حملة ممنهجة تنسب آثار فلسطين للاحتلال – سرقة التاريخ

السياسي – في الوقت الذي يواصل فيه الإحتلال الإسرائيلي سرقة الأراضي الفلسطينية علنا أمام العالم؛ يقوم بالسطو على تاريخ البلد الضارب عبر الأزمنة القديمة وينسبه لكيانه الغاصب في محاولة لزرع الاعتقاد بأن له آثار وتاريخ قديم رغم أن عمره 70 عاما فقط.

وتتوالى الأخبار التي تُصَدرها الآلة الإعلامية العالمية الداعمة لإسرائيل عن اكتشافات أثرية متتالية في أرض فلسطين؛ ولكن ينسبها الكيان إلى نفسه، زاعما أن بعضها يرجع لتاريخ وجود اليهود في تلك الأراضي قبل قرون.

“عناوين متحيزة”

الكثير من العناوين الصحفية من موقع شبكة (BBC) تتحدث عن اكتشافات أثرية في فلسطين، إلا أن عناوين تلك الأخبار وصياغتها تتحدث عن إسرائيل فقط ولم تذكر ولو مرة واحدة أن هذه الاكتشافات فلسطينية.

آخر تلك الاكتشافات والأخبار حملت عنوان: “غواص يعثر على سيف صليبي عمره 900 عام قبالة سواحل إسرائيل”.

يقول الخبر إنه تم اكتشاف سيف طوله مترا (3.3 قدما) في مياه البحر المتوسط مقابل مدينة حيفا، إلا أنه لم يشير من قريب أو بعيد إلى فلسطين.

الترويج لإسرائيل الأثرية والتاريخية ذهب لأبعد من استبعاد اسم فلسطين، حيث زعمت إحدى الأخبار وجود اكتشافات يهودية قديمة، إذ قال العنوان: “علماء الآثار يجدون “صبغة ملكية توراتية” في إسرائيل”، مدعيا أنها ترجع لعهد الملك التوراتي ديفيد.

ومن عينة تلك الأخبار “مصنع نبيذ إسرائيل: تم العثور على مجمع نبيذ بيزنطي عمره 1500 عام”، وهو ما يوحي لأي قارئ بأن إسرائيل دولة ذات كيان ضارب في القدم، وله تاريخه وآثاره على هذه الأرض، وليس كيانا محتلا، حديث الوجود.

بل إن ما يُصَدره الكيان من أخبار عن الاكتشافات الأثرية طالت الحقبة الإسلامية دون ذكر اسم فلسطين، وإظهار الأمر كونه اكتشاف في إسرائيل القرون الوسطى. وفي هذا الإطار يبرز خبر بعنوان “شبان إسرائيليون يكتشفون عملات ذهبية عمرها 1100 عام من العصر العباسي”.

وبجانب ما سبق هناك أخبار وعناوين عديدة منها “العثور على سر القصر الرائع في القدس”، و”الإسرائيليون القدماء `يحرقون القنب في العبادة”، و”تم العثور على لفائف قديمة نادرة في كهف الرعب في إسرائيل”، و”العثور على آثار لأقدم جبن في العالم”.

“تمرير مريب”

أستاذ الجغرافيا الطبيعية المساعد بكلية الآداب جامعة القاهرة، عاطف معتمد، لفت إلى هذه الظاهرة بقوله عبر صفحته بـ”فيسبوك: “أتابع على مدار السنوات الخمس الماضية ظاهرة تخصيص شبكة (BBC) مقالا أو خبرا بمعدل مرة كل شهرين أو 3 لعلم الآثار القادم من إسرائيل”.

وأشار إلى أن أحدث الأخبار هي العثور على سيف يعود عمره لنحو 900 سنة من آثار الحملات الصليبية، لافتا إلى أنه بغض النظر عن كيفية تحديد عمر السيف دون دليل خطي أو رقمي مكتوب عليه؛ إلا أن الخبر لا يذكر أي شيء عن فلسطين.

وأضاف أن الخبر “ربط بين إسرائيل وتاريخ الحملات الصليبية ورحلة الألف سنة الماضية؛ وكأن هذه الدولة التي لا يزيد عمرها عن 70 سنة حاضرة هنا من 900 سنة منذ أيام صلاح الدين الأيوبي”.

وحذر معتمد، من خطورة الأمر موضحا أن إسرائيل تحاول “تمرير ما يشبه الحقائق للأجيال الجديدة في الغرب وحول العالم من أن إسرائيل قديمة جدا”، في مقابل صمت متعمد عن أي شيء له علاقة بفلسطين أو أسمائها العربية أو تاريخها الجغرافي.

الأكاديمي المصري جزم بأن هذه الأخبار تقدم مكاسب اقتصادية وسياحية لإسرائيل باعتبارها وفق هذه الاكتشافات “بلدا غرائبيا به كنوز عديدة تستحق الزيارة والسياحة والاستثمار”.

“فرض الأمر الواقع”

‏مدير وحدة البحوث الوثائقية‏ سابق لدى ‏دار الوثائق القومية‏ المصرية الدكتور عماد هلال شمس الدين، شدد على خطورة تلك الحملة ونتائجها السلبية على القضية والآثار الفلسطينية.

أستاذ التاريخ ‏ بكلية الآداب‏ ‏جامعة “الملك فيصل”‏ أكد أن “إسرائيل عبر تلك الحملة تتبع سياسة فرض الأمر الواقع”، معتقدا أنه “مع السطوة الإسرائيلية ليس بأيدينا حيلة لمقاومة ألاعيب الاحتلال”.

“ترويج الإبراهيمية”

وفي رؤيته قال أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر الدكتور عاصم الدسوقي، إن “الهدف الإسرائيلي من تجاهل اسم فلسطين من أي اكتشاف أثري ونسبه لها على غير الحقيقة هو محو تاريخ فلسطين من ذاكرة العالم وتغيير الحقائق التاريخية”.

وأضاف : “بل إن إسرائيل بهذا تسعى إلى الترويج لما يسمى بـ(الديانة الإبراهيمية”، موضحا أن “الرد عليهم يكون من خلال المتخصصين في الآثار للربط بين زمن الأثر وزمن الشعب القائم آنذاك”.

ولام الدسوقي على الإعلام العربي الذي أخرج ملف فلسطين من حساباته مؤكدا أنه “بعد موجات تطبيع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب في 2020، فقد وطنيته وعروبته”.

وعن دور “الجامعة العربية” ومنظمة “اليونسكو” في الحفاظ على التاريخ الفلسطيني، أكد أن “الجامعة العربية من الأصل ليس لها سلطة قوية إذ أن (المادة 19) من ميثاقها تنص على أن الذي يوافق على تصرف ما يقوم بتنفيذه ولا يشترط إلتزام الأقلية برأي الأغلبية عند التصويت”.

وأوضح أن “اليونسكو منظمة ثقافية تقدم خدمات وليس لها قرارات ملزمة”، داعيا العرب والفلسطينيين وكل من له سلطة أو دور لإنقاذ تاريخ فلسطين من السطو الإسرائيلي، والدفاع عن تراثها بكشف فضائح الصهيونية العالمية التي تعمل على الهيمنة العالمية”.

“هذا هو الأخطر”

وفي تعليقه أكد أستاذ التاريخ ومدير المركز الثقافي الآسيوي، الدكتور أحمد الشرقاوي، أن تلك الحملة الممنهجة تمثل خطورة كبيرة على القضية والملف والتاريخ الفلسطيني، مضيفا أن “الأخطر هو ما لا يعلنون عنه، من دور خطير للصوص الآثار في مصر”.

ويوضح أن “هناك من ينقبون عن الآثار المصرية القديمة ويبيعونها للسفارة الألمانية في القاهرة بإشراف رجال الرئيس الأسبق حسني مبارك؛ لتصل في النهاية تلك الآثار إلى إسرائيل وخبرائها، فيزورونها لتصبح باسمهم، ويصبح الفراعنة أجدادهم بآثار رسمية”.

وبشأن المخاوف مما قد تؤدي إليه تلك الحملة العلمية الممنهجة من محو لتاريخ فلسطين من ذاكرة العالم وتغيير الحقائق الثابتة لدى الشعوب، يجزم الأكاديمي المصري بأنه “لا قلق على ذاكرة الأجيال من تلك الحملة؛ طالما هناك جهود عربية علمية مستمرة ومثمرة لتوثيق التاريخ الفلسطيني”.

وفي رؤيته لكيفية مقاومة تلك الحملة العلمية والإعلامية التي تسير بهدوء في غياب رد الفعل العربي، يؤكد الشرقاوي أن “تلك الحملات لابد أن تواجهها حملات علمية تبحث في تاريخ فلسطين والقدس وآثارهما”.

ويوضح أنها “جهود كبيرة جدا من جهات متعددة فردية وجماعية؛ لكن في النهاية المنطق الوحيد للانتصار هو القوة والسلاح وليست الثقافة والوعي فقط”.

“عربي21”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى