خلفيات نجاح نتنياهو وتقدم اليمين في إسرائيل
عدلي صادق

لقد فعلها أمس بنيامين نتنياهو، بأكثر مما توقع موالوه أو توقع هو نفسه. فقبل أسبوعين فقط، من موعد مثوله أمام القضاء لمواجهة لائحة اتهام بخيانته الأمانة؛ تمكن من الاستحواذ على تفويض شعبي، معناه الموضوعي، أن جزءا كبيرا من الرأي العام الإسرائيلي، لم تزعجه لائحة الاتهام الثلاثية، وحتى إن اعتقد هذا الجزء، بأن الرجل اقترف أفعال فساد، فإن هذه الأفعال ليست كافية لإنهاء الحياة السياسية لزعيم له هذه المكانة النافذة.

ولعل أشد تعليلات هذا المنحى عمومية، أن الجمهور الإسرائيلي لا يزال ينزاح أكثر فأكثر إلى أقصى اليمين، وليس ذلك بتأثير خطاب عاطفي، وإنما بفعل ما يراه المحصّلة الحقيقية لحسابات مصالح الدولة. فلا يختلف اثنان، في معسكر اليمين، وربما في جزء معتبر من يمين الوسط، على أن إسرائيل، باتت في وضع أفضل بكثير، وبكل المقاييس، مما كانت عليه قبل استعادته السلطة عام 2009، أي بعد أن جربت إطاحته في العام 1999 وأتاحت لمنافسه الجنرال إيهود باراك، تسلم مقاليد الحكم، لكن هذا الأخير لم يكمل السنتين في منصبه، إذ أسقطه اليمين المتطرف برئاسة أرييل شارون، بعد فشل مؤتمر كامب ديفيد لتسوية القضية الفلسطينية في صيف العام 2000.

لقد برع نتنياهو في دغدغة عواطف الجمهور الإسرائيلي، واعتبره الكثيرون ساحرا يعرف كيف ينجو ويستمر، وبالنتيجة، فهو حتى الآن سجل رقما قياسيا في عدد السنوات التي تقلد فيها أي رئيس حكومة منصبه، بمن في هؤلاء ديفيد بن غوريون مؤسس الدولة (14 عاما منها 11 عاما متصلة).

لقد كانت لإنجازه الانتخابي أمس، أهمية استثنائية، لأنه، بخلاف محاكمته المنتظرة في اتهامات بخيانة الأمانة والرشوة والاحتيال، تعرض لحملة إعلامية محمومة شارك فيها مسؤولون أمنيون سابقون، ورؤساء أركان وضباط رفيعو الرتب ودبلوماسيون سابقون، اجتمعوا كلهم على رأي يقول، إن إعادة انتخاب نتنياهو، من شأنها تعريض الديمقراطية في إسرائيل إلى خطر محقق.

وفي الواقع، ليس هناك في إسرائيل الآن، أبرع من نتنياهو في مخاطبة الجمهور ذي المزاج اليميني والمتحسس أبدا بحكم تكوينه السيكولوجي وثقافته، للخطر الوجودي، ويبالغ فيه إلى حد الأوهام. وليس هناك من يجيد خوض اللعبة الانتخابية والقيام بحملاتها، أكثر من نتنياهو الذي صنع لنفسه كاريزما استثنائية، وامتلك القدرة على التحدث إلى الناخبين باللسان وحركة الجسد ونظرات العينين ونبرات الصوت. وفي هذا كله يعرف كيف يختار مفاتيح وأزرار الضغط الفعالة، من شاكلة الفخر اليهودي، والتاريخ وآلية الوجود والنجاة، وجدّه الحاخام ووالده البروفيسور في الرواية اليهودية، وشقيقه الأكبر الذي قضى دفاعا عن إسرائيل. فلو امتلك غيره مثل هذه المفاتيح وأكثر منها، فلن يستطيع استخدامها بشكل أبرع ممّا يستطيع نتنياهو. فهو رجل ديماغوجي من الطراز الأول.

وبطبيعة الحال، كانت قد تحققت لإسرائيل الكثير من الإنجازات في فترة حكم نتنياهو الطويلة، لعل أهمها الاختراقات الدبلوماسية في الإقليم، والتعاقدات الاقتصادية والتقنية، والتفاهمات الأمنية، سرا وعلانية، التي حدثت خلال السنوات العشر الماضية، دون أن تكلف إسرائيل شيئا في السياسة أو تتراجع عن ممارسة واحدة من ممارساتها اليومية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومن بين أهم ما يندرج في قائمة هذه الاختراقات، العلاقات مع دول عربية وإسلامية، وقد ركز على هذه النقطة، باعتبارها إنجازا بالغ الأهمية، وفي خلفية هذه الاختراقات كلها، كما أشار، إسهامه في صنع الحدث الذي أدى إلى الإعلان عن “صفقة القرن” وفي مضمونها وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بتأييد ضم الأراضي الفلسطينية. لذا اتسم خطابه في مقر حزب الليكود أمس، بنكهة الانتصار الذي جاء في محصلة كل ما حققه في السنوات الأخيرة، وعبرت عنه النتائج كما سجلتها “نتائج الخروج” من مراكز الاقتراع.

ولعل من المفارقات اللافتة، التي تنم عن ذكاء انتخابي، أن نتنياهو تعمد إظهار الاعتراف بالفضل في ما حققه في انتخابات الأمس، لجدعون سار الذي نافسه على قيادة الليكود في شهر ديسمبر الماضي. فقد استغل سار مأزق نتنياهو مع الشرطة والمدعي العام القضائي، وحاول ركوب موجة التطهر والإصلاح السلوكي، ما جعل نتنياهو يضطر إلى الخروج للشارع ويجوب كل نواحي الدولة من الشمال إلى الجنوب، لعقد اجتماعات مع منتسبي الليكود في كل مراكزهم، ويتعرف شخصيا على المزيد من هؤلاء ويحادثهم ويتودد إليهم ويعرض روايته. وكانت نتيجة ذلك الجهد، أن حقق في الانتخابات التمهيدية على مستوى الليكود، فوزا ساحقا، واستعاد صلاته الوثقى بقاعدة التكتل، بعد أن كان قد أهملها إلى حد كبير قبل انتخابات الكنيست في سبتمبر. فقبل تلك الانتخابات، لم يخرج إلى الشارع إلا نادرا، واعتمد على وسائل التواصل ومخاطبة الناس من مكتبه، وليس الذهاب إليهم في مراكزهم.

في الفترة الأخيرة، نشط نتنياهو على صعيد الاجتماعات الحاشدة، وكان يركز على ضرورة إقبال الجمهور على صناديق الاقتراع، لذا كانت نسبة الإقبال قد زادت أمس عن نسبتها في الانتخابات السابقة وبلغت 71 في المئة. ولم يُظهر منافسه، بيني غانتس، الذي يصغره بعشر سنوات مثل هذه القدرة على الحركة، مع فارق أن الأول قد تأسست له شعبية حزبية تواليه شخصيا، بحكم طول مدة العمل على المسرح السياسي، بينما غانتس ليست له مثل هذه الميزة، وإن كان هو وقادة حزبه، أدركوا في الساعات الأخيرة أهمية الإقبال بكثافة على الصناديق، وذهب هو والثاني بعده في ترتيب القيادة، يائير لابيد، إلى شوارع تل أبيب مع مكبرات الصوت يطلبان من الناس التصويت، بينما توجه جابي أشكنازي وموشيه يعلون إلى معاقل الحزب مرة أخيرة للحث على تشجيع الناخبين. ومع ظهور نتائج الخروج، تعمد أن يقول لجهمور “أبيض أزرق” أمس إنه ماضٍ معهم والطريق طويل وحتى لو حدثت خيبة أمل فإن الحزب الجديد لن يتفكك.

وحتى كتابة هذه السطور، لم يحصل الليكود على الـ61 مقعدا التي تتيح له تشكيل حكومة يمين صرفة بقاعدة برلمانية ضيقة. وفي حال عدم الحصول على هذا العدد، سيراهن على انتقال عضو أصابه اليأس فيتحول من “أبيض أزرق” إلى الليكود، أو عضو آخر من “إسرائيل بيتنا” الذي يقوده أفيغدور ليبرمان الذي تراجعت نتائجه وأهميته. وبسبب تخوفه من عدم القدرة على تشكيل حكومة، دعا نتنياهو في “خطاب الانتصار” إلى ائتلاف وتشكيل حكومة وحدة، وقال إن الجمهور سئم الانتخابات وعبر مرة أخرى عن قناعته الراسخة بأنه الأجدر بترؤس الحكومة وبمقعد السائق.

أما قراءة النتائج على الجانب الفلسطيني، فإن خير من عبر عنها هم الناشطون الفلسطينيون في إسرائيل، الذين دعوا إلى وقفة موضوعية فلسطينية مع الذات، وإلى ضرورة أن تعترف القيادة الفلسطينية بفشلها في تحديات الوحدة وإنهاء الانقسام وتحديات الديمقراطية. وركزوا على نقطة في غاية الأهمية، وهي أن قيادة محمود عباس، ومن يوالونها، ينظرون إلى مستقبلهم من خلال تطورات الساحة السياسية الإسرائيلية، وليس من خلال ساحتهم التي تستحق الالتفات إليها لمعالجة عوارها. وقال أحد هؤلاء إن كاميرات التلفزة الفلسطينية توجه كل عدساتها إلى الخارطة الحزبية الإسرائيلية، ولا توجه كاميرا واحدة لرصد المشهد الفلسطيني والاعتراف بخوائه السياسي، ولا تحمل ساعات البث الفلسطيني ولا تحتمل، رأيا واحدا نقديا للموقف الرسمي الفلسطيني. بل إن ما يسمى بـ”لجنة التواصل الفلسطينية مع المجتمع الإسرائيلي” لم تحصد سوى الخيبة، على الرغم مما صُرف عليها من أموال الفلسطينيين الفقراء. أما الفلسطينيون في أراضي 1948 فقد حققوا من خلال قائمتهم المشتركة أقصى ما يتاح لهم تحقيقه، وبات على فلسطينيي المناطق المحتلة في العام 1967 أن يؤدّوا أبسط واجباتهم وهو وحدتهم ورسم إستراتيجية وطنية واحدة لمواجهة ما ينتظرهم من تحديات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق