حين افقد حزب الله لبنان سمعته الدولية
فاروق يوسف

“الموت لأميركا وإسرائيل” شعار جاهز تحت الطاولة الإيرانية. يختفي أحيانا لأسباب نفعية وفي ظروف صعبة تقدر وسائل التعبئة الجماهيرية في إيران حساسيتها، غير أن ما لا يتوقعه أحد أن يُمحى ذلك الشعار من أدبيات السلوك السياسي الإيراني. فهو لازمة تحشيد وليس محاولة لقول الحقيقة.

فلو أن ذلك الشعار ظل مرفوعا دائما، تصدح به الحناجر في المناسبات الدينية لكان تعبيرا عن موقف مبدئي لا يتزعزع. وليس بالضرورة أن تتمكن إيران من تجسيد مبادئها على الأرض فذلك رهين بقدراتها التي تعتبر متواضعة بالمقارنة مع ذلك الهدف.

لن يطالب أحد إيران بإزالة إسرائيل وأميركا تأكيداً لمصداقية شعارها.

غير أن المضحك أن ذلك الشعار الذي صار جزءا من بداهة اللسان الإيراني يختفي كما ذكرت بين حين وآخر تبعا لتوقيتات، صار النظام الإيراني ماهرا في اختراعها باعتبارها مناسبات للتهدئة والإغواء.

ذلك السلوك ليس غريبا على إيران. إيران هي إيران. تفعل ما تراه مناسبا لمصير نظامها وتراعي في ذلك مصالحها. ليست فكرتها عن العالم ملزمة لها في كل الأوقات. وهو ما لا يفهمه أتباعها.

وقد يكون حزب الله من أكثر أولئك الاتباع عمى وصمما في ذلك المجال.

لقد عمل ذلك الحزب بغباء أخرق على الانحراف بلبنان عن مساره الطبيعي طمعا في تحويله إلى ولاية إيرانية. وهو ما أدى إلى أن يفقد لبنان شخصيته التي عُرف بها في العالم منذ اعلانه دولة حديثة مستقلة.

لبنان الذي كان موضع ثقة العالم بالرغم من تركيبة نظامه السياسي الطائفية، صار اليوم موضع شبهات بسبب هيمنة حزب الله على الحياة السياسية فيه. وهو ما انعكس سلبا على طريقة نظر الدول والمنظمات الدولية التي كانت في أوقات سابقة كريمة في الوقوف مع لبنان في أزماته المالية.

ما لا يعرفه البعض أن لبنان كان يعتمد على سمعته الحسنة في عملية الحفاظ على نوع من التوازن الاقتصادي. على الأقل كانت التحويلات المالية التي تصل إليه من الخارج مستقرة كما أن نظامه المصرفي لم يكن موضع شكوك.

لو أن حزب الله اكتفى بمناهضة الامبريالية ومقاومة اسرائيل وأبقى للبنان سمعته المصرفية مصانة على الأقل. لو أنه لم يضع الدولة تحت إبطه باعتبارها رهينة وسار بها إلى المذبح لما حدث انقلاب في طريقة النظر العالمية إلى لبنان.

لم يبق حزب الله لبنان في مكانه الذي يتيح للآخرين التعامل معه باعتباره دولة صغيرة هي جنة حريات ينبغي الوقوف معها في أزماتها.

سعى حزب الله إلى أن يكون هو ولبنان شيئا واحدا. محا الدولة اللبنانية من أجل أن تكون دولته هي الأصل. لذلك صار مفهوما أن تمتنع الكثير من الدول والمنظمات عن التعامل مع دولة هي عبارة عن واجهة لتنظيم تم تصنيفه باعتباره تنظيما ارهابيا من قبل العديد من الدول.

لقد ظُلم لبنان الحقيقي بشبهة لبنان الزائف.

لو أن قيادة حزب الله كانت حريصة على وجود لبنان دولة وشعبا وعلى مستقبلهما لتعلمت شيئا ينفعها من السلوك الإيراني المراوغ ولفضلت أن تكون شريكا في الحياة السياسية على أن تدفن نفسها ولبنان في قبر واحد.

لقد حظي شعار المقاومة بتقدير واحترام كل اللبنانيين، أما أن يكون ذلك الشعار مناسبة لعزل لبنان عن العالم من خلال افراغه من مقوماته الحقيقية واعتباره واجهة يقوم من خلالها حزب الله بتصريف شؤونه فإن ذلك ما من شأنه يدفع به إلى الفراغ. هناك حيث لا أحد في إمكانه أن يمد له يدا.

وإذا افترضنا على سبيل الجدل أن هناك دولا ومنظمات دولية ترغب في مساعدة لبنان من أجل اخراجه من محنته المصيرية فإنها ستجد أن عليها أن تتفاوض مع حزب الله ممثلا بواجهاته. وهو ما لا يقبل به أي طرف دولي يحترم معايير النزاهة في تعهداته.

كذب حزب الله في شعاراته على اللبنانيين وأستغفلهم غير أنه لن يتمكن من استغفال العالم. ولبنان هو الضحية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى