود وطننا العربي الكبير.
تلك العائلة وبعد انطلاقة الثورة الفلسطينية المجيدة في 1/1/1965 اصبح اسمها يضاهي شرفا ويفوق كل تلك العائلات الوضيعة والتي لم تنتج لنا سوى روابط القرى.
تلك العائلة وسيرتها اثبت ان التاريخ ما تصنعه ايدي ابناءه لا ما يدعيه السفلة والاوباش.
تلك الانطلاقة وذلك التاريخ وجب معه اعادة كتابة وتدوين تاريخ كثير من العائلات وتصحيحه، ومع هذا التدوين والتصحيح سيتفاجأ الكثيرون ان من كنا نعتقدهم من علية القوم والاشراف سيظهروا على حقيقتهم بأنهم سفلة واوباش، لاجل ذلك واكثر كان هناك على الدوام من يستهدف تاريخنا وذاكرتنا بغية شطبها والغائها.
طوبى للرجال الرجال، وطوبى للماجدات من ابناء شعبنا،
طوبى لحمامة ولروحها الطاهرة وهي تصعد الى العلا…
طوبى لحمامة صاحبة اللسان الجميل المتقد والمتحفز والزاخر بذكريات الزمن الجميل ..
طوبى لحمامة وهي الراحلة عنا الصاعدة الى السماء بعد ان استحقت وعن جدارة لقب الفدائية الاولى صاحبة الفعل الجسور..
نحسبها عند الله من الشهداء والابرار في عليين، ولن نقول إلا ما يرضي الله وانا لله وانا اليه راجعون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى