خطأ حزب الله وتحولات لبنان
جويس كرم

المشاهد المأساوية التي عاشتها بيروت صباح الخميس من قنص وحرب شوارع وصيحات طائفية أعادت الى الأذهان صور الحرب الأهلية، وهي تضع لبنان على منعطف حاسم بين خيار الدولة والقانون أو الميليشيات والتفتت الاجتماعي والجغرافي.

أخطأ حزب الله بفتح معركة ضد قاض مدني اسمه طارق بيطار من عائلة شمالية مستقلة، خدم أربابها في الجيش ولم تنزلق في دهاليز الفساد والقرف الميليشيوي الذي يخنق بيروت. الهجوم على البيطار من أمين عام حزب الله حسن نصرالله، واعتباره القاضي في انفجار مرفأ بيروت “منحاز ومسيس” يعكس ارتباك وتململ الحزب وتخبطه في أسلوب التعامل مع التحقيق.

فماذا يخاف حزب الله حين يتم استدعاء رئيس الحكومة السابق حسان دياب والنواب الوزراء السابقين علي حسن خليل وغازي زعيتر ونهاد المشنوق للتحقيق؟ ما علاقة تحرير القدس و”القضاء على إسرائيل” بتحقيق العدالة لعشرات الضحايا، تناثرت أشلاؤهم فوق متفجرات النيترات المخزنة في المرفأ؟

حزب الله، الذي ينادي بالعدالة الاجتماعية والمساواة والدفاع عن المحرومين والمظلومين، يريد قطع الطريق أمام قاض لبناني يسعى لكشف الستار عن ما تسبب في قتل أبرياء في منازلهم ودكاكينهم ودور عبادتهم.

تمادي حزب الله ومعه حركة أمل بعد خطاب نصرالله كان باستخدام الشارع لتحدي ما تبقى من القضاء اللبناني، واللعب مرة أخرى على الوتر الطائفي لشحن مناصريه والدخول في معركة طائفية ضد البيطار. فبعد أحداث بلدة شويا والمواجهات بين حزب الله والدروز على خلفية إطلاق صواريخ، وقبلها الاشتباكات مع عشائر بيروت “العرب” والسنة، دخل حزب الله هذا الأسبوع في مواجهة مع القوات اللبنانية في المناطق المسيحية من بيروت.

هذا الانزلاق في المعترك الطائفي هو خلل كبير في أسلوب حزب الله وخطر على السلم الأهلي. فطوال الحرب الأهلية اللبنانية، نجح حزب الله في حفظ مسافة من الاقتتال الداخلي والطائفي، وخرج منتصرا في معركة تحرير الجنوب في 2000. أما ما بعد ذلك، فشهد انحدار حزب الله التدريجي على المسار الطائفي خطابا وسلوكا، ودخول وعشق السلطة وصولا للحرب السورية التي زادت من ثقة الحزب بخوضه أي معركة وتحقيق مصالحه الضيقة.

المشكلة أمام حزب الله اليوم هو في أن لبنان ليس سوريا، والنسيج الاجتماعي والطائفي الهش إذا تفكك سيطال أيضا الحزب. لا غنى لحزب الله عن بيروت كمقر سياسي وعسكري، وللحفاظ على ذلك لا يمكن خسارة السلم الأهلي. فالسلاح وكما برهنت الأشهر الماضية ليس فقط بيد حزب الله في لبنان، ومواجهة الأعمدة الأخيرة المتبقية للدولة اللبنانية ستعني انهيار السقف فوق الجميع.

من يخاف على مصلحة حزب الله، ينصح أمينه العام بإعادة النظر بأولويات الحزب الداخلية. هل هي إقصاء البيطار أو محاسبة القتلة؟ هل هي ركوب الباص الطائفي مرة أخرى وجر لبنان إلى مواجهة مذهبية أم هل هي لم شمل اللبنانيين؟

لبنان أمام خيارين لا ثالث بينهما: تفكك أمني وطائفي يؤدي إلى مواجهات وحروب شوارع واضمحلال اقتصادي واجتماعي أو رص ما تبقى من أعمدة الدولة وهما القضاء والجيش والمضي بمسار يضع صوت قاض نزيه فوق أصوات المافيات المختبئة وراء العباءات الطائفية ، ويمهد لإصلاحات تمنع تكرار تفجير 4 أغسطس وتضع السلاح، سلاح جميع الميليشيات، بيد الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى