خرشي ينتقد سطحية التعديلات الدستورية ويكشف بأنها استجابتها لضغوط الخارج!
بشير عمري

في خرجة مفاجئة، أنتقد المترشح السابق للرئاسيات بالجزائر الاطار الإداري الوطني خرشي النوي في مداخلة له بالفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي الاجندة السياسية التي اتبعتها السلطة لما بعد انتخابات 12 ديسمبر الفائت والتي في رأييه عوض أن تستفرغ كامل ما لديها من وسع لمواجهة ظروف الحياة الصعبة للمجتمع التي نجمت عن عشريتين من التخريب والافساد للانسان والاقتصاد مارسهما بصفة ونية ممنهجتين ومقصودتين بوتفليقة وأتباعه، ليتم بعدها وضع خارطة طريق للاصلاح السياسي الشامل تسهم فيه كل الفعاليات والطاقات الوطنية، اختارت – السلطة – خوض طريق آخر قاطع مع الارادة الشعبية الحراكية منها وغير الحراكية وهي المسارعة إلى إجراء تعديلات دستورية شكلية تحتفظ بكل خصائص دساتير الارتكاس السياسي السابقة، مؤكدا بأنه طالما أن هاته الارادة القاطعة مع الواقع الوطني فضلا عن قطعها مع إرادة ومتطلبات الحراك كانت استجابة للضغوط الخارجية لا أكثر ولا أقل.

وفي السياق ذاته نشر الصحفي عياش دراجي مراسل الجزيرة من باريس منشور له على حسابه بالفيسبوك ألمح فيه إلى أن أنصار الاجندة السياسية ممن يجتمعون في أبهى وأفخم الفنادق بالعاصمة هم ممن تحرهكم دولاة لامارات.

فما مغزى هذا التصاعد في حدة الانتقاد للشاكلة التي تمضي عليها أو بالأحرى تقاد بها العملية السياسية خارج مداراتها الطبيعية وفي غياب تام لقطب المعارضة غير التقليدي الذي يرفض كل مبادرات سلطة 12 ديسمبر ويعتبر توجهها الخاطئ استمرار لازمة “الاستمرارية” كنهج وشعار لأنصار منظومة الفساد بقيادة بوتفليقة وعائلته وشلته ما تسبب في إنفجار ثورة الحراك التغييرية الكبرى؟

بالعودة إلى كلمة الاطار الاداري الوطني خرشي النوي، الذي أعاب عليه الكثيرون مبادرته بالترشح لانتخابات 12/12/2019 التي زكت مبادرة النظام وقتها بالقفز على الحقيقة الثورية للحراك،  فواضح أنه من خلالها حاول إظهار حقيقة الرفض المبطن للتغيير الذي كان ولا يزال مطلب ثورة الحراك، وهذا وفق أسلوب متكرر في القفز على الارادة الشعبية حدث في السابق وعبرت عنه الصياغات الدستورية التي بها عدل في غير ما مرة دستور 1996، وكأن الأزمة هي فقط دستورية وليست تتعلق بما هو أعقد وأأزم منها وهي أزمة نهاية نظام حكم استنفذ كل مبررات بقائه!

وهنا أوضح خرشي بأن الدستور الوحيد الذي عبر وباستحياء عن الارادة الشعبية كان دستور 1989 الذي أقر تعددية شكلت بكل ما حملته من أخطاء ومساوئ استجابة نسبية لضغط الشارع في الاقلاع عن منظومة حكم أحادية بائدة بائسة، أما ما تلاها من تجارب دستورية لمعالجة أزمة هي أعمق من أزمة الدستور فكانت حسبه استجابة لضغوطات الخارج ليس غير.

وحتى وإن لم يشر خرشي النوي إلى الأطراف وطبيعة الضغوط، مكتفيا في نقده للتعديلا تلاك بلتركيز على نقطة الهوية التي رأى فيها مغالطة كبرى للرأي العام الوطني من خلال السعي والارادة المضمرتين لخلق ثنائية تصارعية أزلية بين العربية واللهجات الوطنية على رأسها تمازغت بما يخدم خلود الفرنسية كقاسم مشترك وجامع لكل الاختلافات الالسنية في الجزائر، فإن عديد الملاحظين يرون بأن الضغوط الكبرى التي يكون قد أضمرها خرشي في مداخلته هي تلك التي تتعلق بالسماح للجيش الوطني الشعبي بالمشاركة في مهام وعمليات خارج حدود الوطن، وهو ما يتنافى مع عقيدة وروح الوطنية الجزائرية، ووعي التراكمي للشعب الذي كان يرفض التدخلات التي حصلت في دول الربيع العربي التي قادتها نظمها الاستبداية الاستخباراتية إلى ويلات الحروب الأهلية الطاحنة، كما هو عليه الحال في سوريا، اليمن وليبيا.

ولم يكد شريط الفيديو المتضمن لكلمة المترشح السابق للرئاسيات خرشي النوي الذي ألهب مواقع التواصل الاجتماعي ينهي مساءه حتى كتب صحفي الجزايرة ومراسلها من باريس عياش دراجي على صفحته بالفيسبوك ما نصه “الإمارات تحرك بيادقها الخبيثة في الجزائر، بيادق المؤتمرات والفنادق” راميا بذلك تأكيد ما سبق وأشارت إليه دوائر حراكية من أن ثورتهم قد تم اختراقها من قبل قوى الثورات المضادة للربيع العربي التي تعمل بالتنسيق مع قوى الاستعمار القديم للابقاء على نفوذها وحضورها في مستعمراتها القديمة.

وبالنظر إلى سياق إعادة البناء داخل المنظومة (الازمة الصحية العالمية)  وفق مسار ايقاعه غريب ومتسارع (المحاكمات المتعلقة بالفساد والتعديلات الدستورية)  يمكن القول بأن مداخلة خرشسي وتغريدة دراجي جاءتا لتكشفا عن طور ثان من صراع التغيير بين الحراك ومطالبه الاصلاحية الجذرية والسلطة الفوقية بتغييرها السطحي الشكلاني، صار ولوجه يلوح في الأفق، إذ على ضوء ارادة التضييق على الأصوات المعارضة لمسارات السلطة، ولمن عارضها مع بقائه في الدوران بفلكها كما هو شأن حمس الاخوانية وبدرجة أقل للتنمية والعدالة، فإن كل المؤشرات باتت توضح بأن المرحلة الحالية ما هي إلا مشروع لأزمة أخرى ليس بالوسع التنبؤ بميقاتها ولا حجم قيامتها، وهو ما أوضحه خرشي في معرض انتقاده للدستور وانتقاصه من أهمية اللجوء إلى تعديله في سياق أزمة أخرى، حين أكد بأن الرئيس الذي سيأتي بعد تبون سيغير هو أيضا بدوره الدستور والذي سيليه سيفعل الأمر ذاته، لتظل الأزمة متغيرة شكليا على الورق وفي الدساتير وثابتة واقيعا وفعليا في حياة البلد والأمة.

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى